تصعيد شارون رسالة للمتحاورين في القاهرة

 

بقلم : عوني فرسخ

 

    منذ عشرينات القرن الماضي كان يجري اجهاض الحراك الوطني الفلسطيني من خلال تدخل رسمي عربي ، كلما بدا عصيا على الانكسار بفعل آلة الحرب الصهيونية . ودائما كانت الحجة وضع حد لمعاناة شعب فلسطين ، وانقاذ ما يمكن انقاذه ، وفي كل مرة كان هناك من يوحون بالتدخل على وعد بتقديم حل ما للاشكاليات القائمة . ودائما كان يجري التنصل من الوعود التي جرى التدخل الرسمي العربي استنادا لها ، بعد أن يكون التدخل قد حقق غايته ، ولم يحصد منه شعب فلسطين إلا مزيدا من المعاناة والاخفاق .

 

     والذي يبدو أن في الافق الفلسطيني مؤشرات اعادة انتاج العملية إياها ، إذ تشهد القاهرة منذ نحو ثلاثة اسابيع حوارات مكثفة فيما بين وفود تمثل غالبية منظمات المقاومة والمؤسسات السياسية المتواجدة في الضفة الغربية وقطاع غزة . وفي الفضائيات العربية تباينت وجهات النظر ولا زالت حول تلك الحوارات ما بين الذين تفاءلوا بها على حذر ، والذين بعثت لديهم القلق واشعرتهم أن الانتفاضة مرشحة لأن توء د بأيدي ابنائها .

 

     فالذين نظروا لتلك الحوارات من زاوية تطلعهم الى قيام جبهة وطنية ، تحتاجها الساحة الفلسطينية بالحاح في مواجهة سياسة الارض المحروقة التي تنفذ ضد الانسان والعمران الفلسطيني ، وسط تقاعس عربي وتواطؤ دولي ، تفاءلوا خيرا بحوارات قد تؤدي الى تنسيق مواقف شركاء المسيرة والمصير ، وتطوير الاداء المقاوم بما يجعله أكثر قدرة على التأثير في المحافل الدولية التي يعلقون عليها كل آمالهم .

 

     أما الذين نظروا لتلك الحوارات في ضوء التوقيت الذي تجري فيه ، وما يرشح من مباركة امريكية لها ، فلم يخفوا قلقهم من احتمال أن غايتها الاساسية تحقيق ما يتطلبه العدوان الامريكي على العراق من تهدئة في الساحة الفلسطينية ، واشاعة جو بالتفاؤل بأن هناك احتمالات حل للقضية المركزية للامة العربية ، يعوضها بعض الشيء عن خسارتها المؤكدة في حال حققت ادارة بوش مرامها في العراق إن سلما وإن حربا . فضلا عن أن التسليم بورقة الانتفاضة لن يؤدي الا إلى مفاوضات تسوية تهدر من خلالها الحقوق الوطنية الفلسطينية والقومية العربية المشروعة . وذلك مقابل كيان مسخ يسمونه تجاوزا دولة ، يوفر للقائمين عليه كل الرموز الرسمية التي هي أعز ما يهتمون به .

 

     ووسط هذه الاجواء من التفاؤل الحذر والقلق غير المحدود أعلن شارون عن تعليمات بتصعيد عمليات اغتيال واعتقال نشطاء المقاومة وتدمير البيوت وما تبقى من بنية تحتية في الضفة والقطاع . والاعلان عن التصعيد لم يأت ردا على عملية الخليل البطولية بقدر ما هو رسالة للمتحاورين في القاهرة ، والمشاركين في حوارهم بشكل مباشر أو غير مباشر . ذلك لأن تطوير ارهاب الدولة الصهيوني ماض في خط صاعد منذ انطلاقة انتفاضة الاقصى قبل ستة وعشرين شهرا ، والأمر والحال كذلك لا يحتاج الى اعلان . ولكن شارون اراد باعلانه ان يبعث للمشاركين في الحوار برسالة سياسية مغمسة بالدم .

 

     ورسالة شارون ، ككل رسالة سياسية ، لا تقرأ فقط من عنوانها ، وليس استنادا لما احتوته من كلمات فحسب ، وانما قبل ذلك واهم منه ، بما تتركه من أثر في نفس متلقيها . وفي حكم المؤكد أن تختلف قراءة المتحاورين لها بفعل تمايز رؤاهم السياسية ومواقفهم العملية . والاحتمال الأرجح أن تؤدي الى تعميق الانقسام فيما بين الذين يعطون الاولوية القصوى لانخراطهم المتواصل فيما يسمى تجاوزا "عملية السلام" ، وبين من يؤمنون بأن تعظيم المقاومة وتعزيزها انما هو السبيل ، الذي لا سبيل سواه ، لحمل العدو الصهيوني وحماته على جانبي الاطلسي على التسليم ببعض الحقوق العربية المشروعة .

 

     ومنذ اقر برنامج النقاط العشر في المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1974 تنامي في اوساط صناع القرار الفلسطيني من يغالون في دور العامل الخارجي في الصراع الذي فجره التواجد الاستعماري الصهيوني على التراب العربي في فلسطين . وفي ضوء تجارب هذه الفئة من النخبة السياسية الفلسطينية خلال السنوات الثمانية والعشرين الماضية من المتوقع ان يركز ممثلو التسوية في حوارات القاهرة على ما سوف يؤدي اليه التصعيد الشاروني من مضاعفة معاناة الشعب العربي في الضفة والقطاع ، وما سوف يترتب عليه من اهدار ما تبقى من "مكاسب " أوسلو . فضلا عن مغالاة في الحديث عن اغتنام الفرصة المتاحة "لانقاذ ما يمكن انقاذه" . وهي الفرصة التي توفرها حاجة الادارة الامريكية الواضحة للتهدئة في الارض المحتلة قبل عدوانها المتسارع الخطى على العراق الشعب والتقدم وليس النظام فحسب .

 

     وبالمقابل فالأمر المؤكد أن تصعيد ارهاب الدولة الصهيوني سوف يؤدي الى تطور نوعي في الاداء المقاوم ، وسوف يدفع باعداد متزايدة من الفتيان والصبايا الى التصدي بلحمهم الحي لدبابات شارون ومدرعاته ، دون أدنى مبالاة بتصعيد عمليات الاغتيال والاعتقال وهدم بيوت الأهل وتشريدهم . ومن غير الموضوعية في شيء توقع ان تشكل رسالة شارون التصعيدية دافعا للمنظمات الملتزمة بالمقاومة كخيار رئيسي ربط نفسها بوعود هي أعلم الناس بأنها لن تستطيع الوفاء بها ، بعد أن غدا الطموح الاستشهادي عميقا في ثقافة شعب الصمود والبطولات ، وتأكد بالممارسة العملية أن طائرات الاباتشي ودبابـات المركافاة باتت عاجزة عن استلاب ارادة المقاومة وافتداء فلسطين بفلذات الاكباد .

 

     وليس أفضل من المعرفة بحقائق الصراع سبيلا لقراءة موضوعية للرسالة الشارونية ، واتقاء مخاطر القراءة الصادرة عن تصورات ذاتية  ، ليس لها في الواقع التاريخي والمعاش ما يسندها . وبالعودة لمقولات القادة المؤسسين للاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني ، نجد كلا من بن غوريون وبيجن قد حدد أسلوب التعاطي مع العرب فيما يتصل بالارض المحتلة .

 

     ففي اعقاب قيام اسرائيل سنة 1948 وتولي دافيد بن غوريون رئاسة وزرائها ، ويوم لم يكن الليكود ، وما يسمى تجاوزا "اليمين الصهيوني" شيئا مذكورا ، نشط العديد من الوسطاء الامريكان والاوروبيين سعيا للوصول الى تسوية ، مغتنمين حالة الوهن العربي ومشاعر الياس والاحباط السائدة . ويومها نقل عن بن غوريون أنه قال : "لا تتعبوا انفسكم ، ليس هناك حل . فالارض واحدة وطالب الارض اثنان ، ولا بد أن تكون لواحد منهما ، ولا بد أن يكون هذا الواحد الشعب اليهودي ، وعليه بكل وسيلة ممكنة ، بالحرب أو بالسياسة أو حتى بالخديعة ، أن يقنع الطرف الآخر بالتنازل عن مطلبه " . وبن غوريــون لم يكن يرفض تواجد العرب على الأرض "الاسرائيلية" وتمتعهم بحكم ذاتي ، من منطلق ادراكه أن البشرية تجاوزت مرحلة التصفية العرقية أو الترحيل الجماعي للشعوب ، فضلا عن معرفته بأن لشعب فلسطين عمقا قوميا لن يجعل ذلك ميسورا .

 

     أما مناحيم بيجن ، مؤسس الليكود ومنظره ، والزعيم الذي يستوحي شارون افكاره منه ويترسم خطاه ، فقد نقل عنه هو الآخر أنه قال قبيل إعلان السادات مبادرته بزيارة القدس المحتلة في خريف 1977 : "علينا أن نجعل العرب يياسون من أنفسهم أولا ، ومن الاتحاد السوفياتي ثانيا ، ومن الضغط علينا عن طريق الولايات المتحدة الامريكية ثالثا ، وبعدها سيأتون الينا لنفرض عليهم ما نشاء " . وذلك ما حدث بالفعل مع السادات وتوقيعه اتفاقيتي كامب ديفيد ، إذ كان اليأس من النصر ، وليست الرغبة في السلام ، هو الدافع الحقيقي للردة الساداتية ، وما خلفته في ارض الكنانة من قناعات تتناقض مع تاريخها الوطني المجيد .

 

      وشارون ليس ليكوديا وتلميذ بيجن فحسب ، وانما هو في الاصل قد تتلمذ في مدرسة بن غوريون . ففي سنة 1953 ، وهو لم يزل ضابطا شابا دمر بيوت قرية قبية في الضفة الغربية على رؤوس سكانها بأمر صريح من بن غوريون . وعندما اشتد عوده وصار وزير دفاع في حكومة بيجن قاد عملية غزو لبنان سنة 1982 . ومن خلال تتلمذه الطويل على بن غوريون وبيجن تعمقت لديه تعاليمهما . وفي ضوء مقولاتهما يقرأ البعد السياسي لرسالته التصعيدية . وتقديرنا أنه بالتصعيد الذي أمر به لم يستهدف تعطيل التوجه الى "السلام" في حوارات القاهرة ، وانما دفع هذا التوجه نحو الغاية التي لا يكف عن اعلانها وهي تصفية الانتفاضة ، وجلب من يرضى عنه من الفلسطينيين الى طاولة مفاوضات التسليم باهدار اهم الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة  .

 

     وقد يقول قائل وماذا امام المتحاورين في القاهرة ، ومعطيات الواقع فلسطينيا وعربيا ودوليا غير مواتية ؟ وأليس ما تحتمه الواقعية توظيف ما هو متاح من قدرات عربية لانقاذ ما يمكن انقاذه . وبخاصة بعد أن لم يعد خافيا أن العمليات الاستشهادية اضرت بالصورة الفلسطينية في اوروبا وأمريكا على نحو خاص ؟!! والقول صحيح في ظاهرة ، إلا أنه يسقط من الحساب أبرز حقائق الواقع ، وفي مقدمتها أن شعب الصمود والبطولات ما زالت ارادته عصية على الاستلاب ، فضلا عن أنه لا يجهل الحصاد المر لسنوات التفاوض العشر العجاف منذ عقد مؤتمر مدريد . والتي قادت فيها التنازلات الثانوية الى مسلسل تنازلات جوهرية ، كان بعض ابرز المشاركين في حوارات القاهرة بين المنظرين والمروجين لها .

 

     وعليه ، وفي ضوء تجربة السنوات العشر العجاف وحصادها المر ، واستنادا لتجارب كل الشعوب التي واجهت استعمارا استيطانيا عنصريا ، وفي مقدمتها شعبنا العربي في الجزائر الذي غسل بدماء مليون ونصف مليون شهيد أوزار مائة واثنين وثلاثين عاما من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي . في ضوء التجربتين العربيتين الفلسطينية والجزائرية ، يمكن القول بأن ما يجدي نفعا ، ويحقق انجازا يذكر للمتحاورين في تاريخ شعبهم ، أن يكون رائدهم الأول تعزيز صمود شعب البطولات ، وتطوير ادائه المقاوم ، والدفع باتجاه  تحقيق الاصلاحات التي تصب في قناة تعزيز الصمود والمقاومة ، وفي المقدمة منها جماعية القيادة وتحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة الالتزام بالثوابت الوطنية في التحرير والعودة . وأي تقدم على هذا الدرب مؤشر على قراءة موضوعية لرسالة شارون التصعيدية . واي قراءة "واقعية" تصب في قناة ما تتطلبه الادارة الامريكية والدائرين في فلكها ليست مما يتفق وقناعات شعب الصمود والبطولات المؤهل يقينا لاسقاط الرهانات الشارونية مهما كان تصعيده متعسفا .