بقلم : فهمي هويدي
لا نحتاج إلى عراف او قارئ كف لكي نقول ان
وقف إطلاق النار من جانب المقاومة الفلسطينية في الوقت الراهن بات من المستحيلات،
لأن ذلك الوقف ان كان بالمجان فهو يفقد المقاومة شرعيتها ويغدو بمثابة انتحار لها.
وإن كان بمقابل اسرائيلي فهو إقرار بالفشل او الهزيمة. وليس هناك عاقل بين قيادات
المقاومة يقبل بالانتحار الطوعي، كما ان غرور الغلاة المستكبرين في حكومة تل أبيب
لن يسمح لهم بالاعتراف بفشل الحل العسكري.
(1)
فكرة وقف إطلاق النار، التي هي عنوان مهذب
لوقف العمليات الاستشهادية، تداولتها أقلام كثيرة بمناسبة الاجتماعات التي دعت
إليها القاهرة، وبدأت بحركة فتح وحماس، ثم توالت بعد ذلك مع بقية الفصائل
الفلسطينية، وفي المقدمة منها الجهاد الاسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية.
وحسب معلوماتي فإن الفكرة لم تطرحها مصر، التي استهدفت بالاجتماعات محاولة التوصل
الى توافق فلسطيني في مواجهة التحديات المحتملة في المرحلة المقبلة، خصوصا في حالة
غزو العراق وترجيح قيام الحكومة الاسرائيلية بتوجيه ضربة موجعة يراد لها ان تكون
<<قاضية>> لما تبقى من الصمود الفلسطيني.
أغلب الظن ان أجواء المحادثات هي التي استدعت
الفكرة، خصوصا ان التصريحات الرسمية لم تغلق الباب دون مناقشتها. من ذلك مثلا قول
وزير الخارجية المصري أحمد ماهر ان وقف الانتفاضة ليس مطروحا للبحث، وإنما المطروح
هو استمرار المقاومة بالطريقة التي تحقق أهداف الشعب الفلسطيني، حيث هناك وقت
للمقاومة المسلحة، ووقت آخر للمقاومة غير المسلحة (الأهرام 31/12) من ذلك ايضا قول
خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس <<ان موضوع الحوار في القاهرة هو
كيف ندير المقاومة، لا كيف نوقفها>> (القدس العربي 28/12).
ولا يستبعد ان يكون للضغوط الاميركية
والاوروبية التي ما برحت تلح على وقف العمليات الاستشهادية أثرها في تسليط الاضواء
بدرجة أكبر على المسألة. كما ان الجدل الذي أثارته تصريحات محمود عباس (أبو مازن)
أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، والتي انتقد فيها ما أسماه
<<عسكرة الانتفاضة>>، اعطى دفعة لفكرة الوقف، خصوصا انه لم يكن الوحيد
بين قيادات السلطة الذي تبنى تلك الدعوة.
مع ذلك فالقدر المتيقن ان ما أثير عن وقف
إطلاق النار او وقف العمليات الاستشهادية كانت حظوظه خارج محيط اجتماعات القاهرة،
أكبر منها في داخل تلك الاجتماعات. وقد فهمت من مصادر ثيقة الصلة بالمشاورات ان
مصر لم تقدم اقتراحا محددا في هذا الخصوص، وإنما عنيت بتبيان الأجواء واستطلاع
وجهات النظر المتباينة في صدد مختلف التحديات او <<السناريوهات>> التي
تلوح في الأفق السياسي الراهن. وسواء كانت مناقشة وقف العمليات الاستشهادية صدى
للمناقشات الجارية في اجتماعات القاهرة او بمناسبتها، فالشاهد ان الملف استدعي الى
الطاولة، وفرض نفسه على أولويات <<أجندة>> الحوار.
الى عهد قريب جدا، كانت الاتصالات المصرية
مفتوحة ومستمرة مع قيادة السلطة الفلسطينية دون غيرها. ولكن العام المنصرم شهد
تطورات وتحولات استدعت توسيع دائرة الحوار وإدخال فصائل المقاومة على الخط. من هذه
العوامل ان السلطة حوصرت وشلت حركتها تقريبا، وأن فصائل المقاومة أصبحت هي الحقيقة
الفاعلة على الارض. الامر الذي ادى إلى تغيير موازين القوى في الساحة الفلسطينية.
من العوامل ايضا ان الضغوط الاميركية والاسرائيلية لإقصاء الرئيس عرفات لم تتوقف،
حتى لم يعد من اليسير تجاهلها. وقد أدركت بعض عناصر السلطة ذلك، فأخذت المسألة على
محمل الجد، وبدأت في التحضير والترشيح ايضا لمرحلة ما بعد عرفات، وهو ما كانت له
أصداؤه في بعض العواصم العربية، وذلك تحول آخر لم يكن ممكنا تجاهله. الى جانب هذا
وذاك فإن اقتراب الموعد المفترض لتوجيه ضربة عسكرية أميركية للعراق، الذي تتمناه
اسرائيل وتستعجله لأسباب ليست خافية، من شأنه ان يضيف متغيرا جديدا في المعادلة
كان من الضروري التحسب له.
ولأن ما يجري في الارض المحتلة ليس شأنا
فلسطينيا فحسب، ولكنه ايضا أمر وثيق الصلة بحسابات الامن القومي المصري، فقد كان
من الضروري تطوير الموقف المصري بما يتجاوب مع المتغيرات التي طرأت على المعادلة.
من ثم فإلى جانب خط الاتصال المفتوح بين القاهرة و<<المقاطعة>>، حيث
توجد قيادة السلطة في رام الله، جرى مد خطين آخرين، القاهرة ودمشق، حيث توجد
قيادات فصائل المقاومة. وقبل ان تجري مشاورات بلورة الموقف مع تلك الفصائل، تدخلت
القاهرة في شهر أكتوبر الماضي لفض الاشتباك الذي وقع في غزة بين عناصر منظمتي فتح
وحماس، حين قتل أحد المنسوبين الى حركة حماس ضابط شرطة (العقيد راجح ابو لحية) أخذ
بثأر شقيق له قتلته الشرطة أثناء تظاهرة احتجاجية قام بها طلاب الجامعة الاسلامية
في غزة، وكان العقيد ابو لحية هو من أمر بإطلاق النار على الطلاب. ورغم ان العملية
لم يكن لها طابع تنظيمي، حيث لم يكن لحماس المنظمة اي دور في العملية، كما ان
العقيد أبو لحية لم يكن من عناصر فتح أصلا، الا ان عناصر الفتنة تحركت، وحولت عملية
الثأر الى مواجهة واشتباك مسلح بين أكبر وأهم تنظيمين في الساحة، أسفر عن قتل خمسة
فلسطينيين. وهو ما بدا منذرا بانلاع حريق في الداخل يأتي على الكثير مما أنجزته
المقاومة، ويحقق لإسرائيل إحدى أمنياتها الغالية. ومن أسف ان بعض القيادات الامنية
في غزة أسهمت في تصعيد المسألة على نحو اقتضى تحركا سريعا وحاسما لتطويق الموقف
وإخماد الحريق. وهي المهمة التي أنجزتها القاهرة حين رعت اجتماعا بين الطرفين في
مصر لذلك الغرض، أسفر ايضا عن تشكيل لجنة تنسيق مستمرة بينها.
النجاح الذي تحقق آنذاك مهد الطريق لتوسيع
نطاق التشاور حول أمور اخرى، ولذلك دعي خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس
الى القاهرة في زيارتين لم يعلن عنهما لأسباب أمنية، وهو الذي تعرض لثلاث محاولات
اغتيال من جانب اسرائيل، إحداها في عمان، والثانية والثالثة في قطر. وفي حدود علمي
فإن بعض الأفكار التي جرى تداولها في تلك المشاورات ناقشها مسؤول رفيع المستوى مع
رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون، وكانت استجابته سلبية لها.
(2)
مشاورات القاهرة لم تكن الوحيدة بين فصائل
المقاومة الفلسطينية، وإنما كانت هناك مشاورات اخرى موازية في غزة ودمشق. وكان
توافق الفصائل الاربعة المقاتلة على الارض (فتح وحماس والجهاد والجبهة الشعبية) قد
انعقد حول اربع نقاط هي:
ان الانتفاضة ينبغي ان تستمر، باعتبارها
خيارا وحيدا، بعدما فشلت كل جهود الحل السلمي، وألغت الحكومة الاسرائيلية كل
الاتفاقات التي وقعت بين الطرفين.
ان المقاومة لا تستطيع ان توقف اشتباكها
المسلح وخصوصا العمليات الاستشهادية إلا فيما وراء الخط الاخضر (في العمق
الاسرائيلي)، ولا تستطيع في أي حال ان توقف عملياتها في الاراضي المحتلة في عام
67، ليس فقط لأن هذا حقها المشروع طبقا لميثاق الأمم المتحدة، ولكن ايضا لأنها ان
فعلت ذلك فستلغي مبرر وجودها، وسيظهر هناك آخرون يواصلون مسيرة المقاومة المسلحة.
ان قبول فصائل المقاومة بذلك الايقاف في داخل
اسرائيل مشروط بتوقف الجيش الاسرائيلي عن شن غاراته ومواصلة اجتياحه لمدن وقرى
الضفة والقطاع، وقبوله بالبدء في الانسحاب من تلك الاراضي الى ما وراء حدود سبتمبر
عام 2000.
في هذه الحالة فإن حركة حماس والجهاد لن تقفا
ضد مساعي اقامة الدولة الفلسطينية على الاراضي التي احتلت في عام 67.
وكانت منظمة فتح وحدها التي أيدت تلك الخطوة.
هذا التصور الذي تطرحه فصائل المقاومة تعارضه
بعض عناصر السلطة، وأبو مازن أهم اولئك المعارضين لمسألة استمرار العمليات
الفدائية في الاراضي المحتلة منذ عام 67، اذ من رأيه ان من المهم ايضا ان توقف
المقاومة المسلحة في الضفة والقطاع، لأن من شأن استمرارها إلحاق الضرر بمجمل
القضية الفلسطينية ولا بد من ان يخلق هذا الموقف اشكالا في مشاورات الفصائل اذا
قدر لها ان تجتمع في القاهرة، حيث لا اعرف كيف يمكن ان يرأس أبو مازن وفد فتح كما
قيل بينما كتائب الأقصى التابعة لفتح تعارض موقفه وتتفق مع بقية الفصائل على ان
الوقف اذا قدر له ان يتم فسوف يسري فقط على ما وراء الخط الاخضر.
الاعتراض الاكبر على ذلك التصور يأتي من جانب
اسرائيل، التي رفض رئيس وزرائها في الاتصالات التمهيدية ان يقدم تعهدا بوقف
الغارات او ترتيب الانسحاب، وغاية ما قاله ان الفصائل التي ستتفق على وقف عملياتها
لن تستهدف القوات الاسرائيلية عناصرها، ويمكن ان تعد بعدم المساس بهم. وهو منطق
انتهازي وخبيث، أراد به مجرد تأمين الأفراد مع استمرار استباحة الارض ومواصلة قهر
الشعب الفلسطيني.
تقدير خالد مشعل ان شارون اتخذ هذا الموقف
لأنه لا يزال يعول على الحل العسكري، فضلا عن ان معطيات الوضع العربي الراهن لا
تشكل ضغطا عليه يضطره لأن يدفع ثمنا لقاء وقف العمليات الاستشهادية. ثم انه يتصور
ان اسرائيل ستكون في وضع افضل وأقوى وسيكون العرب والفلسطينيون في وضع اضعف اذا ما
نجحت الضربة الاميركية للعراق. ومراهنته على ذلك الاحتمال تدفعه الى مزيد من
التشدد في موقفه، وليس الى مراجعة الموقف وتقديم مقابل للفلسطينيين. ويعزز ذلك التشدد
ثقته بتأييد الادارة الاميركية له.
(3)
هذا الانسداد البادي في الأفق أصاب البعض
بالاحباط، ودفعهم الى تأييد وجهة النظر الداعية الى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه،
عن طريق الوقف غير المشروط للعمليات الاستشهادية. ويدعم هؤلاء موقفهم بالحجج
التالية:
ان ميزان القوة العسكري والسياسي هو في صالح
اسرائيل بامتياز.
ان رئيس الحكومة الاسرائيلية سوف ينتهز فرصة
انشغال العالم بمتابعة ما يجري في العراق، لكي يفترس الفلسطينيين ويحيل الارض
المحتلة الى بركة من الدماء.
ان الوضع العربي العام أعجز من ان يقدم شيئا
يساعد به الفلسطينيين على الصمود او المقاومة.
ان الرأي العام العالمي مجمع على استهجان
العمليات الاستشهادية التي أصبحت ذريعة لاتهام المقاومة الفلسطينية بالارهاب،
الامر الذي أفقد القضية تعاطفا هي بحاجة ماسة إليه.
لقيت في إحدى الدول الخليجية قبل عدة أيام
عددا من القياديين في <<حماس>>، كان اثنان منهم قادمين للتو من أحد
اجتماعات القاهرة، وحيث تطرق الحديث الى حجج دعاة الوقف غير المشروط، كان ردهم كما
يلي:
من البداية تدرك المقاومة ان الاستقلال له
ثمنه الباهظ، وان الميزان العسكري لصالح اسرائيل، والحاصل في فلسطين ليس استثناءً.
ففي كل معارك التحرير كان الميزان العسكري في صالح القوة الغاصبة والمحتلة، في
الجزائر وفيتنام وجنوب افريقيا. ومع ذلك فإن الطرف الاضعف عسكريا هو الذي حقق
النصر في النهاية، لأن القدرة العسكرية لا تعني بالضرورة احتكار القوة.
وللفلسطينيين نقاط قوتهم المتزايدة التي لا ينبغي تجاهلها، والتي سببت ازعاجا
شديدا لإسرائيل، وما الإلحاح المستمر على وقف العمليات الاستشهادية إلا دليل على
انها سددت لها ضربات أوجعتها. واذا كان الشعب الفلسطيني وحده هو الذي يدفع الثمن،
وهو لم يضق بذلك او يتبرم، فلماذا يتطوع الآخرون ويطالبونهم بوقف الثمن الذي
يسددونه من دمائهم وأرواح أبنائهم.
اذا انتهز شارون مسألة ضرب العراق وحاول ان
يسدد ضربة للفلسطينيين، فإن ذلك لن يوجعهم كثيرا، لأنهم لن يخسروا أكثر مما خسروه،
وأي ضربة توجه إليهم لن تختلف عن سابقاتها في جنين وأخواتها الا في الدرجة. أما
النوع فسيظل واحدا.
في ما يخص الوضع العربي العام، فليس فيه جديد
بالنسبة للفلسطينيين، والانتفاضتان الاولى (في 87) والثانية في سنة ألفين، قام
بهما الفلسطينيون دون مساعدة او عون من أحد، وإنما هم الذين هبوا وهم الذين دفعوا
الثمن باهظا وكاملا.
حكاية الرأي العام العالمي تحتاج الى ضبط
وتحديد، لأن الذين يثيرون هذه النقطة يعوّلون على كلام رؤساء الحكومات في أوروبا
وأميركا، ويتجاهلون التظاهرات الحاشدة المؤيدة للفلسطينيين في العديد من عواصم
أوروبا والولايات المتحدة الاميركية. ثم ان هؤلاء الذين يثبتون أنظارهم على
العواصم العربية يتجاهلون مشاعر الشعب الفلسطيني الذي ضحى بالكثير، واحتمل الكثير،
وأصبحت تلك العمليات الاستشهادية هي الرئة التي يتنفس بها والأمل الذي يتعلق به.
وغني عن البيان انه من وجهة نظر المقاومة فإن الرأي العام الفلسطيني أهم عندهم
وأولى بالرعاية من اي شيء آخر.ات المتحدة ا
نقلا عن السفير