التوازن الإستراتيجى بين القاعدة وأمريكا!

 

 

 

 

مركز الدراسات والبحوث الإسلامية

 

 

يبدو العنوان غير منطقي في رأي مراكز الأبحاث والدرسات الاستراتيجية الغربية، وكذا في رأي المثقفين العاملين والمرتبطين بأجهزة الدول في العالم العربي، وعن كل من يرتبط عقله بهم .. ومن يفكر مثلهم .. إذ كيف نتحدث عن توازن ..استراتيجي.. بين القاعدة ، ضعيفة العدد ، ضعيفة التسليح .. المطارد قيادتها.. الخ، من دولة عظمى تخاف منها الدول الكبري؟! بل ربما يري البعض أنها فكرة مثيرة للسخرية أو الاسنتكار! والحق أن هؤلاء، تعلموا، وتعودوا، وعودوا الرأى العام والمثقفين أن حساب التوازن الاستراتيجي بين الدول أو الأهداف وبعضها البعض ، أمريكانى بعدد الطائرات والصواريخ والدبابات .. والجنود لدى كل طرف وكذا امتلاك الاسلحة غير التقليدية من عدمة .. والوضع الاقتصادي لكل بلد الخ وهى أمور في حد ذاتها صحيحة، وهى تظل صحيحة في علاقات وصراعات الدول ، غير أنها ليست " وصفة" لكل حالة ، ولكل موقف ، ولكل صراع ، وكذا هي معرضة للتغير في زوايا قوة كل عامل منها وتأثيره. ويمكن القول بأن المفاهيم الاستراتيجية حول توازن القوي ، علي النحو "المدرس"، قد نمت وتأكدت قبل وفي أثناء الحرب العدوانية الأولي بين دول الاستعمار الغربي (الحرب العالمية الأولي) وتعززت وأصبحت راسخة خلال الحرب الثانية وما تلاها من الحرب الباردة .وقد دخلت بعض من العوامل الجديدة عن عوامل ومقاييس الحسابات الاستراتيجية خلال مرحلة الخمسينات والستينات التي اشتعلت فيها حروب التحرير ضد الدول الاستعمارية الكبري . وكان أهم ما دخل من عوامل جديدة هو ، دور الشعوب ، كعامل رئيسي في التوازن (السياسي - العسكري) ، ودو نموذج حرب العصابات ، الذى شكل استراتيجية لا يدخل فيها " كفاءة التسليح"ومخزوناتها ، قدراته النارية والقتالية ، ونوعية (طائرات ، دبابات الخ) ، بل هي تعتمد بصفة أساسية علي الإنسان أولا والبعد السياسي لقضاياه ودوره ، كعامل رئيسي في هذه الاستراتيجية. إن ذلك يدفع إلي القول بعدم صحة الحسابات التي تقوم علي متابعتها وتقديرها ، مراكز الأبحاث والدرسات الاستراتيجية العسكرية الغربية ، إلا في حالات الصراع العسكري بين دول من نمط الحرب الاستعمارية الأولي والثانية. لكن جديدا حدث! هذا الجديد كله يتطلب إضافة أبعاد جديدة للعوامل التي يقاس عليها التوازن الاستراتيجية في الصراعات . والجديد هنا متعدد ومتنوع ويتطلب تغيرات هامة بما يسمح لنا أن نقول ، أن السؤال صحيح ، وعلي الجميع أن يبحث في تداعياته وأن يحدد قدر مساهمتة في تطوير وتغير توازناته في الصراع الدائر حاليا. الجديد من الطرف المعتدى ، وفي منظومة الوضع العالمي هو: 1- تبني مفاهيم " صراع الحضارات" بما يوسع دوائر الصراعات مساحة وسكانا... ويدخل فيها عوامل ومفاهيم عقائدية ، من قبل الطرف المعتدى .. وأيضا باعتبارها تخلق ردود فعل شعبية علي نفس الأساس العقائدي والحضاري .. وبشك واسع بحكم اتساع دوائر الصراع الحضاري و" العقائدي" التي هي بالضرورة صراعات تتخطي الدول والقوميات ، فهى تشمل مثلا في حالة الحرب الراهنة ما يزيد علي 70 بلدا دفعة واحدة ! 2- تبني الولايات المتحدة ، مفاهيم واستراتيجيات الإبادة البشرية ، والحرب الوقائية ، وتفكيك نظم الحكم في الدول المعارضة لها ، واستخدام قوتها العسكرية المباشرة وبالإعتماد علي التفوق التكنولوجى وبما يعني تقليص صلاحيات أجهزة الدول وفق نموذج "الدولة الأمة" - وسيادتها السياسية والاقتصادية والعسكرية - . وهى أمور تجمل نتائجها في ظهور حركات سياسية وعسكرية ، تكون في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ، وتكون الدول غير قادرة أو متحمسة - للمواجهة معها- ، كما يطرح تشكيل حركات ذات صفة عالمية ، تخترق حدود الدول ، وتتوسع في نشاطها ومساحة حركتها ، كما تتبني مفاهيم وأساليب في الصراع في أشد حالاتها قوة ، لمواجهة قوة البطش القابلة. هذا هو الجديد إذن: فكيف إذن أثر ذلك غلي محددات التوازن الاستراتيجي بما يجعلنا نتحدث عن التوازن الاستراتيجي بين القاعدة والولايات المتحدة.

 

التقنية الاهم في مسالة التوازن الاستراتيجي بين القاعدة وامريكا ،وفي قوة الصراع المبنية علي عوامل القوة والضعف ، هىالقاعدة ذات اقوة الاضعف - من الناحية التكنولوجية- باتت تدير القوة الساحقة "الولايات المتحدة" ، وفق قواعد لعبة مصارعة الثيران ، حيث الفارس لو دخل في مواجهه مع الثور ، يسحقه الثور ، لكنه يتمكن بالحيل البارعة والحركة المخططة وسرعة الحركة ، ومن خلال الضربات الجزئية المتناثرة ، ان يصيب الثوربالإنهاك حتي الموت . وفي هذه المصارعة وهذا الصراع ، تقول ان القوة الاضعف ، وباتت تدير القوة الساحقة وتحدد لها حركتها ،أى أنها "تركب" علي عوامل القوة فيها ، وتقودها بينما ذه القوة الساحقة لا حيلة لها تظل مدفوعة من خلال استجابتها لضريات وتحركات القوة الاضعف ، الي حتفها . الفارس في مصارعة الثيران ، يدير "قوة الثور" ، من اجل القضاء علي الثور حيث يظل الثور مدفوعا للاستجابة لتحركات الفارس وطعناته ومع استجابة له يفقد جانب من عوامل قوته بصفة تدريجية ، حتي ينهار . وهكذا فإن ضربات القاعدة - الفارس- تدفع الولايات المتحدة - الثور- الي ردود فعل ، نتهكها وتسبب لها قدر هائل من المشكلات الاقتصادية ، والعسكرية والسياسية الدولية الداخلية والخارجية ، حتي الانهيار . تلك هى مجريات الصراع الان ، وتلك هى احد اهم اسباب الفزع في الدوائر الغربية والامريكية من استمرار القاعدة في توجيه الضربات . ولنأخذ الن هذه الفكرة ببعض من التفاصيل. ضربت القاعدة ضربتها في 11سبتمبر 2001 - الطعنة الاولي للفارس- فاندفعت الولايات المتحدة- الثور في مثالنا - تستعرض عضلاتها في كل اتجاه تماما مثلما يدخل الثور الحلبة ، وبدات حملة عاتية من الصراع ضد النظم الحاكمة في الدول العربية والاسلامية مما ادخلها في صراعات وخلافات ، وقامت بعدوانها في افغانيتان ، فكان ان انجرفت برد فعلها الي مكان يجيد فيه الفارس توجيه الضربات أو هي في هذا المكان في اضعف حالات قدرتها أو في اسوأ حالات القتال ، وهى كلما تحركت بعضلاتها (طائراتها ، ومدافعها ..إلخ) كلما زادت عداوة السكان المحليين ، وهى كلما زادت دعمها لحكم كرازاى ودخلت في عداوة مع التكوينات العرقية في افغانستان أضافة إلي دخولها علي المحك في الصراع الباكستاني الهندى ...إلخ. نجد ان المشكلة التي تبدو اخطر من المواجهة الاستراتيجية هي ان الولايات المتحدة ، في إطار ردود فعلها "فتحت" مساحة انتشار قواتها في مختلف انحاء العالم ، ليصبح تواجدها في العالم مدنيا واقتصاديا فقط ، بل عسكريا ايضا وهو ما يجعل امكانية توجيه ضربات لقدراتها، اسهل من ذى قبل خاصة وأن البلاد التي تتواجد بها هذه القواتجاهززة مسبقا للعداء ضد القوات الامريكية ،خاصة في ظل ان التقديرات تشير تصاعد هذا العداء . وضمن ردود الفعل الامريكية - الثور فب لعبة مصارعة الثيران - رأت الولايت المتحدة ان اوضع الاستراتيجى بعيد المدى وفق"قواعد لعبة الصراع هذه ان يكون في صالحها ، إذا استمر المدد لقوات وخاصة القاعدة ، من خلال التوجية المتزايد نحو دراسة الاسلام ، ومظاهر تتحكيمه في مجالات الحياة المختلفة ،قد دخلت في صراع شامل مع الاسلام والمسلمين الامر الذى ادى الي توسيع دائرة المواجهة ، وتعميقها وتحويلها رويدا رويدا - ومن خلال رد الفعل الامريكي- الي مواجهة عقائدية قبل ان تكون سياسية . وتسبت ردود الفعل الامريكية الناتجة من ضربة القاعدة في 11 سبتمبر الي "توسيع دائرة الصراع ضد الولايات المتحدة, وشمولها دول عديدة ، كما تسببت في تعميق جذور الصراع بما زاد الدافع الشعبي لدى جمهور المسلمين والاسلاميين في مختلف انحاء الامة ، واصبحت الولايات المتحدة ذات استراتيجية محاصرة ، كلما استخدمت التكنولوجيا وقصفت وهددت ...إلخ ، وجاءت ردود فعل اسواء ، وإذا هي صمتت وتراخت وتراجعت ،خسرت وتراجع وضعها الدولي! بل الاخطر، هو ان القاعدة ، باتت تدفع الولايات المتحدة الي ردود فعل ،تزيد من حالات العداء والصراع ضدها.

 

 

 

والآن ، نعالج جانباً هاماً من فكرة التوازن الاستراتيجي ، ألا وهو جانب التأييد السياسي والشعبي الذي يلقاه طرفا الصراع في العالم ، بما يؤثر على التوازن الاستراتيجي العام بمعناه الواسع والعام الذي أشرنا إليه من قبل في هذا النوع من الصراعات الذي لا يقتصر حساب موازين القوى فيها على حجم القدرة العسكرية التقليدية بين الطرفين . في جانب الولايات المتحدة ، فإن الدعم السياسي والشعبي لها في حربها الجارية ، وفي مناطق الصراع هو في أسوأ حالاته ، بعدما باتت منغمسة في صراعات منتشرة في كافة أنحاء الدنيا ، وحيث يتزايد خصومها وأعداؤها وتتنوع لغاتهم وأجناسهم . ويمكن التمييز هنا بين ما يؤثر على قوتها في المواجهة الراهنة ؛ بشكل مباشر وبين ما هو ذو تأثير بشكل غير مباشر . في جانب الدعم السياسي المباشر ، فإن الولايات المتحدة تلقى دعماً مباشراً واسعاً من الحكومات في مواجهة القاعدة في الجوانب الأمنية والعسكرية، أو بمعنى أدق فإن ضغوط الولايات المتحدة على عدد كبير من الحكومات ، قد جعل الكثير منها يساير خطة الولايات المتحدة في حربها ضد القاعدة . وكذلك فإن هناك دولاً أخرى ذات مصلحة في الحرب ضد القاعدة ، مثل روسيا التي تتهم القاعدة بالمشاركة في حرب الشيشان ، والهند التي تتهم القاعدة بالمشاركة في الحرب الدائرة في كشمير ... الخ . لكن إذا كانت الولايات المتحدة ، قد سعت إلى تحويل استراتيجيتها في الصراع ضد القاعدة إلى استراتيجية كونية ، فإنها بالفعل لم تنجح في ذلك ، حيث فهمت القوى الدولية المنافسة حدود توافقها على الموقف من القاعدة ، ولم تغلبه على الخلافات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ، أما الدول التي ضغطت عليها الولايات المتحدة " ضغطاً " للمشاركة في حربها للقاعدة ، فسرعان ما تفلتت أو مارست قدراً واسعاً من عمليات مواجهة الضغوط ، سواء بالسماح بقدر من الحرية للحركات الشعبية ، لتظهر مواقف شعوبها المعادية للولايات المتحدة ، او المتعاطفة مع القاعدة .. ويمكن هنا الإشارة إلى ان الولايات المتحدة على عكس عدوانها على العراق في عام 1991 ، لم تتمكن من حشد العالم معها في حربها ضد القاعدة ، أو للعدوان على أفغانستان . ويمكن القول كذلك أن شرعية النظم التي تخالفت أو التي استكانت للولايات المتحدة في الدول العربية والإسلامية ، قد تعرضت للاهتزاز وبالنظر لنتائج التدخل ، والفشل الأمريكي في القبض أو اغتيال قادة القاعدة ، وبالنظر إلى اكتشاف العالم يوماً بعد يوم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في الانفراد بالعالم وإدارة الصراعات لمصلحتها الاستراتيجية ، فإن حجم المعاونة لها في الحرب ، بات متراجعاً يوماً بعد يوم . أما الجانب غير المباشر ، الذي يؤثر على كل من الولايات المتحدة والقاعدة ، ألا وهو الموقف الشعبي والجماهيري ومواقف القوى والنخب السياسية فإنه في المنطقة العربية والإسلامية جاء ويظل لصالح القاعدة حيث باتت جماهير الشعوب ترى الولايات المتحدة عدواً لها عند قطاعات منها ، وخصماً لها عند قطاعات أخرى ، وليست على صواب بين قطاع ثالث . وهذا العامل ، إذا كان ليس مؤثراُ بصفة مباشرة ، ولا يحسب حسابه بصفة رئيسية في موازين القوة وفي الفهم التقليدي لموازين القوى ، فإن في هذا النمط من الحروب، وفي هذا الفهم لمثل هذه العمليات العسكرية والتوازنات يمثل بعداً هاماً جداً في الصراع ، حيث إن التأييد الشعبي في هذه الحالة يخرج عن المفاهيم " المبسطة " و " التقليدية " ، أي فكرة قياسات الرأي العام ، ومدى تأثيرها على القرار السياسي ، إلى فكرة أكثر أهمية ، حيث أن المسألة الجوهرية في تأييد أو دعم الحركات التي هي مثل القاعدة ، إنما يمثل جانباً هاماً من جوانب التوازن الاستراتيجي ، باعتباره يمثل دعماً مباشرً لها عن المستوى السياسي والمعنوى واللوجيستيكي والمالي ، وكذلك باعتبار أن جماهير الشعوب هي التي ترفد مثل هذه المنظمات بالرجال طوال الوقت ، بشكل طوعي . ويلاحظ هنا ، أن جانباً كبيراً من الحركات السياسية العربية والإسلامية ، بات مؤيداً للقاعدة على الأقل انطلاقاً من " رفض المواقف الأمريكية " أو لمواجهة الظلم الأمريكي في فلسطين والعراق والسودان ... الخ .