التوجهات الخارجية الامريكية ما بعد الحرب الباردة:

 سياسة تتسم بالاضطراب وتواجه فشلاً محققاً

 

 

 

بقلم : د. بشير موسي نافع

 

تتداول الأوساط الصحافية الامريكية ان الرئيس الحالي جورج بوش الأبن قد عقد لقاء مع دونالد رامسفيلد بعد ان رشح الأخير لشغل منصب وزير الدفاع، وذلك قبل أيام قليلة من بداية ولاية بوش. قال رامسفيلد للرئيس المقبل خلال اللقاء ان الولايات المتحدة عاشت حقبة مهينة في التسعينات، فقدت خلالها دورها القيادي وتقاذفها الخصوم والاصدقاء. وحذر رامسفيلد بوش من انه ستأتي مناسبات سيكون عليه فيها ان يتخذ قرارات صعبة وانه (اي رامسفيلد) عندها سيذكره بهذا اللقاء. جوهر تقدير رامسفيلد للوضع الامريكي خلال العقد التالي لانهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة ان الولايات المتحدة فشلت في ان تحقق هدف قيادة العالم، وهو الهدف الذي بدا سهل المنال بل وطبيعيا بعد ان خرجت من اطول حروب التاريخ الحديث باعتبارها الطرف المنتصر.

ان قوة امريكا التسعينات العسكرية بالمقارنة بباقي دول العالم، خاصة منافسيها المحتملين في الشرق والغرب هي قوة غير مسبوقة. فالانفاق العسكري الامريكي يزيد علي انفاق العشرين دولة التالية مجتمعة (بما في ذلك الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والمانيا)، وما تنفقه الولايات المتحدة علي البحث العلمي، القاعدة الاساسية للتفوق العسكري، يعادل الانفاق العالمي كله. والولايات المتحدة هي فوق ذلك اكبر قوة اقتصادية في العالم، بالرغم من ان نصيبها في التجارة الدولية قد تراجع بشكل ملموس عن ما كان عليه في الخمسينات والستينات. شهد تاريخ العالم منافسات شهيرة بين القوي المسيطرة، كالتدافع بين الامبراطوريتين الاسلامية والرومانية، وبين الدولة العثمانية وروسيا، ثم بين الدولة العثمانية والامبراطورية النمساوية، وبين بريطانيا واسبانيا ثم بريطانيا وفرنسا، وبالطبع بين المانيا وتحالف الليبراليات الغربية. ولكن فارق القوة العسكرية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وقوي العالم الاخري يتجاوز بمراحل فارق القوة بين اطراف اي صراع شهده التاريخ. وبالرغم من ذلك فقد فشلت الولايات المتحدة في فرض ارادتها المطلقة علي عالم التسعينات، وفشلت في تحويل عالم القطب الواحد الي عالم ينصاع الي ارادة القطب الواحد.

فشلت الولايات المتحدة في فرض ارادتها المطلقة لأن العالم يرفض اساسا تحكم قوة واحدة في شؤونه، وان لدي دول العالم وشعوبه قوي دفاع كامنة وغير ارادية ضد التحكم الفردي، وفي عالم اليوم، حيث قنوات الاتصال وانتشار المعرفة وصلت مستويات بالغة التقدم، اصبحت امكانات تحكم قوة واحدة في شأن العالم ومصيره اكثر صعوبة من أي وقت آخر. وفشلت لأن مقياس التحكم والقيادة لم يعد ينحصر بالاساطيل والقاذفات والصواريخ بعيدة المدي، بل في مصداقية السياسة وجدوي الرسالة والالتزام بالقيم المشتركة بين شعوب العالم. لقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب الباردة مسلحة بأيديولوجية الديمقراطية وحقوق الانسان، ولكنها في الآن نفسه استمرت في حصارها غير المبرر لكوبا، واحتلالها لاجزاء من الجزيرة العربية، وتنكرها للحق الفلسطيني. بل ان واشنطن، التي استلمت من اوروبا قياد اتفاق اوسلو منذ توقيعه في حديقة البيت الابيض في ايلول (سبتمبر) 1993، جعلت من نهج اوسلو طريقا باتجاه واحد، اتجاه التنازلات الفلسطينية لاحتلال اسرائيلي غير شرعي. ما ان اختتم كلينتون ولايته في نهاية التسعينات، حتي كانت سياسة العولمة الاقتصادية غير العادلة التي قادها واستخدم فيها مؤسسات دولية عدة كمنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين، قد أدت الي انهيار الاقتصاد الاندونيسي وافقار شعب يتجاوز تعداده مجموع سكان اوروبا الغربية، والي تراجع فادح في اقتصاد دول شرق وجنوب شرق اسيا، والي افلاس كامل للارجنتين، وسقوط متسارع في مستويات معيشة كل دول امريكا اللاتينية، حتي اصبحت مسألة الجوع اولوية اولويات الرئيس البرازيلي الجديد. المناطق الوحيدة التي نجت نسبيا من دكتاتورية العولمة، شريكتها اللدودة اوروبا الغربية، والصين التي لم تكن قد دخلت الي منظمة التجارة العالمية بعد. حتي اليابان، عملاق الثمانينات الاقتصادي المرعب، هوت الي مرحلة من عدم التوازن الاقتصادي لم تخرج منها حتي الآن. وما ان بدأ القرن الجديد وتولي بوش الأبن الرئاسة، حتي كان التراجع الاقتصادي العالمي قد بدأ في إصابة الاقتصاديين الامريكي والاوروبي.

تجلي الفشل الامريكي في التسعينات في العديد من الامثلة. شهد العالم اولا سلسلة من الانفجارات في منطقة البلقان لم تزل آثارها بعد، صمدت كوبا امام استمرار الحصار الامريكي الجائر والانهيار السوفييتي، تحولت الصين، رغم كل العقبات الامريكية، الي قوة لا يستهان بها في الاقتصاد العالمي، واستمرت حركة التسلح الكوري بلا هوادة الي ان اطلقت بيونغ ينغ صاروخا تجريبيا بعيد المدي فوق اليابان، مولدة القشعريرة في اوصال صانعي السياسة الامريكية. وكانت ذروة الفشل الامريكي لحظة ان ترك الجيش الاسرائيلي حلفاءه من خلفه وانسحب مهزوما من جنوب لبنان. ثم جاء عرفات ليقول لا للضغوط الهائلة التي واجهها في كامب ديفيد، وانهار بالتالي كل مشروع اوسلو، بعد ان كانت قد انهارت مشاريع التطبيع الشامل التي سبقته. واصبح علي كلينتون، الذي بدأ حكمه بالتوقيع علي اتفاق اوسلو واطلاق وهم تغيير وجه الشرق الاوسط الي الأبد، ان يحاول احتواء آثار اندلاع الانتفاضة الفلسطينية.

وصلت ادارة بوش الي البيت الابيض موحدة حول تشخيصها لضعف الموقف الامريكي ومنقسمة الرأي حول سبل التعامل مع هذا الضعف. خلال الشهور التسعة الاولي من ولاية بوش، ساد الرأي الداعي الي انسحاب امريكي محدود من الشأن الدولي والتخلي عن مشروع العولمة، والدفاع عن المصالح الامريكية الاقتصادية الاستراتيجية حتي في مواجهة الاجماع العالمي، وتعزيز القدرات العسكرية الامريكية الاستراتيجية لمجابهة التحديات المحتملة للقوة الامريكية. ولكن هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) أعلت من نفوذ انصار الخيار الثاني، خيار الانتشار الامريكي الامبريالي في العالم وفرض الارادة الامريكية بالقوة المجردة ان احتاج الامر. ما انتهت اليه سياسة بوش الخارجية كان في الحقيقة اجتماع الجوانب الاسوأ في الخيارين. فمن ناحية، استمرت واشنطن في مرحلة ما بعد ايلول (سبتمبر) 2001 في الاستهتار بالارادة الدولية فيما يتعلق بقضايا البيئة، المحكمة الجنائية الدولية، اتفاقات الحد من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية، بل وحتي ما يتعلق بمسائل التجارة العالمية التي صاغت قواعدها وقوانينها الحكومة الامريكية وحلفاؤها الغربيون. وقد ابدت واشنطن استهتارا ملحوظا بالامم المتحدة وشرعية القرار الدولي، الي ان اجبرت اجبارا علي اللجوء الي مجلس الامن بخصوص المسألة العراقية، بعد ان وجدت نفسها عارية وحيدة في مواجهة العالم بأسره بما في ذلك حلفاؤها الاوروبيون. ومن ناحية اخري، تمضي الولايات المتحدة قدما في استفزاز القوي العالمية الاخري بتطوير حائط الصواريخ المضادة للصواريخ بعيدة المدي، وهو ما قد يؤدي الي خلل هائل في ميزان القوي ويدفع بدول نووية اخري كروسيا والصين الي مرحلة جديدة من سباق التسلح او التحالف مع قوي التحدي المختلفة للسياسة الامريكية المتكاثرة في انحاء العالم. الي جانب ذلك، تنشر الولايات المتحدة قواتها بعشرات الالوف في اوزباكستان، افغانستان، الكويت، قطر، البحرين، الامارات العربية المتحدة، عمان، الاردن، وتركيا، اضافة الي وجودها التقليدي في بريطانيا والمانيا وكوريا الجنوبية واليابان. وتتجلي السياسة الامريكية في التخطيط للاعتداء علي العراق، احتلاله، التحكم في مصادره النفطية الهائلة، واتخاذه قاعدة لتهديد العديد من جيرانه واحكام السيطرة الفعلية المباشرة علي سوق النفط العالمية.

تحاول هذه السياسة تحقيق ما عجزت ادارة كلينتون عن تحقيقه خلال العقد الماضي. ولكن هذه السياسة تواجه فشلا محققا. رفضت شعوب العالم وترفض الاستهتار الامريكي بالشأن الدولي المشترك. ابتداء من مسائل البيئة والتجارة الي انماط التسلح غير الانساني والاتفاقات الحقوقية الاممية. وقد شهد العامان الماضيان، بالرغم من التعاطف الانساني واسع النطاق مع الشعب الامريكي بعد احداث ايلول (سبتمبر) 2001، اشد التظاهرات المعادية للسياسة الامريكية، تظاهرات ضمت مئات الالوف من الناس العاديين وقادة الرأي العام في مختلف العواصم الاوروبية والعديد من المدن الامريكية. حركة النظاهر هذه مستمرة وسترتفع وتيرتها بلا شك كلما ازداد النزوع الامريكي نحو استخدام ادوات الحرب والدمار. وليس هناك من شك بأن دولا عدة، لا سيما الدول الاوروبية الرئيسة اضافة الي الصين وروسيا، ستقاوم المسعي الامريكي للسيطرة علي منابع النفط والتحكم في سوقه. تعرف قوي العالم المختلفة انه مهما بلغ التقدم في ايجاد بدائل للطاقة فان النفط لازال مصدر الطاقة الارخص، وان السيطرة الامريكية علي منابع النفط العربية تستهدف السيطرة علي الاقتصاد العالمي والتحكم في وتيرته وابطاء قوي المنافسة الاقتصادية المتسارعة للولايات المتحدة في اوروبا والصين. وينبغي هنا النظر الي العراق ليس باعتبار معدلات انتاجه النفطي الحالي بل من منظور التوقعات المتصاعدة لاحتياطه ولعمر انتاجه النفطي الذي يتوقع له ان يتجاوز عمر الانتاج السعودي ذاته.

وستجد الولايات المتحدة في شعوب العالم الاسلامي، لا سيما المنطقة العربية، خصما شديد المراس. فالعرب، الذين هم أقرب شعوب العالم تراثا وثقافة وجغرافية للعالم الغربي، لن يقبلوا اعادة احتلال بلادهم من قبل القوات الامريكية بعد خمسين عاما من نجاحهم في دحر قوي الاستعمار الاوروبي. رجال الادارة الامريكية من الصهاينة وحلفاؤهم في الدوائر الاكاديمية، الذين يوهمون رئيسهم بان الشارع العربي والاسلامي مجرد اسطورة يخطئون خطأ بليغا. لقد تسبب الوجود الاسرائيلي في فلسطين في صراع دموي لا تزال اواره مستعرة منذ مئة عام، وفي توتر مستمر في العلاقات العربية ـ الاسلامية مع العالم الغربي. وقد ادي الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان الي تحويل الشعب اللبناني، اكثر الشعوب العربية تغربا وحداثة، الي افواج من الاستشهاديين. التواجد العسكري الامريكي في السعودية هو المولد الحقيقي للقاعدة، بينما ادي التواجد الامريكي في الكويت، بشعبها الصغير وولائها غير المتحفظ لواشنطن، الي تجسيد حالة من العداء للولايات المتحدة، والي تعزيز التعاطف الكويتي مع بن لادن ونهجه. في مناطق عربية واسلامية سترتفع وتيرة التظاهر والتحرك الشعبي الجماعي ضد الولايات المتحدة وسياساتها، كما نري الآن ما يحدث في باكستان واندونيسيا والبحرين واليمن وتركيا، وفي مناطق اخري سيترجم هذا الغضب في ردود فعل عنيفة ودموية كما تشهد العديد من المدن العربية والاسلامية، سواء في علاقة مع القاعدة او استلهام لوسائلها. ان رضخت واشنطن في النهاية للارادة الانسانية وقبلت بحل سلمي للمسألة العراقية فربما ستكون هذه نقطة تحول في علاقة امريكا بالعالم. اما ان اختارت الادارة الامريكية طريق الحرب والاحتلال، فستجد نفسها سريعا امام حالة من العداء العالمي والعربي ـ الاسلامي غير المسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، بل وحتي مقاومة شعبية عراقية ستولد وتنمو تحت ناظري قوات الاحتلال الامريكية.

الذين يجرون الادارة الامريكية ورئيسها الي سياسة امبريالية جديدة يضعون الولايات المتحدة في موضع الصدام مع العالم بأسره، وفي صراع دموي ومباشر مع الشعوب العربية والاسلامية. هذه حالة اسوأ بكثير من حالة العداء التي واجهتها الولايات المتحدة في ذروة الحرب الفيتنامية. ففي نهاية الستينات ومطلع السبعينات كانت واشنطن تقود معسكرا غربيا واسعا ومتعدد القوي. اليوم، تعيش الدول الغربية جميعا توجسا لا يخفي من حليف الامس وسياساته. وليس هناك قوة في التاريخ، ليس هناك قوة علي الاطلاق، تعادي العالم اجمع وتنتصر.