امريكا نصّبت نفسها الخصم والحكم والجلاد للعالم!
بقلم : هادي طعمة
لم يبق ثمة شك في ان الولايات المتحدة تقود
حربا علي العرب والمسلمين، بجوانبها الشعواء والعشواء معا، وقد افتضحت منطلقاتها
وسماتها علي لسان بوش الابن في خطابه عقب احداث 11 ايلول (سبتمبر) المشؤومة، وما
تبعهما من مواقف، حين دعا الي شن (حرب صليبية) بمصطلحها الغربي منذ كانت الحرب
صليبية للخلاص من الحروب الداخلية الهمجية في اوروبا آنذاك. يؤكد هذا الاقرار
بصليبية الحرب الراهنة، تحليل المضمون بأن ما صدر من الرئيس الامريكي وكاتب خطابه،
انه نضح ما في نفوس الساسة الامريكيين وعقولهم، وليس امرا عارضا وليد الانفعال
وانفلات الالفاظ علي اللسان، انفلاتا لا يليق برئيس دولة، فما بالك به يصدر من
رئيس اكبر قوة دولية في الوقت الراهن!
وهذا الاعتراف الذي اراد به بوش استثارة
العواطف الهوجاء في العالم الغربي خصوصا، له ارضيته التاريخية، وزعانفه التي ظهرت
منذ زوال الاتحاد السوفييتي ومنظومته من الدول الاشتراكية.
فقد اطلق الرئيس الامريكي حينئذ القول بأن
الاسلام اصبح العدو الأول للكتلة الغربية. الامر الذي اثار ردود افعال مضادة تمثل
بعضها بحركات ومنظمات استنفرت قوي دفاعها الذاتي واجتهادها الشخصي، كما تمثل بعضها
في مواقف حكومات توخت الذود عن معتقداتها ووجودها، اللذين هما اساس شرعية الانسان
في الدفاع عن النفس والوجود، وليس لأحد ان يمسها بسوء او يتجاوز عليها ـ كما هو
الحال الآن من الادارتين الامريكية والعبرية ـ نقيض المواثيق والعهود والاتفاقات الدولية
كافة، فواشنطن تبيح لنفسها ولحلفائها ما تحرمه علي الآخرين، تبيح العدوان علي
الآخر معنويا وماديا، وتحرم علي هذا الاخر المعتدي عليه، ابداء رد الفعل الطبيعي
الشرعي عن الذات شعبا وعقيدة.. و.. و.. الخ. وهذا الحال الذي يبدو مرا، فان ما هو
ادهي وامر: ان الادارة الامريكية تنصب نفسها (الخصم، والحكم، والجلاد)! علي
العالم، حتي غدا (القرية الدولية) لعدوان الولايات المتحدة الامريكية، مناقضة بهذا
السلوك، كل ما شرعته الدول والمنظمات الداعية الي الحرية والديمقراطية والعدالة
وحقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وليس من المبالغة القول ان الادارة
الامريكية اكثر هذه الاطراف ادعاء بذلك كله، غير انها تسلك نقيضه تماما.
وقد ختمت بعض سلوكها هذا بالتخلي التام عن
لائحة جرائم الحرب الدولية، وذلك تفاديا لاحالة اي من الامريكيين الي المثول امام
محكمة جرائم الحرب الدولية، لأنها، كما يبدو ـ عازمة علي ارتكاب هذه الجرائم، في
حين تستغل هذه اللائحة للتحريض علي احالة كل من تشاء من ابناء الشعوب الاخري ـ ولا
سيما العرب والمسلمين ـ الي هذه المحكمة، بتهم متعسفة في الأغلب الأعم، كاتهام عدد
من الدول العربية والاسلامية.
هذه الحقائق والسمات الاساسية التي تطبع
السياسة الامريكية وتحدد نهجها ولغتها، اضواء كاشفة لما يجري علي سطح الاحداث
والمواقف، كما في اغوارهما، تجاه العالم الاسلامي، برغم الاختلاف في درجة تركيزه
علي البلدان التي تستهدفها بالحرب، كافغانستان والعراق، مع التصريح لما يدبر
لايران وكوريا الشمالية، او التلميح لما ينتظر المملكة العربية السعودية لكونها
موئل المسلمين في بقاع الارض، اما فلسطين وقضيتها، فقد اطلقت واشنطن يد اعتي القوي
الغاشمة في العالم، مدججة بأحدث الاسلحة، لابادة الشعب الفلسطيني، ابادة يومية،
وها هي الجرائم التي تدينها واشنطن بأقوي الادانات اذا حدثت لغير الفلسطينيين،
تمارس ليل نهار ضد الفلسطينيين من غير ان يندي لها جبين الادعاءات الامريكية
بالانسانية! ناهيك عن تشجيع واشنطن وتأييدها المخزي الذي يبقي المظالم في فلسطين
مفتوحة علي آخرها، غير ملتفتة الي ما تؤدي اليه من نقمة تولد جماعة او منظمة قد لا
تستطيع ان تملك الصواب فترتكب ما هو افظع مما حدث في 11 ايلول (سبتمبر). بل ليس
مستبعدا ان تتوخي واشنطن ذلك، بعد تل ابيب، ان لم تعمل لصنعه مباشرة كي توجد
الذرائع (الملموسة)! للحرب علي الاسلام والمسلمين، التي تشن بدعوي محاربة
(الارهاب).
ايا يكن الامر فان السؤال الذي يفرزه ما يجري
الآن من حرب نفسية وحرب اعصاب يتقد سعيرها في اوصال المؤسسة العسكرية الامريكية
وحليفاتها، والذي يقف شاخصا امام عيون المتابعين، هو: هل حقيقة ان المطلوب تجريد
العراق من اسلحة الدمار الشامل؟ ام مباشرة اسلحة السياسة الامريكية للتدمير الشامل
للاسلام والمسلمين؟
لا يجد المراقب الموضوعي للهجمة الراهنة،
مفرا من التسليم بالعلاقة العضوية بين ركني السؤال، وكون الأول يفضي الي الثاني
الذي هو بيت القصيد، مرورا بتجريد العراق من علمائه ـ وبالتالي قدراته ـ علي صنع
الاسلحة، والعمل علي احتوائهم في الولايات الامريكية، تفاديا لتوزعهم ـ بعد الهجوم
العسكري المدبر ـ في بلدان المنطقة الاسلامية والحيلولة دون تعزيز استقلالها ودعم
ارادتها واقامة قرارها في اختيار طريقها بحرية وسط هذا العالم المطلوب امريكيا ان
يدجن في (العولمة). ذلك ان القدرة علي انتاج الاسلحة الفتاكة او المتطورة بتعبير آخر،
لا تزال اقوي دعائم السيادة والاستقلال.
لا شك في ان واشنطن ترمي من حملتها الضاربة
القائمة الآن، الي التثبت من خلو ـ او اخلاء العراق مما تسميه اسلحة التدمير
الشامل ـ الي الاطمئنان الي شن الحرب علي العراق وتغيير استراتيجيته السياسية،
وليس تغيير الحكم وحده، بغية اكمال حلقات الدول الحليفة، بدءا بتركيا في شمال
العراق، وربطا بالاردن غربا، فالدولة العبرية التي سينكشف لها الغطاء السياسي في
المشرق العربي لطغيان آلتها العسكرية الجبارة وعربدتها ضد حزب الله ولبنان وسورية،
كي تفرض تسيدها بلا منافس ولامنازع، بدعوي ملاحقة الارهاب التي تواصل الادارة
الامريكية ممارسته، مع ان هذه المزاعم نفسها اداتها الارهاب العالم كله، ووسيلة
الديمقراطيات الغربية والعبرية لارهاب شعوب المنطقة ـ في الأقل.
ولا ريب في ان السعي الامريكي الحثيث لافراغ
العراق من اسلحة (التدمير الشامل) ولابقاء ما هو اشد منها خطرا بيد الدولة
العبرية، يحقق هذه الاستراتيجية المميتة لكل حق في الممارسة الحقيقية لحق الشعوب
في تقرير مصيرها وامتلاك حريتها والحفاظ علي هويتها وسيادتها واستقلالها، وعلي
استقرارها، وذلك في نقيض استراتيجية (ادني تنسيق) قد تقوم بين ايران والعراق
وسورية ولبنان، ومن بعدها: العربية السعودية التي وضعتها الدوائر الامريكية
المسؤولة في صدارة الدول الاستبدادية التي تدعمها امريكا، والتي يجب التخلي عنها
والضغط عليها لتغيير مرجعيتها العقائدية ونهجها الثقافي والتعليمي ـ التربوي،
واحلال التبعية لنمط الحياة الامريكية، بزعم ان السعودية اصبحت بؤرة لتوليد منظمات
ارهابية، مشيرة الي منظمة القاعدة، مع ان هذه المنظمة ولدت في احضان المخابرات
الامريكية وترعرعت بين سواعد البنتاغون، ولا يد للسعودية في احداث 11 ايلول
(سبتمبر) لكأنه جزاء سنمار تجزي واشنطن به الرياض علي رغم علاقاتها التاريخية
الايجابية بواشنطن، بغية التخلص من المكانة الدينية للسعودية.
وفي الحرب علي العراق، تستهدف الادارة
الامريكية احلال منطلقات تحول المجتمع عن مرجعيته الثقافية والحضارية التي تتمركز
الان في الاتجاهين القومي، والديني، او فيهما معا، وذلك من خلال اظهار الحرص علي
احلال (النهج الديمقراطي) ليس حبا بالعراق وشعبه، بل بما تتيحه الممارسة
الديمقراطية من تعددية في الرأي والتنظيم الحزبي الذي يوحد الاجواء المناسبة
لتفريغ قنوات تردد اصداء السياسة الامريكية مثلما تمد واشنطن من خلالها ايديها
لرسم خطوط سياستها في المنطقة خاصة وتجاه العالم عامة.
واذا كانت واشنطن تبدو اكثر من سواها اندفاعا
في اظهار الحرص علي حرية الشعوب وحقوق الاقليات القومية والدعوة الي ممارسة
الديمقراطية وحقوق المرأة وحريتها... الخ.. لغرض لم يعد كامنا في المجهول، وانها
تدعم هذه المنظمات ماليا ومعنويا، وقد حققت من خلالها ومن خلال منظمات حقوق
الانسان قدرا من التمويل الاسري والاجتماعي الذي تنشده، فانها تبدو بطرحها (مشروع
الشراكة الشرق اوسطية) قبل استقطاب المنظمات المذكورة بعد تجميعها الي بعضها بعضا،
لتواكب في فاعليتها في التغيير الثقافي والاجتماعي والتوجه الاقتصادي، ما تحققه
آلة الحرب من اسقاط وتبديل حكم بآخر، مستفيدة مما تحمله كل من هذه المنظمات من
مشروعية تلبي حاجة قطعات تخاطبها وتعمل لأجل انهاء مظالم وقعت عليها او ازالة حيف
اصابها، ومتطلعة الي ما فيها من استهواء يؤدي الي الاغواء واستعداء قطاع علي قطاع،
لا يتأتي منه الا تصديع العلاقات الاجتماعية وتقويض الوحدة الداخلية وتعكير صفو
الأمن وفقدان الاطمئنان.
وما حدث، وما يتفاقم حدوثه في الدول السائرة
في هذا الركاب، ابلغ دليل ملموس علي ما تتوخاه واشنطن وحليفاتها وكذلك زعانفها، في
المنطقة وبلدانها، غير ان ما قد يقع فعلا انما يكون زلزالا سياسيا يؤدي بشعوب
المنطقة وبلدانها في متاهات لا تستطيع حتي مراكز ابحاث الساسة الامريكان التكهن
بمقدار درجته او بمداه ونتائجه الوخيمة العواقب، قد تكون بدايته تجريد العراق من
اسلحة التدمير الشامل، الا ان المتوخي امريكيا ابعد من ذلك غورا واعمق تأثيرا وهو
الذي تعول واشنطن تحقيقه من اسلحتها السياسية للتدمير الشامل.