ما بين ادوارد سعيد وكنعان مكية:
بقلم: د. عبدالوهاب الافندي
تلقيت في عام 1994 دعوة لحضور محاضرة يلقيها
الكاتب العراقي المعارض كنعان مكية عن كتابه القسوة والصمت المفارقة ان الدعوة
جاءتني من دبلوماسي امريكي شاب كان وقتها يقضي فترة دراسية في بريطانيا، وكانت
تربطني به علاقة صداقة، ولم يكن الامر مصادفة، فقد كانت هناك اوساط امريكية وغربية
(وحتي اسرائيلية) كثيرة تميل الي تصنيف ما اكتب من كتابات نقدية في خانة ما يخرج
به مكية وفؤاد عجمي وامثالهما من طوائف الليبرالية ، وقد حثني الدبلوماسي المذكور
علي حضور لقاء مكية وربما المشاركة فيه لان افكارنا متشابهة حسب تعبيره.
وفي اجتماع اكاديمي عقد في اكسفورد قبل بضع
سنوات استشهد اكاديمي اسرائيلي معروف ببعض انتقاداتي الحادة للحركة الاسلامية
المعاصرة لتأييد مقولاته التي لا اتفق معها ثم قال في اثناء حديثه اعرف ان فلانا
موجود هنا واتمني ان يعقب علي ما اقول . الشيء نفسه فعله الكاتب الفرنسي المعروف
جيل كيبل في كتابه الاخير الجهاد حيث استشهد ببعض كتاباتي حول مأزق الحركة
الاسلامية المعاصرة ايضا لدعم تحليله هو.
لم احضر لقاء مكية ولم اعقب علي الاكاديمي
الاسرائيلي، وان كنت قد التقيت جيل كيبيل في باريس العام الماضي ولم اكن قد قرأت
كتابه، وسمعت منه شخصيا لاول مرة انه استشهد بكتاباتي، ولكن هذه التجارب وامثالها
تلقي الضوء علي الضغوط والاغراءات التي يتعرض لها الكتاب والاكاديميون ذوو النظرة
المستقلة والموقف النقدي المتجرد من الاوضاع العربية. فهناك خطر ان يتحول
الاكاديمي المنتقد للاوضاع بغرض اصلاحها وتجاوزها الي اداة في اطار مخططات لا
علاقة لها بالاصلاح ولا ابتغاء الخير للامة، بل بالعكس.
وهذه هي الخلفية التي ينبغي ان ينظر من
خلالها الي الانتقادات الحادة غير المسبوقة التي وجهها بروفيسور ادوارد سعيد الي
كنعان مكية في اواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في عموده المنتظم في الاهرام
الاسبوعي (بالانكليزية ـ وهو نفس المقال الذي ينشر مترجما في بعض الصحف العربية)،
والذي اثار بدوره ردود فعل عنيفة من انصار مكية في اوساط المعارضة العراقية واخرين
غيرهم، فقد استنكر هؤلاء ما وصفوه بتجني سعيد وهبوط اسلوبه الي مستوي التجريح
الشخصي، وساند هؤلاء مكية في مواقفه المعلنة المؤيدة للتدخل الامريكي بل
والاستعمار الامريكي، ونزع العراق عنوة من محيطه العربي، واتهم هؤلاء سعيد (وأيدهم
في ذلك الكاتب الاسرائيلي) بانه تحيز ضد المعارضة العراقية في سياق الموقف
الفلسطيني العام الذي يضع القضية الفلسطينية فوق كل هم عربي اخر، وزاد الكاتب
الاسرائيلي فاتهم سعيد بالنفاق لانه ينكر علي مكية ما يستمتع به هو من ظل امريكا
الوارف.
في ظاهر الامر فان ادوارد سعيد قد خرج عن
منهجه الاكاديمي الرزين، وانخرط في هجوم شخصي حاد علي كنعان مكية ربما اعطي
المعارض العراقي حجما اكبر من حجمه فقد وصف سعيد مساهمات مكية في مجال القصة او
تحليل افكار الاسلاميين بانها دون المستوي ولا تستحق الاهتمام، وحمل علي كتابه
القسوة والصمت، الذي هاجم فيه صمت المثقفين العرب عن الاستبداد في حين ان مكية
نفسه لم يكن اقل صمتا من غيره ولا اقل تربحا من صمته. فقد نشر مكية كتابه جمهورية
الخوف باسم مستعار في عام 1989، ولكن سعيد خصص النقد الاكبر لمشروع مكية العراق ما
بعد صدام حسين ، والذي طالب فيه بتطبيق الفدرالية في العراق، واحتلاله من قبل
امريكا لسنوات وتجريده من هويته العربية الاسلامية.
الردود علي سعيد، والتي جاءت في مجملها من
مثقفين عراقيين، ركزت علي نقده لبرنامج مكية الذي تقدم به بصفته الجديدة كمستشار
في وزارة الخارجية الامريكية ـ ولكن هذا التركيز علي القضية العراقية اخطأ النقطة
المحورية في نقد سعيد من جهة، والقي عليها الضوء عمليا من جهة اخري.
النقطة المحورية في نقد سعيد هي المقابلة بين
منهجين متعارضين لتعامل المثقف العربي مع القضايا الحيوية التي تهم منطقته
والعالم. هناك المنهج الذي يتبناه سعيد، وهو منهج ينحو، بعكس انتقادات خصومه، الي
العالمية لا الي الطائفية والاقليمية، سواء اكانت فلسطينية او غيرها. ادوارد سعيد،
مثله في ذلك مثل كل وطني شريف، يقف بصلابة مع حقوق شعبه في فلسطين ضد القمع
والاحتلال والتشريد، ولكن تفرد سعيد ينبع من انه نقل الصراع ضد الهيمنة والاستعمار
من هذا المجال الوطني الضيق، بل من مجال السياسة كله، الي آفاق ارحب، تبدأ من
ارساء الاسس الفكرية والثقافية والاخلاقية السليمة للتعامل بين الشعوب، وتنتهي
بتبني قضايا المستضعفين والمضطهدين في كل مكان، ادوارد سعيد اذن ابعد الناس عن
الطائفية والتحزب الضيق، لفلسطين او لغيرها فقد خصص نقده الاكبر للسلطة
الفلسطينية، ولحكومته الامريكية، وقد انفتح، وهو المواطن الامريكي ذو الاصول
المسيحية البروتستانتية علي الاسلام واليهودية وكل الثقافات العالمية.
ولكن انفتاح سعيد وتفهمه للرأي الاخر لا يعني
الغاء الذات او احتقار النفس، وهذا هو بالضبط ما ينعاه علي اصحاب التيار الاخر
الذي اصبح مكية من ابرز رموزه الي جانب فؤاد عجمي، فهذه الفئة تتقرب من الاخرين
ليس بالتميز في الابداع الثقافي، بل بلعب الدور المرسوم لها من جهات الهيمنة ضد
شعبها وامتها، ماذا كان غلاة الصهاينة يقولون ان كل مسلم ارهابي وكل عربي من
البرابرة المتوحشين، فان هؤلاء يرددون نفس المقولات، ويؤكدون ان العرب لا خير
فيهم، مما يحتم علي الولايات المتحدة استعمار العالم العربي وادخاله الي عالم
الحداثة والحضارة.
وقد كفانا عجمي مؤونة شرح منطلقات هذه
الجماعة في مقالة نشرها في العدد الأخير من فورين افيرز بعنوان العراق ومستقبل
العرب ، اعترف فيها بأن حروب امريكا ضد العراق، سواء تلك التي وقعت في عام 1991 او
المرتقبة هي في الحقيقة حملة امبريالية ضد العراق الذي هدد توازن القوي في الخليج
.
ولكن الحرب الأولي كان لها غطاء محلي قدمته
السعودية ومصر وسورية، بل كان هناك علماء افتوا بشرعية تلك الحملة. ولكن الحالة
المرتقبة، يقول عجمي، لن تجد مثل هذا الغطاء، لأن امريكا لن تجد من العرب من يشك
في ان حملتها الحالية ذات اهداف امبريالية استعمارية واضحة. ولكن عجمي يقول ان
الولايات المتحدة ينبغي الا تلقي بالاً الي الرأي العام العربي، بل يجب ان تمضي
بعزم في حملتها ليس فقط لاحتلال العراق، بل يجب عليها كذلك ان تتولي تحديث العالم
العربي بكامله، وقيادة الحرب ضد حكومات مصر والسعودية وغيرها، بهدف خلق مجتمعات
عربية علمانية حديثة ديمقراطية.
ويعترف عجمي بأن تدخل امريكا في السعودية
الذي دام ستة عقود، وفي مصر لأكثر من ثلاثة عقود، لم يحقق نجاحاً يذكر، بل العكس
صعد العداء لامريكا. ويضيف انه لا أمل في اصلاح الأمور في تلك البلدان ذات الحكم
الاوتوقراطي الفاسد، ولكن الأمل في العراق قد يكون اكبر. ويعبر عجمي عن أمل مكية
في ان يدير العراق ظهره للعرب والعروبة، ولعله يصبح يابان اخري تنتقل تحت وصاية
امريكا من الدكتاتورية الي الديمقراطية. وما ان ينطق عجمي بهذه العبارات حتي يصرح
بان هذه كلها قد تكون اوهاما، وان خطط امريكا في العراق قد تواجه فشلا ذريعا، ولكن
هذا يجب الا يثني الولايات المتحدة عن شن حربها لان عواقب التراجع الآن قد تكون
اسوأ.
جوهر هذا الموقف عجمي ـ المكي وخلفيته هو
الاحتقار المرضي للعرب والعروبة، بما في ذلك الاحتقار للشعب العراقي، وتسفيه
القضايا العربية واحتقار كل القيم التي تحرص عليها الشعوب العربية. وكما ذكرنا في
مطلع هذا المقال، فان نقد العرب والعروبة والفكر الاسلامي والقومي لا يعتبر اثماً
في حد ذاته، بل لعله واجب من الفروض. ولكن هناك فرقا كبيرا بين تعداد عيوب العرب
ومثالبهم، وبين اتخاذ هذا ستراً لجرائم ومثالب من سلبوا العرب حقوقهم.
الذي يقف علي منصة واحدة مع مجرمي الحرب
امثال شارون ونتنياهو وازلامهما ويعرض في زفة الاعتذاريين الصهاينة، لا يحق له ان
يتحدث في نفس الموقع عن آثام حكام العرب كما لو انها تبرر جرائم بني صهيون. مثل
هذا الشخص تحول من معسكر اجرامي الي آخر.
ويجب ان نقول بصراحة هنا ان كل مثقف يؤيد
الاستبداد يكون ارتكب الخيانة في حق أمته، أما المثقف الذي يتربح من الاستبداد من
جهة، ثم يتحول لخدمة نوع آخر من الاستبداد الذي يحتقر الأمة وكل قيمها، ولا يقتنع
بالتحول فردا الي معسكر الاعداء لفائدة يرجوها، بل يطمح الي تحويل بلاده بكاملها
الي هذا المعسكر، فانه يكون ارتكب ما هو فوق الخيانة، وابعد من الردة والانسلاخ عن
الأمة.
من هنا فان هبة رموز المعارضة العراقية
للدفاع عن مكية ضد سعيد لا تكشف فقط تحويل الانظار عن جوهر الخلاف، بل تظهر ان
الأزمة العراقية قد أخذت منحي اعمق وافدح بكثير مما تصورنا ـ فالدفاع عن مكية لا
يغفل عن الموقف المتطرف الذي يقفه ضد الأمة، واحتقاره ليس فقط لنفسه وللعرب، بل
للشعب العراقي الذي يدعو جهراً الي الوصاية الامريكية الاستعمارية عليه. بل ان احد
المدافعين عن مكية صرح بالحرف الواحد ان ما صرح به مكية هو ما تفكر به غالبية
العراقيين ولا يجرؤون عـــلي قوله .
هل هذا يعني اننا فقدنا العراق سلفاً، وان
تنكر مكية لقيم الأمة ليس ظاهرة معزولة؟ هذا امر يدعو للتأمل ويحتاج الي ردود
عراقية، ويجب ان نعترف هنا بأن النخبة العربية قد قصرت في حق العراقيين عموماً حين
خلط البعض بين ادانة العدوان علي العراق ودعم نظام الحكم فيه. من جهة اخري فان
كثيرين من المثقفين العرب جاهروا بادانة القمع العراقي في وقت كان فيه بعض اقطاب
المعارضة الحالية منغمسين في قمع وتقتيل مواطنيهم العراقيين واخوانهم الايرانيين.
وفي نهاية الأمر فان قضية القمع في العراق كانت وتظل عراقية فالحكام في بغداد
عراقيون، ورجال المخابرات والجيش وكل موظفي الحكومة هم عراقيون اولا واخيراً.
وكون الفلسطينيين هتفوا لصدام لأنه قصف
اسرائيل، او كون بعض المثقفين العرب عارضوا الحرب ضد العراق (مثلما فعل اسقف
كانتربري وال غور وديزموند توتو) لا يعني بحال انهم شاركوا في دعم نظام الحكم
الاستبدادي في العراق، وهو نظام لا يحتاج لهذه الاصوات ليحكم ولا يبالي بها.
المفارقة هي ان مقولة عجمي ومكية في حق العرب
عموما قد تصدق في حق المعارضين العراقيين وعلي رأسهم مكية نفسه، حيث ينحون
باللائمة علي العرب والعروبة، والاسلام والمسلمين في امر لم ينهض به سواهم ولا يمكن
اصلاحه الا بهم، ولكن حق العروبة والاسلام علينا هو دعم الشعب العراقي ـ وليس
النظام العراقي ـ في نضاله المشروع ضد الاستبداد، ونأمل عندها الا يكون مكية علي
حق في ان الشعب العراقي حين ينال حريته سيختار الاستعمار الامريكي.
وإنا لله وإنا اليه راجعون!