علي مراد ومعركتنا مع أنفسنا

 

بقلم : نبيل شبيبب

 

من أشدّ التناقضات في بلادنا الصورتان التاليتان المتكررتان بأشكال متعدّدة وفي ميادين مختلفة:

الصورة الأولى: لا يكاد  ينقطع الحديث على المستوى الرسمي عن رفض الدخول في معارك مع "العدوّ"، تارة بدعوى العجز مع التبجّح به وكأنّ الذي يجعل العجز عذرا لا يحمل المسؤولية عن صنعه وعن التمسّك بالسلطة ليزيده تفاقما، وتارة أخرى بدعوى أنّ،ا نعيش في "عصر السلام" والتعامي عمّا تتعرّض له أراضينا وشعوبنا، تحت أبصارنا حتّى تلوّثت ثيابنا بدماء ضحايانا، من ألوان العدوان المتواصل المتصاعد، بصورته الوحشية الدموية العسكرية المباشرة كما في فلسطين، وبصورته الوحشية الإجرامية كحصار التجويع الرسمي بمشاركة عربية كما في حالة العراق ومن قبل ليبيا أو بصورة غير رسمية تحت عناوين  حرية التجارة الدولية كما هو الحال مع كثير من البلدان النامية لا سيما الإسلامية!..

والصورة الثانية: عدم انقطاع المسؤولين من دعاة السلام ودعاة العجز أولئك عن خوض معارك جانبية لا تنقطع، مع هذه الفئة أو تلك، وهؤلاء الأفراد أو أولئك، من أبناء شعوبنا، تارة من خلال اعتقالات عشوائية، وأخرى من خلال محاكم صورية، وثالثة من خلال تحدّي الأحكام القضائية، لا سيما الفئات والأفراد الذين باتوا يتمسّكون رغم القهر بالتعبير بصورة من الصور حسب استطاعتهم عن إرادة أمّـهم وكرامتها، ويدافعون عنها، مع تعريض أنفسهم لما تعنيه تلك المعارك غير المتكافئة!..

يا سبحان الله!.. كأن المطلوب من "ولاة الأمور" المعاصرين هو توجيه الضربات لجبهتنا الداخلية، إمعانا في صناعة العجز على صعيد الجبهة الخارجية!..

 

وهذا بالذات ما يسري على واقعة علي مراد!..

إنّ المعتاد في حياة الأمم والشعوب أنّه إذا ارتكب امرؤ ذنبا أو مخالفة قانونية، ووقف بسبب ذلك أمام القضاء، أن ينظر القضاء في سيرته، فإذا وجد أعمالا كريمة ومنجزات متميّزة، كانت سببا في تخفيف العقوبة أو إلغائها التي قد يفرضها القانون على ذلك الذنب أو تلك المخالفة القانونية!..

علي مراد ينال العقوبة مغلّظة دون أن يكون قد ارتكب ذنبا أصلا، ودون أن يرتكب مخالفة قانونية، بل على النقيض من ذلك، هو الذي نبّه بموقفه الشريف إلى أنّ كثيرا من المسؤولين الرسميين سياسيا وفي شركة الطيران المصرية يرتكبون المخالفات القانونية، ويخالفون الأعراف الدولية، وهم يتقبّلون تفتيش الطائرات المصرية من جانب الإسرائيليين، ولا يفتشون هم الطائرات الإسرائيلية، وفق المعاملة بالمثل على الأقل، ويضيفون بذلك إثما آخر إلى آثام سياسات "التطبيع" التي يمارسونها، والتي يعملون على فرض ممارستها على الأفراد العاديين من شرفاء مصر، مستخدمين وسائل الابتزاز والضغوط المباشرة وغير المباشرة، كما هو في حالة علي مراد، وبالتالي تجاه سائر الطيارين في مصر من خلال جعله نموذجا "تحذيريا" لهم، ومهّدين عبر ما يمارسونه معه، بقطع أرزاقهم، وتجويع أسرهم، والتشنيع بحياتهم المهنية، إلى جانب استعراض ما يعنيه أسلوب الاستبداد المتمثل في تجاوز المسؤولين من السلطة التنفيذية ومن الأجهزة الإدارية لنصوص القوانين والأنظمة الثابتة، وللأحكام القضائية..

المفروض لو كان فيما صنعه علي مراد مخالفة للقوانين والأنظمة، أن يعتبر عمله تنبيها على وجود خلل في نلك القوانين والأنظمة فيجري تعديلها.. لا التسفيه به واضطهاده وتحويل "بطولته" إلى "قضية" من قضايا انتهاك حقوق الإنسان!..

والمفروض لو كان علي مراد قد ارتكب جناية ما، أن تكون واقعة مواجهته هو وتعريض نفسه هو لمخاطر المواجهة مع عدوّ بلده وأمته، أن يكون ذلك سببا من أسباب منحه وسام وطنيا على أعلى المستويات، وأن يكون ذلك سببا من أسباب صدور عفو عن جنايته المزعومة، وأن يرى القضاء ما يكفي من المبررات لتجاوزها..

وبدلا من ذلك.. يتعرّض علي مراد للاضطهاد.. بصورة مزرية بأصحابها، وبصورة توجّ÷ الإهانة للقضاء المصري، ولشعب مصر، ولكرامة مصر وتاريخ نضالها المشرّف على مرّ القرون في وجه أعداء هذه الأمّة من مختلف أنحاء الأرض؟..

 

إنّ ما أقدم عليه الطيّار المصري علي مراد برفضه أن تقوم السلطات الصهيونية بتفتيش طائرته، يمثل صورة رمزية لدفاع المواطن العادي في أرض الكنانة، عن أرض الكنانة وأخواتها وفي المقدّمة فلسطين، ولو في زاوية واحدة صغيرة من زوايا فضائنا، المنكوب بمعادلات العجز العسكرية والسياسية على ألسنة المسؤولين وفي واقع ممارساتهم لمسؤولياتهم!..

وإنّ كل اضطهاد لعلي مراد هو جزء لا ينفصم عن الاضطهاد الذي تمارسه سلطات بلادنا عموما، والذي يحتلّ رأس قائمة الاسباب التي تؤدّي إلى العجز داخليا عن توفير الحياة الكريمة، وتؤدّي خارجيا إلى العجز عن توفير الأمن والسلامة والكرامة في واقع الخارطة الدولية.

والإصرار على التعامل الظالم مع علي مراد، يعني كما هو الحال مع وقائع مماثلة ومشابهة، الإصرار على زيادة أسباب العجز، ومواصلة الانشغال بفتح جبهات داخلية وكأنّ المطلوب هو "استثارة" الشعوب، وتفجير غضبتها، وتحويل المواجهة المفروضة لعدوّ خارجي يصنع ما يصنع في بلادنا، إلى مواجهات داخلية، تستهلك الطاقات وتهدرها، وتزيد الضغائن وتثيرها.. فما هو الهدف من ذلك، ومن يقف وراء هذه الممارسات، وأين المحاسبة الحقيقية الفعّالة لهم ولأمثالهم، وأين بقيت الشعارات المرفوعة تحت مختلف العناوين، تارة  باسم الإصلاح، وأخرى باسم مكافحة الفساد، وثالثة باسم الشفافية، ورابعة باسم الديمقراطية.. بينما لا نكاد نجد في بلادنا شيئا يطبّق تطبيقا فعّالا إلا "حالة الطوارئ" المفروضة دون مبرّر حقيقي سوى ترسيخ الاستبداد!.

لقد آن الأوان لوضع حدّ لهذا الخلل الخطير في التعامل مع قضايانا الداخلية الخارجية، وآن الأوان أيضا، أن يرتفع صوت الشعوب بالاعتراض على هذه الممارسات، فقد أصبح من الثابت بوضوح أنّها لن تتوقف دون أن توقفها الإرادة الشعبية التي تعبّر عن نفسها بمكختلف الوسائل، ومع الوعي الكامل للأخطار المحيطة بنا وببلادنا، والوعي الكامل للسبل الكفيلة بالخروج بنا من منحدرات العجز والتسليم والمعارك الجانبية نتيجة المطامع الأنانية المتحكّمة بمصائرنا وبأسباب قوّتنا ونهوضنا.

وتحية صادقة إلى علي مراد وأمثاله، وكلّ من يناصره ويسعى لمنع تكرار مثل هذه المظالم الواقعة بحقه، وتحية صادقة إلى كل من يعمل على تغيير الواقع المريض الراهن في بلادنا ويرتفع بنفسه وأهله وبلده إلى المستوى الكفيل بتحقيق الحياة الحرّة الكريمة التي نتطلّع إليها، ولا يجوز أن ينقطع النضال بمختلف أشكاله من أجل الوصول إليها وتثبيتها وضمانها.