بقلم : بسام عليان
في كل حركة من حركاتنا وفي كل سلوك نسلكه على
الاطلاق نهدف الى شيء.. هو الابتعاد عن الخطر والدفاع من اجل البقاء، فلذلك ان اي
تناول اعلامي لفضح سياسة واطماع الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة العربية لم
يأت من فراغ، بل اتى من خلال اللهاث المحموم الذي يجريه الباحثون المعنيون
والمراقبون الدوليون في متابعة التطور اليومي لازمة الخليج، او ما اصطلح على
تسميته (الازمة الاميركية - العراقية) في محاولة لاستكمال استيعاب تفاصيل الواقع
الراهن والتنبؤ بملامح الصورة المستقبلية لمنطقة الخليج العربي بشكل خاص وربما
المنطقة العربية ككل بشكل اعم واوسع.
فنحن نعرف ان منطقة الخليج هامة استراتيجيا
ولها وضع خاص في حسابات السياسة العالمية كما ان لها وضعا مميزا في داخل الوطن
العربي، كما لها مكانة خاصة في العالم الاسلامي ككل. ناهيك ان هذه المنطقة هي مصدر
اساسي للبترول.
اذن، انها الطاقة (النفط) تلك هي المصلحة
الحيوية لامريكا والعالم الصناعي ومن اجل تحقيق هذه المصلحة تتواتر الانباء
والتصريحات عن قرب اتخاذ الادارة الامريكية قرارا حاسما بشأن تغيير النظام السياسي
في العراق (الدولة الاكثر قوة ونفطا في منطقة الخليج) وفي سبيل تأمين تدفق النفط
الى الولايات المتحدة الامريكية سوف تحارب امريكا العالم كله ان لزم الامر، وهو ما
عبر عنه احد الرؤساء الامريكيين السابقين والذي كان يتصف بالوداعة بالنسبة لغيره
من رؤساء الادارات الامريكية فقد قال جيمي كارتر في 23/1/1980 وخلال اجتماع مشترك
للكونغرس (ليكن موقفنا واضحا قاطعا، ان اية محاولة من جانب اي قوة خارجية للسيطرة
على منطقة الخليج ستعتبر هجوما على مصالح الولايات المتحدة الامريكية الخارجية
وسنرد بكل الوسائل الضرورية بما في ذلك القوة العسكرية). وكذلك نطق بها وزير دفاعه
انذاك هارولد براون، حيث قال (ان حماية تدفق النفط من الشرق الاوسط هو بوضوح جزء
من مصلحتنا الحيوية ولحماية تلك المصالح الحيوية سنتخذ اي اجراء مناسب بما في ذلك
استعمال القوة العسكرية)..
اذن الموضوع المتعلق بتهديدات امريكا للخليج
العربي مطروق قبل عهد (البوشيه) ادارة الابن والاب للولايات المتحدة الامريكية
وليس هناك ما هو اوضح ولا ابلغ في التعبير عن مكنون الولايات المتحدة الامريكية
اتجاه الجزيرة والخليج العربي، فهم يتعاملون مع الموضوع كما كانت تتعامل فرنسا مع
الجزائر ابان الاستعمار..!! فهم جعلوها جزءا من الولايات المتحدة الامريكية وان
الدفاع عنها واجب مقدس وفي سبيله يتم الان تحريك الاساطيل وفتح المطارات للقواعد
العسكرية الامريكية واستقدام عشرات الالوف من قوات المارينز والمشاة والخدمات
العسكرية اللوجستية الاخرى.
اذن انهم يتطلعون الى ما هو ابعد من العراق
فهم على دراية بالمنطقة اكثر من اهلها ويعرفون ان البترول موجود في الجزيرة
العربية والخليج ويعرفون طرق امداده التي لا تقل اهمية عن البترول نفسه اذ ان
حسابات امريكا العسكرية تضع اهمية بالغة لحماية طرق نقله وتدفقه الى العالم، ومن
هنا عبروا عن نواياهم منذ زمن بعيد فقد صرح البروفيسور روبرت تكر وهو من ابرز
مفكري ادارة ريغان في اوائل الثمانينات حيث قال (يجب على الولايات المتحدة
الامريكية احتلال المنطقة الواقعة من الكويت نزولا على طول الاقليم الساحلي
للعربية السعودية حتى قطر)!!
هكذا اذن كانت الخطط معدة للتنفيذ في
الولايات المتحدة الامريكية لاحتلال الجزيرة والخليج العربيين ، والعرب غائبون..
بل برزت حقيقة اكثر وضوحا من غيرها تفيد بان العالم العربي اصبح يعيش حالة انقسام
حاد على المستوى الرسمي يهدد استمرار بقاء النظام العربي حيث ادت الازمة الامريكية
- العراقية الى حدوث حالة من الفرز السياسي لم تعرف لها المنطقة مثيلا في تاريخها
الطويل فها نحن نرى ونسمع اصرار بعض العرب على التشبث بالتبعية للبرنامج والخطط
والمخططات الامريكية.
في ظل هذه الطبخة الامريكية والسكون الرسمي
العربي يلح علينا سؤال حول آفاق اجراءات الضغوط الامريكية لاستعمار منطقة الخليج
العربي والجزيرة فهل هذه السياسة العسكرية في اتجاهها الصحيح؟
الخبراء الاستراتيجيون والمحللون العسكريون
يقولون بان هذه السياسة تبدو في ظاهرها حكيمة وقصيرة المدى، فانه مع نهاية الحرب
الباردة تقلص مجال الضغط لدى الدول الاقليمية حتى مع بروز الولايات المتحدة
الامريكية بوصفها الدولة العالمية المهيمنة، نظرا لما تعانيه السياسة الامريكية من
النواقص الكثيرة نذكر اهمها:
1 - فمن خلال بناء نظام يعتمد على تدخلها
النشيط لربما تبالغ الولايات المتحدة الامريكية في قدرتها على الصمود، فالى متى
يمكن لها ان تبقى في المنطقة لتدعم نظاما مواليا لها في العراق وهي تشاهد يوميا ما
يجري لها ولجنودها في تجربتها الافغانية.. وعلى مر الزمن ما امكانية بقاء حلفاء
الولايات المتحدة الاوروبيين متحدين؟ فاننا نلاحظ ان الدعم الروسي والصيني
والفرنسي للسياسة الامريكية غير ثابت كما ان المانيا هي الاخرى تتردد في الاستمرار
في توفير المال لبعثة الامم المتحدة الخاصة بشأن العراق وهذه الدول مجتمعة لا تضمن
مشاركتها في المستقبل في اي عملية بناء، لا سمح الله، لو استطاعت امريكا تنفيذ
مخططاتها في المنطقة!!
2 - ان هذه السياسة موجهة ضد واحد فقط من
سيناريوهات متعددة، وهي ليست مهيأة لسيناريوهات مختلفة مثل تغيير قد يحدث في
العراق بعد ذهاب النظام السياسي الحالي ولربما بسبب ضغوط امريكية!!..
3 - في احتوائها العراق، واستثناء هذه الدولة
من التفاعل الطبيعي مع جيرانها فان الولايات المتحدة الامريكية انما تزيد العلاقات
في الخليج تشويها فهي توسع الهوة مع دول الخليج وتجعل من اقامة علاقات طبيعية في
المستقبل امرا اكثر صعوبة!!.
4 - ان اتجاه النزاع الامريكي مع العراق
يتعدى في نطاقه الدور الخليجي لهذه الدولة، فان العراق ومن جراء السخط على السياسة
الامريكية العدوانية تجاهه قد يجد من الاسهل ان يسدد ضربة لاسرائيل ربيبة امريكا
في المنطقة وبؤرة مشاكل التدخل الامريكي في الوطن العربي!!
5 - من وجهة نظر السياسة الامريكية في الخليج
في المدى القصير، تحتاج الولايات المتحدة الى تركيز اهتمامها على الخطر المتمثل في
العراق. غير انه ومن وجهة نظر سياسة منع انتشار الاسلحة النووية ثمة حاجة الى
تركيز مختلف للاهتمام اذ عليها ان تدرس ما اذا كان خطر استخدام الاسلحة النووية
اكثر امكانا خلال ازمة طارئة ام اكثر امكانا لحرب قادمة. فمثل هذه الحرب يؤججا
امتلاك اسرائىل لمزية احادية الجانب في سباق التسلح.
ويدعو الخبراء والاستراتيجيون في هذا الجانب
الى ايجاد دبلوماسية وقائية تجذب الجانبين، وتعمل كوسيط لاجراءات الحد من التسلح
بينهما، وتسعى لتخفيف الدوافع لديهما للحصول على مثل هذه الاسلحة، اي باختصار
تعالج مشكلة شعورهما بانعدام الامن، ان السياسة الامريكية الراهنة لا تفعل ايا من
هذه الامور!!
وعليه، فان الاعتماد على قوة خارجية لتوفير
الامن لا يمكن له ان يكون الا قصير المدى في افضل الاحوال. ولهذا الاعتماد ثمن ليس
بالزهيد فيما يختص باهداف الوصي. وقد تتنامى الاخطار الكامنة في الاعتماد المفرط
على قوة خارجية فيما يختص بالاصداء السياسية الداخلية لهذا الاعتماد. والحماية
التي تتوفر قد لا تغطي الحالات الطارئة الاكثر احتمالا.
ان التوقعات للمستقبل هي حدوث المزيد من
الازمات، لكن ليس الحروب بالضرورة. والله من وراء القصد.