زمن سقوط الأقنعة

 

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

لنفترض أن عمراً استصلح لنفسه شيئاً من التطبيع مع الصهاينة أو تعاطى التمويل الأجنبي أو بعض المواقف الانتهازية أو غير المبدئية في الميدان الوطني، فما هي أفضل الأجواء التي تتيح له أن يقدم على سلوكيات كهذه، بالحد الأدنى من الإدانة له، ضمن الخط السياسي والمجتمع الذي يتضرر مباشرة من ممارساته؟

 

ولنفترض أن زيداً رأى أن وضعه الشخصي سيصبح أفضل إذا ما قدم تنازلاتٍ في المبدأ والفكر والعمل، ولكنه لا يريد مع ذلك أن يُحسب على المعسكر المعادي للأمة، بل يريد أن يُعدَ ضمن المعسكر المناهض له، فما هي أفضل منظومة من القيم والمفاهيم يمكن أن تتيح له ميزات المعسكرين في آنٍ معاً؟

 

إذا نظرنا إلى مثل زيد أو عمر، وهما إجمالاً جزءٌ من شريحة هلامية وسطية لا تجد نفسها ومصالحها بالكامل هنا أو هناك، فسنجدهما يدافعان عن انتهازيتهما وتجاوزهما للثوابت تحت حججٍ شتى تتصل خيوطها بالنهاية بمفهوم «نسبية الأخلاق».

 

و« نسبية الأخلاق»، أو Moral Relativism، مفهومٌ شاع في مذهب ما بعد الحداثة، ليأخذ الليبرالية إلى أقصاها عندما يقول بالتساوي المطلق لكل الحضارات والعقائد والممارسات والقيم والمفاهيم والأخلاقيات. فهو مفهومٌ يساوي مثلاً ما بين تعاطي المخدرات أو الدعارة وعدم تعاطيهما، وفي بلادنا، بين التطبيع ورفض التطبيع، أو بين العمالة والوطنية، وهكذا، باعتبارها جميعاً مفاهيم نسبية -حسب أنصار هذا المذهب- لا يحق لأحدٍ أن يعطي نفسه حق الحكم عليها.

 

وقد أصبح مذهب ما بعد الحداثة اليوم، ومفهوم «نسبية الأخلاق» المتفرع عنه، أحد أهم الأسلحة الثقافية في هجمة العولمة الذي لا بد لها من عقيدة تعقلن الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية فيها. ولذلك، يرى المفكر ضياء الدين سردَر مثلاً أن فكر ما بعد الحداثة ليس إلا التتمة الثقافية لغزو العالم الثالث المتدثر هذه المرة بعباءة الدفاع عن التعددية الثقافية.

 

والخلاصة أن مفاهيم مثل النسبية الأخلاقية والتعددية الثقافية أصبحت اليوم الأرضية الفكرية لبرنامج الشركات العملاقة المتعدية الحدود الساعية أبداً لتطويع المعمورة بأسرها. والليبرالية المتطرفة أضحت برنامجها في المحافل الدولية والعالم الثالث، سواء في الاقتصاد (حرية السوق؛ أي الحرية المطلقة للشركات المتعدية الحدود)، أو في السياسة (البعد الفردي الأحادي لحقوق الإنسان وتفكيك الدولة الوطنية)، أو في الثقافة (تقديس التعددية والأقليات)، أو في الأخلاق (الحرية الفردية المطلقة ونسبية الأخلاق؛ أي تفكيك المجتمع).

 

ولهذا تجد النخب التابعة في العالم الثالث تتبنى وتحاول بالقوة فرض برامجها الليبرالية المتطرفة في شتى الميادين، ولكن دون الليبرالية السياسية بعد حيث يمكن أن تؤدي إلى «انفلات الأمور» قبل أن يُنجز الحد الأدنى من مشروع قولبة وإعادة تشكيل المجتمع على الأسس الجديدة. أما بعد قولبة الاقتصاد والثقافة، فلا يعود ثمة خطر من اللعبة الانتخابية و« حرية الصحافة» وما شابه، تماماً كما الحال في أمريكا. وبهذا المعنى فقط يصدق الأمريكيون إذا ادعوا أنهم يريدون نشر «الديموقراطية» في الوطن العربي، ولكن ليس قبل جعل الخط الليبرالي المتطرف خطاً سائداً في عقول الناس.

 

في بلادنا قد لا يذهب الانتهازيون إلى حد تبني مفهوم «نسبية الأخلاق» علناً، بل قد يتعارضون إلى هذا الحد أو ذاك مع القوى التي تسوّق المشروع الليبرالي المتطرف. ولكنهم في حاجتهم إلى تبرير سلوكياتهم الوسطية أو غير المبدئية عامةً يضطرون لا محالة إلى استعارة جزء من الخطاب الليبرالي المتطرف للقوى المروجة للعولمة. والنتيجة في الحالتين تصب في اتجاهٍ واحدٍ هو تضييع المقاييس الثورية والوطنية. لأن تمييع المقاييس وإثارة أكبر قدرٍ ممكن من الغبار «الديموقراطي» والفوضى الأخلاقية حولها هو الشرط الضروري لتغطية انتهازيتهم.

 

قال الشهيد كمال ناصر: «سيأتي يومٌ تصبح فيه الخيانة مجرد وجهة نظر»!

 

والخيانة، أو ما هو أقل منها، ليست عند أي شعبٍ وجهة نظر مشروعة، ولو حاول البعض أن يلبسها قبعة تعدد ونسبية الآراء.

 

نعم، يجب أن ندافع بالمهج عن حرية الرأي والتعبير، وأن نطالب باتساع صدر المبدئيين للخلاف المشروع بالرأي، والناس تعرف على كل حال كيف تميز المدافعين الحقيقيين عن حرية الرأي والتعبير من الذين يلعبون بهما لعب المتسترين على معاصيهم.

 

وتبقى الثوابتُ الحدَ الفاصلَ بين الجد واللعب، قبلها حرية الرأي، وبعدها سقوط الأقنعة.