بقلم : محمد عبدالحكم دياب
المشهد الأمريكي في الوطن العربي وعلي تخومه
مشهد شديد العبثية، وقل أن يوجد نظير له في مكان آخر أو منطقة أخري من العالم،
قوات أمريكية ترابط في قواعدها العربية الخليجية وغير الخليجية، متأهبة لحرب سوف
تكون - لو تمت - أكثر عبثية من المشهد الأمريكي نفسه، وحتي كتابة هذه السطور، فقد
تجاوز عدد القوات الأمريكية في القواعد الخليجية الستين ألفا، من مختلف الأسلحة.
تحيط بها قوات أخري في تركيا، وصلت إلي أربعين ألف جندي وضابط، سوف يصلون إلي
ثمانين ألفا في المدي القريب. أسلحة كل هذه القوات مصوبة نحو المنطقة العربية، من
ناحية العراق. ونحن عندما نحصي هذا الحشد لا نتجاهل ولا نتغاضي عن الدور المنوط
بالقوات الصهيونية في هذه الحرب المفترضة.
أما المشهد العربي، فهو الأكثر عبثية من بين
كل المشاهد الأخري، بما فيه من انفصام، بين لغة القاعات المغلقة، والأحاديث
والتصريحات المعلنة، ففي القاعات المغلقة تسود لغة الطاعة والاذعان، وفي العلن
تتغلب أحاديث وتصريحات رنانة، تتكئ علي الشرعية الدولية لتبرير ما يتم التسليم به
في الغرف المغلقة، وتنفي وجود الارادة الذاتية أو الامكانيات الوطنية أو المحلية،
ومن بين ثنايا المغلق والمعلن تتبين صور وملامح الهزيمة العسكرية والثقافية
والحضارية، أمام الغزو القادم، وزحف القوات العسكرية الأمريكية علي المنطقة.
من هذه الصور والملامح ما نراه منعكسا علي
حالة القناعة التامة بخوارق القدرة الأمريكية، في وقت نري فيه الأقدام الأمريكية
وهي تغوص في رمال أفغانستان المتحركة. لم تقض علي أسامة بن لادن، ولم تصفي تنظيم
القاعدة، ولم تتمكن من توفير الحماية لمن نصبته حاكما علي أفغانستان، فبقي معزولا
في كابول، وأسيرا في قصره. لم يستطع مد سيطرته علي باقــي أفغانستان.
المسؤول العربي هزم نفسه، وهزمنا معه مسبقا،
بقرار منه، وأصبح أعجز من أن يدافع عن بقائه واستمراره. وفي الأوضاع الطبيعية فإن
الدولة أو الدول، التي تتعرض لمثل ما يتعرض له الوطن العربي والعالم الاسلامي،
تتعامل علي قاعدة التعامل بالمثل، المعمول بها في العلاقات الاقليمية والدولية،
لكن هذه القاعدة لفظتها السياسة الرسمية العربية من زمن طويل، وأحلت محلها سياسة
الاستمتاع بالذل والهوان، وروح القابلية للاستعمار، والسؤال هنا هو لماذا لا يأخذ
المسؤول العربي بقاعدة التعامل بالمثل مع أعدائه؟
المسؤول العربي، الذي يقف شرسا ضد مواطنيه،
هو نفسه المنصاع صاغرا لأعدائه، والمذعن لمطالبهم. غلبت عليه صفة أساسية، في ربع
القرن الأخير، هي أنه يعمل لحساب عدوه وينتصر له. وفي عملية التجييش الراهنة ضد
العراق، وبفضل هذه الصفة حققت الادارة الأمريكية انتصارها، قبل بدء العمليات، وقد
تكون المرة الأولي التي يدخل فيها جيش معركة وهو يستمتع بنشوة نصر لم يحققه لنفسه
وحققه له عدوه، بعد أن تجرع، هذا الجيش، مرارة الهزيمة وهو يواجه شعوبا أقل من
العرب عددا وعدة، لكنها تملك ارادة المقاومة وقدرة الدفاع عن النفس.
قد يستغرب البعض هذا القول، عن نصر أمريكي
مجاني. ويطلب أمثلة علي ذلك، ونقول لهؤلاء أن الأمثلة أكبر من أن تحصي، ونختار
منها ما ارتبط بتثبيت القواعد العسكرية، البرية والبحرية والجوية، في المنطقة،
وتحولها إلي احتلال مباشر، والجهد الأكبر لكثير من أجهزة الاعلام العربية هو اقناع
الشعب، بطبيعية هذا الوجود الدائم وشرعيته.
ثم أليس زرع ونشر الجواسيس ومراكز التجسس
والأمن الأمريكية، في أنحاء متفرقة في الوطن العربي، بصورة معلنة وفجة. انتصارا
أمريكيا؟ أصبحت مواقع رجال المخابرات المركزية الأمريكية معروفة، وصارت أماكن وجود
رجال مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية معلومة، لمن يريد الاتصال بهم ويعمل
لحسابهم. وبعد أن كان التجسس مهنة سرية، لا يتم الكشف عن ممتهنيها والعاملين بها،
أصبح التجسس مهنة معلنة وطنية ، يعلن عنها في الصحف وأجهزة الاعلام. لها مقابل
مالي، وكادر وظيفي، والتحق بها عدد لا بأس به من أبناء المنطقة، ولا يجد المسؤول
العربي في ذلك غضاضة، بعد أن فتح بدوره بلاده لأجهزة التجسس، وسلم مواطنيه وأبناءه
لها. فتنقلهم بدورها خارج حدود الوطن، لتتم محاكمتهم علي أرض غير أرضهم، ووفق
قانون غير قانونهم.
تتوالي الانتصارات الأمريكية، لتصل إلي تحويل
كل شأن سياسي عربي إلي شأن أمني أمريكي صهيوني، وفي الوقت الذي تراجع فيه عدد
المبعوثين السياسيين، زاد معدل وصول الوفود العسكرية والأمنية والمخابراتية، وبذلك
حقق النصر الأمريكي المجاني أهم أهدافه، باعادة تشكيل المسؤول العربي علي شكل كلب
حراسة ، يمسك بلجامه المندوب السامي الأمريكي، في هذه العاصمة العربية أو تلك.
واسقطت هذه الانتصارات المجانية، التعهد الأمريكي السابق بحماية هذا النوع من
المسؤولين العرب، فمهمة كلب الحراسة الموكولة لهم، لا تضمن لهم الحماية أو البقاء
أو الاستمرار كثيرا في الحكم، وأصبح لزاما عليهم الموت فداء للعدو الأمريكي، ولا
يتسع المجال لأمثلة عن انتصارات أخري متحققة علي أصعدة الاقتصاد والسياسة
والثقافة. إن الانتصار الأكبر هو ذلك المتحقق علي صعيد القناعة البلهاء بأن القرار
الأمريكي لا راد له، ولا قبل للعرب به، وهذه أحط أنواع الهزيمة.
هذا يروق للادارة الأمريكية، ولا يجب أن
نلومها، فهي في النهاية تعمل لأمنها ومصالحها، وعلينا أن نقتدي بها في ذلك، والذي
يلام هو المسؤول العربي، الذي سمح بكل هذا، وجعل المنطقة تبدو وكأنها مجردة من كل
عوامل وأوراق القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية وتفتقد الارادة والكرامة.
المسؤول العربي هزم أمته دون حرب، وعاد إلي ما يمكن تسميته بالقابلية للاستعمار،
والقبول بالحكم الأجنبي، وهي حالة كان قد تجاوزها الواقع العربي خلال عقدي
الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
هناك ظروف تحول دون تعامل المسؤول العربي مع
الادارة الأمريكية علي قاعدة التعامل بالمثل، أهمها فرض الهزيمة النفسية علي
المواطنين، ورغم وجود صور مشرفة ومضيئة، في لبنان وفلسطين بكفاح المقاومة الوطنية،
بقيادة حزب الله، واندلاع الانتفاضة وانتقالها، وصعوبة الظروف من الاعتماد علي
الحجر إلي المقاومة بالعمليات الاستشهادية، رغم وجود هذه الصور، فإن الاتجاه
الغالب هو ترسيخ التفكك وعدم التفكير في الأخذ بنواصي القوة المتاحة، وأبسطها
النظرة إلي الحرب الشاملة المفروضة علي المنطقة، بمواقف علي نفس المستوي من
الشمول.
النظرة السائدة لهذه الحرب الشاملة، من
المسؤول العربي، أنها محصورة بحدود لقطر المارق ، فانشغل بحروبه الداخلية مع شعبه
ونزاعاته الاقليمية مع جيرانه، وهذا أتاح فرصة استخدام البلد العربي ضد البلد
العربي الآخر، فترسخ نهج الانفراد بكل بلد علي حده، وفتح ذلك شهية الأعداء.
المسؤول العربي لا يلتفت كثيرا إلي طبيعة
التغيير الذي طرأ علي العقيدة القتالية الأمريكية، وهو تغيير نتج عما طرأ علي
الاستراتيجية الغربية، بعد أحداث سبتمبر، في واشنطن ونيويورك، وواكب تمكن المسيحية
الصهيونية من السيطرة علي البيت الأبيض ووزارة الدفاع البنتاغون ، فهذه
الاستراتيجية وان قامت علي حماية أمن الدولة الصهيونية وضمان وجودها، والسيطرة علي
مصادر النفط والطاقة، ومقاومة الارهاب، فقد دمجت النظام العربي فيها، فأصبح القرار
السياسي العربي لا يهدد أمن الدولة الصهيونية أو وجودها، ولا يشكل خطرا علي مصادر
النفط والطاقة، ولا يعوق النشاط الأمريكي الصهيوني في مقاومة الارهاب بمعناه
الأمريكي الصهيوني، وهو المعني الذي شمل كل حركات المقاومة الوطنية والقومية
والدينية، في المنطقة، بما فيها حركات الاسلام السياسي، التي تمردت علي الولايات
المتحدة بعد تجربتها المريرة معها. والذي طرأ هو بسبب حصر المفهوم الأمريكي
للارهاب في النطاقين العربي والاسلامي وصار الارهاب مرادفا للعروبة والاسلام،
وترتب علي ذلك تغير في العقيدة القتالية الأمريكية، لتعتمد الحرب الوقائية ، أو ما
تسميه بعض المراجع الحرب الاستباقية حلا لهذه المشكلة.
هذه العقيدة القتالية لا تدافع عن مصالح
بالمعني التقليدي، انما تأخذ الدول بالشبهة، وتعتمد علي الادعاء دون بينة، وتضع
الحرب خيارا وحيدا، من هنا صارت الحرب النفسية، والضغط علي الروح المعنوية للعرب
والمسلمين جزءا مهما في هذه الحملة الشاملة، وحقق الابتزاز فيها نتائج مبهرة. يبدأ
الابتزاز باختيار الهدف، ثم تعلن الحرب عليه، وتحشد الجيوش والأساطيل الجوية
والبحرية، فيقف العالم علي أطراف أصابعه، ويصبح أقصي مني هذا العالم المذعور، هو
تأجيل الحرب لا معالجة أسبابها،.
لو أن الوضع العربي مختلف لكان الأمر مختلفا،
ولكان العرب قد سلكوا طريقا آخر، هو طريق المعاملة بالمثل، ليس بمعني أن يكونوا
مثل دون كيشوت يحاربون بسيوفهم الخشبية طواحين الهواء، وليس بمعني تجهيز الأساطيل
لغزو الولايات المتحدة، أو تجنيد العملاء للتخريب داخلها كما تفعل هي مع العرب
والمسلمين. وإن كان ذلك مشروعا لمن يملك هذه القدرة دفاعا عن النفس، وهو يواجه هذا
النمط العدواني الوحشي، وأبسط الأشياء هي أن تكون للعرب استراتيجيتهم، هي النقيض
تماما للاستراتيجية الأمريكية، فإذا كانت الأخيرة تعمل علي حماية الكيان العنصري
الاستيطاني في فلسطين، فعلي العرب أن يركزوا علي اقتلاع هذا الكيان السرطاني
بالأسلحة الممكنة، ويحولوا الطاقة والنفط بدلا من أن تكون سلاحا ضدهم إلي أداة من
أدوات الاستقلال الاقتصادي، وإذا كان الوجود العسكري الأمريكي يحول بينهم وبين
الاستقلال، فالمسؤولية الوطنية والقومية والدينية تقتضي التصدي لهذا الوجود، فوجود
هذه القواعد ضد إرادة الأمة يمنح المواطن مشروعية الكفاح الذي يجعلها هدفا مباشرا
له، أما عن الارهاب فعلي العرب الانسحاب من هذه المعركة الباطلة، ووقف التسهيلات
المقدمة لأجهزة الأمن والمخابرات الأمريكية والغربية والصهيونية، وعدم تمكينها من
التدخل في أبسط الشؤون الحياتية للمواطن العربي.
هذا يتحقق بتحرير المواطن من القيود التي
تكبله، واعادة كرامته إليه، ودون تحرير المواطن فلن يتحرر الوطن، فبالعبودية وبغير
الكرامة تزداد القابلية للاستعمار، فالأحرار ليست لديهم هذه القابلية، ولأن
المسؤول العربي عاجز عن القيام بهذا الدور فعليه أن يفسح الطريق لمن يقدرون علي
ذلك فالحاجة أصبحت ملحة لحماية أرض الوطن وتحرير المواطن.