أبعاد تجديد الخطاب الرسمي المصري تجاه اليهودية

 

 

 

بقلم : كمال حبيب 

 

    فوجئ المصريون بقيام الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري بكتابة دراسة من ثلاث حلقات علي صفحات جريدة الأهرام شبه الرسمية - والأكثر انتشاراً بين المصريين بعنوان " الحقيقة والأسطورة في معاداة السامية والبروتوكولات والاضطهاد النازي والهولوكست "، وفي دراسته المفاجئة والمثيرة للدهشة والحيرة تبني المستشار السياسي للرئيس مبارك صيغة اعتذارية ذات طابع دفاعي واضح في وقت يقوم به الإسرائيليون بارتكاب أبشع الجرائم ضد الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة.

 

في مقاله الأول فند الباز أطروحة معاداة السامية وأكد أنها أطروحة علمانية لا تستند إلى المعاداة بسبب الدين وإنما العداء فيها للعرق أو العنصر ، وأضاف أن الجماعات المعادية لليهود باعتبارهم جماعة عرقية وليبست دينية استندت إلى البروتوكولات لتبرير اضطهاد اليهود ، وفند الدكتور الباز حقيقة البروتوكولات وأثبت ـ من وجهة نظره ـ أنها روسية الصنع وليست حقيقية وأنها استخدمت سياسيا من قبل الجماعات الرجعية في روسيا للانتقام من اليهود الذين كانوا يشجعون الاتجاهات الليبرالية والثورية ، وأشار إلى أن هتلر استخدم البروتوكولات لإثارة مشاعر العداء ضد اليهود بوصفهم خطراً على المجتمع الألماني .

وانتقد المقال ما اعتبره أكذوبة فطيرة الدم التي يقوم فيها اليهود بالتقرب إلى الله عن طريق صنع فطيرة من دم مسيحي وأشار إلى أن هذه الأكذوبة كانت تنتشر في أوقات الأزمات التي يستغلها اليهود في أعمال الربا واعتبر أن الحادثة التي تكلمت عنها كتب التاريخ العربي والتي راح ضحيتها الأب توما " وخادمه المسلم في دمشق ليست صحيحة ، وأشار المقال إلى أن هتلر اضطهد اليهود في الحرب الثانية وأنه قتل منهم عدة ملايين - رغم التشكيك العلمي في هذا الرقم - و يفترض مصطلح معاداة السامية ـ وفق المقال - أن لا يقتصر على اليهود وحدهم ولكن النظر إلى اليهود باعتبارهم جماعة خاصة ذات صفات خاصة هي التي جعلت المصطلح ينصرف إليهم وحدهم دون غيرهم من الشعوب السامية كالعرب ، وأكد المقال أن اليهود ليسوا جماعة واحدة لها صفات خاصة تجمع يهود العالم كلهم والذين يبلغ تعدادهم 14 مليون فهناك تنويعات داخل التجمعات اليهودية المنتشرة في العالم .

 

الإسلام واليهودية :

يؤكد المقال الثاني في دراسة د. أسامة الباز أن العرب والمسلمين ليسوا معادين لليهود لأنهم ساميون مثلهم ، كما لم تقف القومية العربية في العصر الحديث ضدهم ، وأسهب في موقف الإسلام من اليهود فأشار إلى اعتبار الدين الإسلامي لليهودية والمسيحية وإيمانه بهما ، كما أن الإسلام لم يتخذ موقفاً عنصرياً من اليهود أو غيرهم. وأشار المقال إلى موقف السنة المطهرة من غير المسلمين والذميين وأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف لما رأى جنازة يهودي، وأنه صلي الله عليه وسلم عقد معهم معاهدة لما قدم المدينة مع اليهود .. وأشار المقال إلى تسامح الحضارة الإسلامية مع اليهود الذين عاشوا داخلها في أمن وسلام ، فالتاريخ شاهد على عدل وتسامحه مع اليهود .

ويشير المقال إلى أن روح الأخوة والمودة - كما وصف بين العرب واليهود لم تدم بعد قيام إسرائيل بسبب تبني الدولة العبرية لصيغة استئصال ضد الشعب الفلسطيني والتمسك بصيغة الحصول على كل الأرض ورفض عودة اللاجئين والتمسك بالهوية اليهودية للدولة العبرية!!!

والأهم في المقال ما ذكره - هو أنه على الجانبين العربي والإسرائيلي تتمسك بعض القوى السياسية بالبعد العقيدي والديني في الصراع وأنه صراع بين اليهودية والإسلام وأنه صراع وجود ، وأشار المقال لتصريحات متعصبي الصهاينة مثل الحاخام يوسف عفوديا " وأفيجدور ليبرمان والذين وصفوا العرب بأنهم أفاعي تجب إبادتهم وعلي الجانب العربي وهو المعتدى عليه - أشار المقال إلى الذين يرفضون العيش مع الدولة الأخرى ومعارضته وأن ذلك من المستحيلات فمثل هذا الحل - أي رفض العيش مع الدولة الإسرائيلية - يعني القضاء على شعب بأكمله وقمع إرادته بالقوة المسلحة وبأعمال يصفها المجتمع الدولي بأنها إرهابية تأباها عقائدنا الدينية ومعاييرنا الأخلاقية ودعا المقال إلى عدم استخدام هتاف "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود" فالجيوش المسلمة لم تكن تروع الآمنين والإسلام لم يمنعنا من التآخي مع من يبادلوننا الرغبة في العيش بسلام ، فالسلام هو الأصل في العلاقة بين الدول والشعوب طبقاً للمبادئ الأساسية في الإسلام ، أما الحرب فلا تشن إلا للدفاع عن الحقوق ورفع الأذى عن المسلمين وعقيدتهم .

وأشار المقال إلى أن الغضب العربي من الإسرائيليين ليس بسبب أنهم يهود وإنما بسبب أنهم معتدون .

 

التوصيات للعرب والإسرائيليين :

ينهي الكاتب دراسته في الحلقة الثالثة منها بمجموعة من التوصيات لطرفي الصراع، ويبدأ بالطرف العربي الإسلامي فيقول : علينا ألا نكون عنصريين أو متعصبين ضد اليهود فالعرب واليهود من نسل إبراهيم عليه السلام ويجب التفرقة بين اليهودي والصهيوني أو الإسرائيلي والتمييز داخل الدولة الإسرائيلية بين المتشددين المتطرفين وبين المعتدلين وعدم استخدام النجمة السداسية كشعار عدائي ضد اليهود لأنه يسبب لهم شعوراً بالقهر والاضطهاد لأن هتلر كان يستخدم هذه النجمة كشعار لتمييز اليهود في معسكرات الاعتقال النازية ، ويجب على المسلمين ألا يظنوا أن اليهود الحاليين هم أحفاد القردة والخنازير ، لأن المعاصرين من اليهود مختلفون عن أجدادهم ، كما أشار إلى عدم الإشارة إلى هتلر بطريقة توحي أننا متعاطفون مع النازية .

وفي التوصيات للصهاينة أشار إلى أن تتحول إسرائيل إلى دولة لكل مواطنيها وأن تكف عن القول أن العرب يريدون إلقاءها في البحر ، والكف عن مهاجمة العرب والمسلمين في كل مناسبة ، واعتبار أن ما تقوم به من عدوان في الأرض المحتلة هو مقاومة للإرهاب الإسلامي فالإرهاب لا ينتمي إلى دين أو عقيدة ، والاعتراف بالدولة الفلسطينية حتى تكتمل شرعيتها ، وأن تودع إعلاناً رسمياً لدي الأمم المتحدة تعلن فيه الكف عن أطماعها في الأراضي العربية وأن تقبل بدعوة الرئيس مبارك بجعل المنطقة خالية من السلاح غير التقليدي .

وفي الختام أشار المقال إلى أن مصلحة الطرفين تجاوز الماضي وآلامه والكف عن ثقافة الصراع المستمرة وثقافة اليأس والعدمية والتطلع إلى العيش بسلام بدلاً من إزهاق الأرواح الذي يحرم المنطقة فرص التنمية .

 

علامات استفهام :

الدراسة مكتوبة بلغة رصينة وذات طابع علمي وعلى أعلي مستوى ، وتتبنى الدراسة خطاباً تبشيرياً أقرب لخطاب الوعاظ ورجال الحكمة والفلاسفة الذين يحلقون في فضاء الأفكار بعيداً عن المطبخ السياسي الذي يدير العملية السياسية من الحقائق الراهنة على الأرض وليس الأفكار الفضفاضة الهائمة في الهواء على غير هدى .

وبدا كما لوكان المقال يساوي بين الجلاد والضحية وبين المعتدي والمعتدى عليه ، واعتبر أن رفض العدوان على الأرض والعرض ورفض العدو هو أمر غير منطقي لأنه غير ممكن ، بل اعتبر المقال أن تمسك الفصائل الفلسطينية المقاومة بكامل حقها في تراب وطنها هو نوع من الافتئات على حق شعب بأكمله وهو يقصد هنا الشعب المعتدي وهو الشعب الإسرائيلي ، كما اعتبر أن استخدام القوة المسلحة لاسترداد هذا الحق هو نوع من الإرهاب كما يصفها المجتمع الدولي - أي أمريكا - واستبعد المقال أن يكون للدين دور في الصراع مع الصهاينة رغم أن الدين هو الأساس الذي لا يمكن بدونه أن تقوم للمسألة الفلسطينية قائمة ويكفي أن نشير إلي وجود المسجد الأقصى والقدس الشريف ، كما أن اعتبار أن السلم هو الأصل في العلاقات الدولية وأن هذا هو الإسلام ليس صحيحاً فتلك وجهة نظر واحدة لكن العلاقات الدولية قائمة على فكرة الصراع وهي عندنا كمسلمين قائمة على فكرة التدافع والمدافعة .

وانتضى المقال للدفاع عن اليهود واليهودية والتاريخ اليهودي دون سبب مفهوم !!، ويعد المقال نوعاً جديداً من الخطاب السياسي الذي يتمثل فكرة التجديد كما تحاول أمريكا أن تفرضها على المنطقة العربية بعد أحداث سبتمبر .

 

لكن المراقبين للعلاقات المصرية - الإسرائيلية اعتبروا المقال فألاً سيئاً علي المفاوضات التي ترعاها القاهرة بين الفصائل الفلسطينية خاصة الفصائل المقاتلة والتي تمثل عصب الانتفاضة واعتبرت المقالات الثلاث كأنها نوع من الاعتذار والتوضيح من جانب القاهرة لمن يهمهم الأمر على الجانب الآخر من الحدود الشرقية لمصر وحلفائهم الأمريكان أن القاهرة تقوم بدورها من أجل استيعاب الانتفاضة استعداداً لاستئناف دورة مفاوضات جديدة لن تكون في صالح المسألة الفلسطينية .