المحصول الاستراتيجي للحرب الأمريكية على العراق

 

 

 

 

بقلم : د. عبد الله النفيسي

 

إذا نجح الأمريكان في الوصول إلى بغداد وتنصيب كرزاي بغدادي فسوف يترتب على ذلك حسبة استراتيجية جديدة لكل الاطراف المحاذية للعراق: ايران وسوريا ودول مجلس التعاون الخليجي وتركيا والأردن. بالنسبة لايران ستجد نفسها محاصرة عسكريا من الشرق والغرب ( وجود عسكري مباشر للامريكان يحيط بها في افغانستان شرقاً والعراق غرباً) وهو وجود - إذا أضيف إليه تمترس الأامريكان في الخليج والجزيرة العربية - سوف يضغط كثيراً على الخيارات الايرانية الاستراتيجية في الداخل والخارج وربما يؤدي الى تحولات استراتيجية في السياسة الايرانية داخلياً وخارجياً وذلك لامتصاص تداعيات الوجود العسكري الامريكي المباشر في بغداد وعسكرة آبار النفط في العراق.

بالنسبة لسوريا ستجد نفسها (كامخة) بين فكي كماشة برية للتحالف الصهيو- أمريكي (الأمريكان في العراق والاسرائيليون في الجولان) وسوف يدفع ذلك سوريا دفعاً إلى إعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية وحسبتها السياسية أيضاً داخلياً وخارجياً. أما تركيا فأخوف ما تخاف منه في الملف العراقي هو اثره على موضوع الاكراد من جهة تشجيع الاكراد (ضمن الوجود العسكري الامريكي المباشر في العراق) لرفع سقف المطالب الكردية داخل تركيا نفسها وهي قضية لطالما زلزلت الوضع الامني الداخلي في تركيا وعرقلت عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي. أما بالنسبة للاردن المستفيد حالياً استفادة عظيمة من حصار الامريكان للعراق والقادر حالياً على استثمار حدوده البرية في هذا المجال مع العراق ففور استقرار الامريكان في العراق سينتهي الحصار وتنتهي معه فرص الاردن النادرة لاستثماره وسيعاني الاردن اقتصاديا وسياسيا لو حدث ذلك. اما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي فسوف تزداد عزلتها العربية وسوف تنكمش مساحة مناورتها السياسية للتفلت من الاملاءات الامريكية فيما يتعلق بوضعها الداخلي (سياسيا وثقافيا) وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية (انخراط اكثر في التصفية) وفيما يتعلق بالسياسة النفطية (ارتفاع سقف الانتاج وفق الاحتياجات الظرفية للسوق الغربي).

هكذا يتبين لنا أن غزو الامريكان للعراق - إذا حصل - سوف يشكل تراجعاً تاريخياً عربياً لا يقل خطورة في نتائجه الاستراتيجية عن سقوط كامل فلسطين بأيدي الصهاينة.

لا يقل عن مئتين من سفراء بريطانيا سيلتقون في لندن لدراسة هذا الأمر وأثره على المصالح البريطانية والأوروبية عموماً في المستقبل في ضوء احتكار الأمريكان للقرار الاستراتيجي في موضوع العراق. هناك إحساس أوروبي متصاعد نحو ضرورة لجم الادارة الامريكية الحالية برئاسة بوش لانها تقود الغرب ومعه العالم إلى هاوية ومغامرة محفوفة بكثير من المخاطر التي تهدد المصالح الاوروبية وعلاقات أوروبا التاريخية بالخليج والجزيرة العربية.