هل نهاية التاريخ هي نهاية الجغرافيا؟
لعل من اطرف ما قرأت هذا الاسبوع مقالا لكاتب
في صحيفة خليجية معروفة وواسعة الانتشار عنوانه غريب »نهاية الجغرافيا« حاول فيه
كاتبه تقليد المفكر الاميركي والياباني الاصل »فرانسيس فوكوياما« صاحب المقال
المثير للجدل »نهاية التاريخ« والذي نشره في الثمانينات من القرن الماضي ثم طوره
ووسعه ليصدر في كتاب تعرض لكثير من النقد والتحليل والتفنيد .
وللانصاف نقول بأن بعض الذين هاجموا
»فوكوياما« او عارضوه اخطأوا فهم ما قصده بالتاريخ، فقالوا ان التاريخ لا يمكن ان
ينتهي لان احداثه لا تتوقف، وحوادثه لا تكرر، وبخاصة بعد ان ثبت بطلان المقولة
الشهيرة: »التاريخ يعيد نفسه«، فكل حدث مرتبط بزمانه ومحدد بمكانه، ان ما قصده
»فوكوياما« ليس الاحداث التاريخية، وليس التاريخ الذي يختص بتسجيل الاحداث
وقراءتها وتحليلها واستنباط الدروس منها، والتوصل الى نتائج تفيد البشرية، وهو
يعرف بأن التاريخ بهذا المفهوم لا ينتهي، فهو باق ومستمر ما دامت هناك حياة على
سطح الارض، وما دام هناك انسان يعيش ويحيا ويعمل في هذا الكون .
ان التاريخ الذي يقصده »فوكوياما« هو الذي
يهتم بتتبع مراحل الصراع البشري منذ تمكن الانسان من تكوين مجتمعه البشري على
قواعد واسس وضوابط وله سلطاته، وكان محور الصراع يدور حول النفوذ والسيطرة في هذا
المجتمع ، اي بين السادة والمستضعفين ، وكانت الغلبة للسادة الذين تمكنوا بفضل
قوتهم وشجاعتهم من فرض سلطانهم على الضعفاء الذين رضوا بالخضوع للسادة بسبب جبنهم
وتخاذلهم، فاستبد السادة واستأثروا وحدهم بالسلطة واحتكروا الحكم واستبدوا فقهروا
العباد واستغلوا خيرات البلاد، وقد مر هذا الصراع بمراحل متعددة كان اخرها سقوط
الدكتاتورية والاستبداد وانتصار الديمقراطية والليبرالية وتغلب الرأسمالية على
الاشتراكية وبذلك يكون التاريخ قد اكتمل ووصل الى نهايته .
واعتمد »فوكوياما« في صياغة نظريته على افكار
فلاسفة ومفكرين منهم »افلاطون« و»كانط« و»هيجل« صاحب نظرية »الصراع من اجل
الاعتراف« ومؤسس الجدلية التاريخية »الديالكتيك« .
وبهذا العرض السريع والتبسيط الشديد لفحوى
نظرية »فوكوياما« فان ذلك لا يعني اننا نؤيدها بقدر ما نعارضها ونرفضها، ولكن
هدفنا من هذا العرض اقناع القارىء بأن تطبيقها على الجغرافيا غير ممكن على الرغم
من الارتباط الشديد بين كل من التاريخ والجغرافيا، ذلك ان التاريخ يركز على
الزمان، بينما تركز الجغرافيا على المكان، وان الزمان والمكان يتفاعلان مع بعضهما
، المكان هو المسرح الذي تدور عليه الاحداث، لكن الجغرافيا ليست وحدها التي تدرس
المكان، فهناك علوم اخرى تدرسه، وان الاختلاف فيما بينها يمكن تحديده على ضوء
طبيعة كل علم واهدافه .
وعلى الرغم من تعدد المفاهيم التي تحدد طبيعة
الجغرافيا وماهيتها واهدافها وغاياتها، الا ان ابرزها ما يركز على دراسة التباين
او الاختلاف المكاني، والتفاعل القائم بين الانسان والمكان، وما نجم عن هذا
التفاعل من ظواهر تشكل المحتوى العلمي للجغرافيا، اي اننا نقول انه اذا كان سطح
الارض هو الميدان الرئيسي للجغرافيا فان الظواهر الطبيعية والبشرية لهذا السطح
تشكل المحتوى العلمي لها .
وبناء عليه فانه لا يجوز ان نختلق ونبتدع
مفاهيم ترفضها الجغرافيا ولا تنسجم مع اهدافها، وغاياتها لاثبات مقولة غير منطقية،
او لتدعيم وجهة نظر شخصية، او محاكاة نظرية او فرضية ابتدعها احد المتخصصين في العلوم
الاخرى، فالجغرافيا، ليست - كما جاء في المقال - »هي التي تعلمنا السيادة الوطنية
للدول على اراضيها ورعاياها وممتلكاتها« ، ولم تكن الجغرافيا في يوم من الايام
»عاملا حاسما في ردع الاخطار والاعتداءات الخارجية المهددة لامن واستقرار سيادة
الدول لمصلحة عالم تستطيع فيه دولة قوية غزو دولة اخرى عسكريا من على بعد الاف
الاميال«، والجغرافيا لا شأن لها ولا من اهدافها »التحكم في دخول كل صغيرة وكبيرة
لاراضي الدول لمصلحة عالم يتجسس فيه عن بعد، القوي بما لديه من تكنولوجيا فائقة
التقدم« والجغرافيا ليست هي »التي تحدد خط سير الدول وتقدمها وتفرض الافكار
الجديدة« .
ان الجغرافيا لا علاقة لها بجميع المفاهيم
والمواصفات التي طرحها الكاتب والتي ، فيما يبدو، يريد من طرحها الاثارة وجذب
اهتمام البسطاء لما يكتب وصرفهم عما يحدث في مقررات الجغرافيا والتاريخ والدين
والتربية الوطنية، وهي مقررات يعاد النظر فيها حاليا في البلاد العربية والاسلامية
بعد ان وجهت اليها الكثير من الاتهامات كالادعاء بأنها المسؤولة عن موجة الكره
للغرب بعامة وللولايات المتحدة الاميركية بخاصة، وبحجة التطوير والتحديث في هذه
المقررات تقلصت حصص المواد الاجتماعية واختصرت موادها وتشوهت موضوعاتها مما ادى
الى تدني ثقافة الجيل والى جهله بتاريخ امته وحضارتها وجغرافيتها واصول دينه، وهذا
شجع بل وسهل عملية الغزو الثقافي لعقول ابنائنا عبر الفضائيات وشبكات الانترنت،
وترتب على ذلك اضعاف الانتماء القومي وفقدان الهوية العربية او التشكيك فيها،
والانبهار بالغرب والاعجاب بثقافته وحضارته والتنكر لثقافتنا وحضارتنا العربية،
وان تقدمنا لا يتم الا بالقطيعة مع تراثنا، واهمال لغتنا، واحلال اللغات الاجنبية
محلها بدعوى ان اللغة العربية عاجزة عن مسايرة العصر، ولذلك اصبح الاقبال على
المدارس الاجنبية في هذه الايام شديدا .
نخلص مما تقدم بأن التاريخ لم ينته، وان
الجغرافيا لم تنته كما يزعم البعض ولكن الذي انتهى هو التاريخ العربي والجغرافيا
العربية من الخرطة العالمية، فاصبحنا نعيش اليوم خارج الزمان بعد ان اختفى زماننا
ونحيا خارج المكان بعد ان فقدنا السيادة على ارضنا.