تزايد المؤشرات على تآكل السيادة

 

 

 

بقلم : فيصل كلثوم 

 

ما إن أنجزت معظم البلدان العربية استقلالها عن المستعمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى بدأ المد الوطني والقومي بالانتشار والتوسع وبدا وكأن العرب أمام مرحلة جديدة تحمل المزيد من الآمال والتطلعات. لكن مجموعة المؤشرات المضادة سرعان ما أخذت تفصح عن نفسها لتؤكد ان مرحلة النهوض القصيرة قد بدأت بالتلاشي والانحسار.

فاشتداد الصراع بين الاحزاب القومية وما تلاه من تفريغ الساحة من أحزاب سياسية فاعلة، الى جانب غياب المؤسسات، مهد الطريق الى زيادة النفوذ الاجنبي على حساب السيادة الوطنية التي بدأت تشهد تراجعا تدريجيا لدى أنظمة الحكم، ما ادى الى استقلال شكلي وغير ناجز. ومع دخول المنطقة في سياسات الاحلاف وأنظمة الحماية والتسهيلات العسكرية والسياسية بما فيها وجود القواعد على الارض العربية، أصبحت السيادة العربية شكلية وبات مصير المنطقة ومستقبلها يقرران خارج عواصمها وعلى النقيض من إرادة أبنائها من وراء البحار.

ولم يؤثر تآكل السيادة على حرية الوطن والمواطن فحسب بل تعداه الى مكانة الدول العربية على الصعيد العالمي، وما إصرار الأمم المتحدة على تنفيذ كل القرارات الدولية اذا ما كان المقصود منها اي بلد عربي في حين تفقد قرارات كهذه مصداقيتها كما حدث مع حوالى 28 قرارا ضد اسرائيل، بدعوى ان هذه القرارات غير مستندة الى الفصل السابع من الميثاق ولهذا فهي غير ملزمة، سوى دليل آخر على حالة الضعف التي آلت اليها دولنا ومجتمعاتنا، وليس اختيار المنطقة العربية لتكون مسرحا للهجمة الاميركية القاسية سوى نتاج لتمكن الولايات المتحدة الاميركية من هضم سيادة معظم الدول العربية بشكل تدريجي ومصادرة إداراتها فأصبح العرب هم النقطة الاضعف على المستوى العالمي، وأصبح تصحيح مشكلات الاقتصاد العالمي ودفع النمو الاقتصادي يتم بشكل مكشوف على حساب النفط العربي. الامر الذي دفع الخبراء لتوقع نمو سريع للاقتصاد الاميركي الذي يوضح واقع الحال بأنه بأدنى معدلاته بعد ضرب العراق نظرا لما يتمتع به هذا البلد العربي من ثروات كبيرة. اضافة الى ان تدميره وإعادة إعماره وفق المخطط الاميركي البريطاني سيكفل تشغيل مئات الشركات الاميركية ولسنوات عديدة قادمة. على صعيد آخر، يعتبر التشجيع الاميركي للأصولية الاسلامية من خلال دعمها وتبنيها وتدريب العديد من كوادرها وتزويدها بالسلاح عندما اعتبرت ذات يوم، بمثابة الواجهة الصلبة لحماية مصالح اميركا بمقابل المد الشيوعي، رغم ان هذا التشجيع والدعم نفسه شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية وأحد مظاهر تهديد السيادة في العرف الدولي. والمفارقة ان نفس هذه الاصولية التي باتت تشكل اليوم مركز الثقل ضد السياسة الاميركية في المنطقة قد أصبحت مجموعة من الارهابيين كيّفت لهم تعريفا محددا للارهاب دمجت فيه ما ينطبق على هؤلاء وعلى أولئك الساعين لتحرير أرضهم من الاحتلال دون اي تمييز.

وقد أصبح التدخل الاميركي في الشؤون الداخلية العربية مكشوفا وفجا لدرجة انه يطالب بتغيير المناهج التعليمية ويسعى لتعليم المسلمين دينهم وطرق عبادتهم وصولا الى التدخل في التنظيم الاجتماعي بما يحتويه من جمعيات خيرية ومنظمات اهلية تعمل الجهات الاجنبية الممولة على رسم سياستها وأهدافها. ولعل الجديد في الامر هو ممارستها لحق ملاحقة واعتقال وقتل كل المطلوبين من قبل الادارة الاميركية وعلى الارض العربية دون احترام لسيادة وطنية او استقلال. ولا يخفى ان ممارسات كهذه تشكل ارضية لإيصال ملايين من الشباب العرب والمسلمين الى حالة اليأس والاحساس بالظلم وفقدان الكرامة. ضمن هذا الجو العام، ونتيجة لهذه السياسات المجحفة، لا يبدو غريبا ان يفضل الآلاف من هؤلاء الشباب الموت على حياة كهذه بعد ان أغلقت أمامهم أبواب الرزق والهجرة وضيق عليهم في المهاجر الاوروبية والاميركية بصورة مختلفة عن بقية الامم والشعوب.

لكن هذه السياسات ان دلت على شيء، فانما تدل على الابتعاد عن فهم الشخصية العربية والاسلامية وعلى الإخفاق في دراسة فهم اي من نماذجها، فالاعتقاد بأن الشعب الفلسطيني هو عينة ممثلة لهذه الشخصية، او ربما الشعب اللبناني، كان يفترض به ان يدفع الاميركان الى اعادة النظر بسياساتهم ازاء العرب مثلما يحثهم على اعادة النظر في معتقلي <<غوانتانامو>> طالما ان السياسات التي مورست ضد هؤلاء قد أثبتت فشل الادارة في التعامل مع هذه الشعوب وتفهم عدالة مطالبها وطرق تفكيرها وعيشها التي تختلف عن اساليب عيش وطرق تفكير الغرب لأسباب تتصل بالخصوصيات الثقافية والحضارية وللرغبة الواضحة عند هؤلاء في مقاومة نمط الحياة على الطريقة الاميركية.

وليس تعرض الشعب الفلسطيني للعدوان المتواصل واستمرار اسرائيل في انتهاك حرمات ومقدسات العرب وسفك دمائهم وهدم البيوت فوق ساكنيها دون ان يشكل ذلك إجراما بنظر الامم المتحدة او المجتمع الدولي الا دليلا آخر على مدى التردي الذي وصلته أحوال العرب. ولعل ما يزيد الطين بلة هو تصريح الامين العام للأمم المتحدة السيد <<كوفي عنان>> بعد العملية التي استهدفت (12) عسكريا ومستوطنا على ارض محتلة عندما يعتبر ما حدث عملا ارهابيا، دون ان يكلف نفسه عناء السؤال عن من هو صاحب الارض ومن هو الطرف المحتل، ومن الذي أوصل الوضع في الاراضي العربية المحتلة الى هذا الحد من العنف والتصعيد، وهل يجوز التسوية بين الجلاد والضحية وتحميلها المسؤولية نفسها عن تبعات ونتائج ما يجري.

من المتوقع في حال وقوع الاعتداء المرتقب على المنطقة بدءا بالعراق، وفي حال الاستمرار بالاستخفاف بالرأي العام والمزاج الشعبي العربي، ان تشهد المنطقة مزيدا من التوتر والتسخين يصعب التنبؤ مسبقا بحجم آثاره ونتائجه، لكنه على الاغلب سيمهد الطريق نحو انفجارات غير مسبوقة وغضب يستهدف المصالح والوجود الاميركي على الارض العربية، فهل ستغلب السياسات الاميركية تيار الاعتدال والحكمة في النظر الى قضايا المنطقة ومشكلاتها جريا على طريقة الاوروبيين وخصوصا فرنسا وألمانيا في ضرورة إيجاد حلول تأخذ مشاعر العرب ومصالحهم بعين الاعتبار، كونها الطريقة الوحيدة التي توفر حلولا قابلة للبقاء، ام انها ستمعن في محاباة إسرائيل والتنكر لحقوق العرب استجابة لتيار الصقور وحلفائه من الاصوليين الجدد وأنصار اسرائيل داخل الادارة الاميركية.

لن نستعجل الاجابة، رغم ان الاشارات المتوفرة حتى اللحظة، تدلل على ترجيح أميركا لخيار معاداة العرب والاستخفاف بمشاعرهم وحقوقهم، من خلال فرض املاءاتها على حكامهم والتدخل لإضعاف ما بقي من مظاهر السيادة والاستقلال لديهم، لكن هذا الخيار الذي يبدو حتى اليوم رابحا يحمل في طياته مجموعة من التناقضات والامكانيات الكامنة تجعل منه رهانا ينفتح على كافة الاحتمالات ومنها احتمال انفجار الاوضاع في وجه أميركا وحلفائها ولعل نذر هذا الاحتمال قد بدأت تلوح في الأفق وان بشكل صامت ومبعثر حتى الآن.