<<ديموقراطيات>> بمعايير أميركية

 

 

 

 

بقلم :هشام الدجاني 

 

فجأة خرج علينا وزير الخارجية الاميركية كولن باول داعية للديموقراطية في العالم العربي. ألقى على مسامعنا كلاما جميلا اشتقنا الى سماعه طويلاً. قال باول: ان الوقت قد حان لبناء أسس الأمل في هذه المنطقة (الشرق الاوسط) التي تحكمها انظمة سياسية معلّقة حرمت شعوبها من ثمار ثورة انتشار الديمقراطية، والاسواق الحرة. وفاجأنا أكثر عندما خرج علينا بمبادرة إصلاحية شاملة تضع بلاده الى جانب التغيير والاصلاح وبناء مستقبل حديث في الشرق الاوسط.

أطلق باول في خطابه في مؤسسة <<هيريتيج>> على هذه <<المبادرة>> اسم <<مبادرة الشراكة الاميركية في الشرق الاوسط>> في سياق عزم بلاده <<على إعادة هيكلة برامج مساعداتها الاقتصادية للدول العربية وتحويلها باتجاه مؤسسات المجتمع المدني>>. كلام جميل! وعلّل باول ذلك بأن الكثيرين في العالم العربي يعانون اليوم من انعدام الحريات السياسية والاقتصادية.. الخ. واستشهد باول في هذا الصدد ببعض معطيات <<تقرير التنمية الانسانية في العالم العربي>> الصادر عن الأمم المتحدة، والذي نشرته عدة مصادر اعلامية عربية، ومن بينها <<السفير>> قبل قرابة ثلاثة شهور. ولم ينس باول بالطبع أن ينوّه بأن كثيرا من سكان المنطقة <<محكومون من قبل انظمة سياسية مغلقة وحكومات تقيد المجتمع المدني وتراها خطرا عليها>>!.. واعتبر باول ان مظاهر التخلف الواردة في التقرير المذكور هي الدافع وراء هذه المبادرة!

ترافقت هذه <<المبادرة>> الخلاقة باعتراف لوليام بيرنز، مساعد باول لشؤون الشرق الاوسط، بأن هذه المبادرة تأتي في سياق نقد أميركي ذاتي لأن اميركا لم تركز على هذه الامور (قضايا الديمقراطية في المنطقة) من قبل! صحّ النوم! واعترف بيرنز في الوقت نفسه بصعوبة تنفيذ هذه الخطة الاصلاحية الايجابية التي ستشارك فيها شعوب وقيادات المنطقة!!

أما باول فقد أكد على ان المبادرة <<التزام أميركي بالكرامة الانسانية في المنطقة.. لأنها ستوفر إطاراً من التعاون من اجل تحسين حياة شعوبها ومساعدتهم على مواجهة المستقبل بأمل>>.

إلى هنا كلام جميل، وكلام معقول! العم سام رق قلبه اخيرا على شعوب المنطقة! ثم تأتي المفاجأة المذهلة المبادرة <<الخلاقة>> ستخصص مبلغ 29 مليون دولار في السنة الاولى، تتبعها مبالغ اضافية (لم يحددها) في السنة المقبلة. يا لهذا السخاء العجيب! عطّار الزمان باول يريد ان يصلح ما أفسده الدهر ب 29 مليون دولار فقط! وللمفارقة نذكر ان <<مركز ابن خلدون>> للدراسات في مصر تقاضى كما ذكرت الأبناء وحده مساعدات خارجية غربية اكثر من هذا المبلغ!

اميركا التي تربح سنويا عشرات المليارات من الدولارات (بل المئات) من استثماراتها في المنطقة ومبيعات الاسلحة، وخاصة الى دول الخليج، تريد ان تساعد شعوب المنطقة كي تلطّف قليلا من ظلم حكامها لهم بمبلغ 29 مليون دولار!

والأعجب من هذا كله ان باول نفسه يعرف استحالة مشروعه الخيالي. فالأنظمة <<المغلقة>> التي تحدّث عنها هي أنظمة صديقة. وهذا ما دفع أحد كبار مستشاريه مدير التخطيط ريتشارد هاس الى التأكيد على صعوبة تنفيذ مبادرة رئيسه تلك الصعوبة التي تصل الى حدّ استحالة التنفيذ. ولم يفت هاس ان يسارع الى طمأنة الانظمة المستبدة <<الصديقة>> في المنطقة عن طريق التأكيد على عدم رغبة بلاده في فرض او تغيير اي نظام عربي (عدا نظام صدام بالطبع).