هل ننتقل من حالة التهافت والخنوع إلى المقاومة والعزة ؟

 

بقلم : محمد السخاوى

mohamedelskhawy@hotmail.com

 

قضية واحدة وموقفان : القضية هى أسلحة الدمار الشامل فى كل من العراق وكوريا الشمالية ، قدم العراق تقريراً جامعاً يعلن فيه خلوه الآن من أسلحة الدمار الشامل بأنواعها المختلفة ، ذلك بعد أن قامت لجان التفتيش الدولية بتدمير بكل ما لديه من هذه الأسلحة فى الفترة ما بين 1991/1998 ، وأكد على أنه لم يقم فى الفترة من 1998 /2002 بأى أنشطة تصنيعية أو بحثية فى هذا المجال ، وفوق ذلك ولكى يسهل ويثبت للمجتمع الدولى صدق ما يعلنه فإنه وافق على القرار 1441 لكل شروطه المجحفة ، وقبل بعودة المفتشين الدوليين ليتحركوا داخل العراق فى كل مكان وكل مبنى بدون أى معوقات ، وقدم كشفاً بأسماء علمائه وفنييه وعماله الذين كان لهم صله ببرامج وتصنيع أسلحة الدمار الشامل … الخ ، كل ذلك لكى يرد على ما ترددة أمريكا بشأن إمتلاك العراق أسلحة دمار شامل ، وقد أعلن هانز بليكس ومحمد البرادعى أكثر من مرة أن العراق يتعاون جيداً مع فرق التفتيش ، وأن المفتشين لم يعثروا على أى شيئ يدين العراق ، وطالباً أمريكا ومخابراتها تقديم معلومات دقيقة - إذا كان لديها هذه المعلومات - عن الأسلحة وأماكنها حتى يسهل على المفتشين التأكد من وجودها أو أنه تم تدميرها ، إلا أن أمريكا تضرب بكلام الرجلين عرض الحائط ، ولا تقدم أى جديد ، وفى نفس الوقت تصر على أن العراق يكذب ويخضى ما لديه من أسلحة وبرامج ، وأن الحل من وجهة نظرها هو الحرب وغزو العراق ، لكن المفتشين يصرون على أن العراق يتعاون ولم يجدوا فيه أى أثر أو دلائل مادية لوجود أسلحة دمار شامل أو حتى برامج بحثية بهذا الشأن ولأن الغزو الأمريكى الصهيونى للعراق جزء من إستراتيجية لغزو الأمة العربية كلها ، وتغيير خريطتها السياسية ، وتفكيك دولها ، ضرباً للإسلام ونهباً للبترول وتأمين الوجود الإسرائيلي ، وحتى لا تتعرى تماماً الأهداف الأمريكية من غزو العراق بسبب تصريحات البرادعى / بليكس ، فإنها تطلب الآن تنحى الرئيس صدام ونفيه خارج العراق تمهيداً لمحاكمته وبقية رجال نظامه ، ,أصبحت المسألة الآن هى : تنحى الرئيس صدام ونفيه ومحاكمته أو الحرب !! ، عند هذه النقطة من التصعيد الأمريكى الصهيونى إنكشفت تماماً نية أمريكا فى العدوان على الإسلام والمسلمين ، وبالذات وفى القلب الأمة العربية ، أعنى أنه لم يعد فى قدرة أحد الدفاع عن الموقف الأمريكى ، أو النصح بالإستجابة لكل المطالب الأمريكية ، لأن الاستجابة للمطلب الأمريكى الأخير يعنى تنحى الرئيس صدام ونفيه ، وهذا مستحيل ، لأنه لا يوجد شعب فى العالم يقبل بإسقاط رئيسه بناء على طلب دولة أخرى حتى لو كانت الدولة هى أمريكا ، ولأنه لو تمت الإستجابة لهذا الطلب فإنها ستكون سابقة جاهزة للاستخدام مع أى حاكم عربى آخر ، وأظن أن كل الحكام العرب يفهمون  ذلك ويحفظونه ولا يقبلونه ، والأمر الثالث ، أن أمريكا بهذا الطلب أكدت أنها لا تفهم النفسية  العربية ، وأن العرب لن يقبلون أبداً أن يكون أمر من يحكمهم بيد أمريكا ، وتعين من تشاء رئيساً وتسقط من تشاء ممن لا ترضى عنهم ، حدث مثل هذا الأمر بعد نكسة يونيو 1967 ، وعندما أعلن الرئيس عبد الناصر بعد الهزيمة أن الهدف من عدوان 1967 هو ضربه شخصياً ، وأنه لكى لا يحمل أمته تبعات معاداة القوى الإمبريالية والصهيونية له ، فإنه قرر التحنى على أن يتحمل نائبه السيد / زكريا محيى الدين مسئولية رئاسة الدولة ، وبمجرد أن إنتهى عبد الناصر من كلامه خرج كل الشعب العربى فى كل النجوع والقرى والمدن والعواصم العربية ، تطالب عبد الناصر بعدم الرضوخ لمطلب العدو،  والتراجع عن قراره بالتخى والإستمرار فى تحمل المسئولية والصمود حتى النصر … وتراجع عبد الناصر  نزولاً على إرادة  الأمة العربية … وصمد وصمدت الأمة معه ، وتم إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة ، ودخلنا حرب الاستنزاف ، ثم تحقق النصر العسكرى الذى لم يقدر الله له أن يراه فى أكتوبر / رمضان 1973 .

هذه هى النفسية العربية ، لم يفكر العرب فى أن عبد الناصر هو المسئول الأول عن النكسة باعتباره رئيساً للدولة ، والعرب بدورهم  لم يفكروا فى التنحى لأنه مطلب العدو  ، العرب كانوا يدركون مسئولية ناصر عن النكسة برغم كل ما أحاطها من حيثيات وملابسات ، ولكنهم فكروا فى المسألة الأهم وهى : أن العدو هو الذى يريد من عبد الناصر أن يتنحى ، ورفضت الأمة مطلب العدو وطلبت من عبد الناصر الإستمرار رغم هزيمته ، ولكن للأسف ، رغم هذا الوضوح التاريخى / السيكولوجى فإن هناك العديد من الحكام العرب والعديد من المحللين والمثقفين يطالبون صدام بالتنحي ، وهذا لن يتحقق لأن الشعب العربى يرفض هذا الخنوع والقهر الذى يقبله العديد من الحكام  والمثقفين العرب .

وعلى الجانب الآخر من القضية - قضية أسلحة الدمار الشامل - تقف كوريا الشمالية ، تعلن أنها تملك أسلحة دمار شامل نووية ، وأنها أعادت تشغيل مفاعلاتها النووية ، وأنها تقوم بتطوير هذا النوع من الأسلحة ،وأكثر من ذلك قامت كوريا الشمالية بطرد  مفتشى الوكالة الدولية للطاقة النووية متحدية بذلك أمريكا ، وكانت أمريكا قد أخلت باتفاق 1994 بينها وبين كوريا الشمالية بتزويدها  بالطاقة التى هى فى حاجة إليها ، وأعلنت أمريكا أن كوريا دولة من دول محور الشر ، فردت كوريا بتحدى أمريكا وقالت أنها مستعدة بالدخول فى مواجهة نووية مع أمريكا ، ولو حدثت فستلقن أمريكا درساً لن تنساه ، واتهمت أمريكا بالاستكبار والغطرسة والهيمنة وأنها - أى أمريكا - تريد أن تفجر حرباً نووية فى الأمة الكورية .

وأمام هذا التحدى الكورى فإن أمريكا طلبت من اليابان وكوريا الجنوبية والصين وروسيا التوسط لدى كوريا الشمالية لحل المشكلة سليماً ، واشترطت كوريا الشمالية أن تدخل أمريكا معها فى مفاوضات مباشرة بدون شروط ، ورفضت أمريكا ، ثم وافقت ، حيث أعلنت الحكومة  الأمريكية عن موافقتها على إجراء محادثات مباشرة مع حكومة بيونج بانج حول سبل التخلص من برنامجها النووى  .

لم تحشد أمريكا قوات عسكرية حول كوريا الشمالية ، ولم تشكل تحالفاً دولياً لنزع أسلحة الدمار الكورية بالقوة ، ولم تتمسك بعودة المفتشين ، ولم تطلب قائمة بأسماء العلماء والفنيين والعمال الكوريين الذين لهم صلة بتصنيع وتطوير هذا النوع من الأسلحة ، ولم تتهم كوريا الشمالية بأنها تهدد جيرانها بأسلحتها النووية وذلك على الرغم من أن أمريكا نفسها انهزمت أمام كوريا الشمالية 1951 ، وكذلك إعلان اليابان وكوريا الجنوبية أكثر من مرة أن أسلحة الدمار الشامل الكورية الشمالية تهددهما … برغم كل ذلك فإن أمريكا قبلت بكل ليونه وكياسه دبلوماسية أن تدخل فى مفاوضات مباشرة مع كوريا الشمالية لحل المشكلة بينهما ولم تتمسك بتنحى الرئيس الكورى الشمالى ، فلقد قررت أمريكا والصهيونية الآتى :-

للأمة الكورية الدبلوماسية لحل مشكلة أسلحة الدمار الشامل الموجودة فى الجزء الشمالى للأمة الكورية .

وللأمة العربية الحرب لا بسبب وجود أسلحة دمار وإنما لإعادة رسم الخريطة العربية لصالح الأمن الإسرائيلى والمصالح والهينمة الأمريكية ولقهر العرب والمسلمين .

وتقول أمريكا فى تبرير هذه الازدواجية فى موقفها من أسلحة الدمار الشامل فى العراق وكوريا الشمالية ، أنهما قضيتان وليستا قضية واحدة ، حالتان فى لاحاله واحدة ، وبالتالى فالحلان مختلفان لأن لكل حالة حلها ، تقول أمريكا أن العراق أخذ فرص كثيرة ولحل المشكلة سليماً ولكنه رواغ واخفى أسلحته ، أما كوريا فلم تأخذ فرصة العراق لحل مشكلة أسلحتها سليماً وبالتالى لابد من إعطائها هذه الفرصة ، والرد على هذا الزعم الأمريكى بسيط ، وهو أن العراق خضع لعملية تفتيش وحصار شامل ظالم ، التفتيش استمر من عام 1991 وحتى عام 1998 ، وقام المفتشون بتدمير كل أسلحة الدمار الشامل العراقية ، والدليل على ذلك أن المفتشين الذين بدأوا نشاطهم فى العراق من جديد منذ أكثر من شهرين أعلنوا أنهم  لم يعثروا على ما يدين العراق ، فاضطرت أمريكا لطرح سبب جديد غير أسلحة الدمار ، يستحيل قبوله لمنع الحرب ، وهو تنحى الرئيس صدام ، أما بالنسبة لكوريا الشمالية ، فقد أخذت فرصتها كاملة لحل مشكلة أسلحتها سلميا ، فمحاولات الحل السلمى للأسلحة الكورية بدأت منذ عام 1994 ، أى منذ حوالى 9 سنوات ، والآن تعلن كوريا تملكها لأسلحة دمار ، وتطرد المفتشين  ، وتهدد أمريكا  … و أمريكا تقبل أن تدخل معها فى مفاوضات مباشرة بدون شروط لحل مشكلة أسلحتها للدمار الشامل .

هذه الازدواجية الأمريكية لماذا ؟

كتبنا وكتب غيرنا فى هذا الأمر كثيراً ، ولكننى أريد اركز فى هذه المقالة على أمرين : الأول : موضوع المصالح الأمريكية وموضوع متطلبات الأمن والوجود الإسرائيلى ، والثانى : الموقف العربى .

بالنسبة للأمر الأول له شقين : شق المصالح الأمريكية وشق الوجود الإسرائيلى على الأرض العربية فى فلسطين ، وبالنسبة للمصالح الأمريكية ، فهى مفهومة تماماً فى المنطقة،  أمريكا تريد البترول العربى ، وما المانع فى ذلك ؟، أريد أن اقول ، أنه لو كان الأمر بيننا وبين أمريكا محصور فى البترول ، فهذه إشكاليات إقتصادية تحدث بين كثير من الدول ويتم حلها بالتفاهم ، لأن الأمر ببساطة أن الدول العربية المنتجة للبترول بما فيها العراق ، تنتجه لكى تصدر اكثر من 95 % من كمية المنتج منه ، و لا مانع من أن تكون أمريكا هى أكبر مستورد للبترول العربى بما فيه البترول العراقى ، حتى ولو بسعر يقل عن السعر العالمى ، فانخفاض السعر أهون من الحرب ، ومن أثارها المدمرة على المنطقة والعالم ، وبالذات على أمريكا ،أريد القول ، أن أمريكا لو حصرت مطلبها فى البترول ، لأبدت العراق وبقية الدول العربية استعدادهم بدون تردد لحل المشكلة حتى ولو كان فيها جور على المصالح العربية ، لأنه كما قلنا أى جور فى هذا ، أهون بكثير جداً من نتائج الحرب ،

لكن القضية تتضمن الجانب البترولى ، لكنها كما أشرنا قبل ذلك ، أكبر وأوسع منه ، إن أمريكا تنظر إلى وجود إسرائيل ومستقبله فى وسط هذا الحشد العربى حتى لو أعترفت كل الدول العربية بإسرائيل  ، إن الوضع الجيوسياسى والديموغرافي فى سيكون هو المتحكم فى العلاقة بين العرب وإسرائيل بعد 20 أو 30 سنة ، وسيكون الميزان لصالح العرب حتى لو ظلت إسرائيل تمتلك وحدها هذه الترسانة الضخمة من أسلحة الدمار الشامل النووية والكيماوية وبالتالى فإن عين أمريكا على موازين القوى العسكرية والسياسية فى المنطقة الآن وحتى 20 أو 30 سنة قادمة ، وهى ترى أن الوضع فى المنطقة ، لو أستمر بهذه الخريطة السياسية مستقبلاً ، سينقلب لمصلحة العرب على حساب المصلحة الإسرائيلية ،ولذلك فإن الهدف الأمريكى الصهيونى الآن هو الغزو لإحداث خلخة سياسية فى المنطقة تساعد على استبدال الخريطة السياسية القائمة ( خريطة مسايكس / بيكو الأولى  ) بخريطة سياسية طائفية وعرقية جديدة ( مسايكس / بيكو ) جديدة ، ويتم ذلك بتفكيك الدول العربية ، ويتواكب مع 

عملية الغزو إحداث عملية غزو ثقافى وحضارى عام تستهدف تلبيس الأمة العربية ثوب حضارى غير ثوبها الحضارى العربى الإسلامى ، أى أمركة العرب وتحويلهم إلى صهاينة يقبلون بوجود إسرائيل طوعاً وكرها ،طوعاً لأنه سيتم أمركتهم وصهينتهم ، وكرها لأنه سيتم تحويلهم إلى كنتونات طائفية / عرقية قزمية أمام إسرائيل .

هذا هو الأمر ، أمريكا تغلب متطلبات الأمن والوجود الإسرائيلي على المصلحة الأمريكية فى الوطن العربى ، إسرائيل فوق البترول ، فإذا كان البترول ميسر الحصول عليه بالشروط الأمريكية سلماً ، فإن مصلحة إسرائيل تقتضى الحرب والغزو لإبادة العرب لحساب إسرائيل .

هكذا نرى - أيها الشباب - أن عدونا الحقيقى هو أمريكا وليس إسرائيل ، صحيح أن إسرائيل كيان اغتصابي وعنصري ،ولكنها بدون أمريكا لا تساوى فى الحسابات السياسية ديناراً واحداً .

وتعتقد أمريكا ، أنها إذا ما مكنت إسرائيل من العرب ، فإنها تكون وجهت ضربة قاضية للإسلام والمسلمين ، لأن العرب هم شوكة الإسلام ، فإذا ذل العرب ذل الإسلام ، هذا معتقدهم ، وسيخيب هذا المعتقد بمشية الله ، ليس تواكلاً ،ولكن بالجهاد والتوكل .

وبالنسبة للأمر الثانى : الموقف العربى :

فإننى فى الحقيقة ، أبنى موقفى حتى هذه اللحظة على وحدة الأمة فى مواجهة الخطر الأمريكى الصهيونى ، بناء على أن الخطر القادم لن يفرق بين الشعب العربى فى كل الدول العربية وكل الحكام العرب ، فخلخة المنطقة ، وتغيير الخريطة السياسية للدول العربية سيطول الحكام العرب قبل الشعب العربى ، لأنه من سنن الكون أن الشعوب لا تموت ، ولكن الحكام إلى زوال ، حتى وإن كان الزوال بسبب أمريكى صهيونى ، المنطقى ، أن وحدة          

   

       

 

الخطر تأسس وحدة الأمة حكاماً ومحكومين فى مواجهة الخطر وتعبئة الأمة كلها للمقاومة  ، أعاود الكتابة صباح  الجمعة من ذى القعدة 1423 / 10 يناير 2003 ، وقد صدرت جريدة الأهرام والمانشت الرئيسى يقول " أمريكا لا  تستبعد مد مهمة المفتشين وتؤكد أن قرارها لا يتوقف على عدم وجود أسلحة دمار شامل فى العراق " ، وبليكس يقول " لا أدله تدين بغداد .. لكن التقرير العراقى وقائمة العلماء بهما ثغرات غير مناسبة " ، ومن الطبيعى والمنطقى أن التقرير المقدم من العراق فيه ثغرات تملأ بالأسئلة والاستفسارات والإجابات عليها شفاهه أو كتابة ، أى أن هذه الثغرات أصغر كثيراً من أن تكون سبباً لحرب عالمية ضد الأمة .

أردت من هذه الملاحظة أن آبين أن تطورات  الموقف الأمريكى تكشف بوضوح صدق تحليلاتنا للطبيعة العدوانية الأمريكية تجاه الإسلام والأمة العربية .

نعود إلى الموقف العربى الرسمى المتهافت تجاه العدو الأمريكى ، لماذا هو متهافت ؟ لماذا هو خافت ؟وإجابتى على السؤالين تنطلق حتى الآن من عدم التخوين ، لأننا فى مرحلة تقتضى لم كل الصفوف ، وأذكر أننى فى مقالات سابقة ركزت على هذه القضية ، وطلبت من كل الشعب العربى وبالذات الشباب العربى أن يرتكز عليها فى مواجهته للعدوان الأمريكى الصهيونى ، وطلبت من كل الحكام العرب أن يكونوا على يقين  من أن الشباب العربى ، هو خط دفاعهم الأول عن الأمة حكاماً ومحكومين ، وعندما إستخدمت فى أحد المقالات عبارة " أن على الحكام  العرب أن ينقلوا أنفسهم من خانة الخيانة " فإننى لم أقصد  أنهم خونه وإنما قصدت أنهم موضوعون فى خانة الخيانة وعليهم أن يحرروا أنفسهم  من القيود التى أوضعتهم فيها ، لا أقول هذا الكلام خوفاً فالخطر أكبر من كل خوف ، وبمعنى أدق ، الخطر لا يسمح لنا

 بالخوف ، بالتأكيد ، هذا الكلام ليس مطلقاً ، فإن لم يتقدم الحكام صفوف المقاومة ، وركبهم الذعر والخوف وأشياء أخرى ،  فإنهم فى هذه اللحظة يستحقون لفظ الخيانة والنفاق ، وسيعاملهم الشباب العربى معاملة الأعداء .

وبناءً على ذلك ، فإننى أرد على بعض المسائل التى قد تكون سبباً فى جعل رفض الحكام العرب للعدوان الأمريكى الصهيونى خافتاً ومتهافتاً ، ولا أريد أن أقول أنه رفض أشبه بما يصدر من مواخير الدعارة .. أستغفر الله .. وهذه المسائل التى أعتبرها  وأرجو أن تكون إعتباراتى صحيحة - مبررات لتهافت الرفض العربى الرسمى خمسة ، اذكرها على سبيل المثال لا الحصر :

المسألة الأولى : الخلافات العربية / عربية ، حيث يأخذ بعض المحللين من هذه النقطة قاعدة تفسر حالة الوهن العربية ، والمؤكد أنه لا خلاف على أن " الخلاف أو الصراع " بين الإخوة يمنعهم من أن يجعلوا من أنفسهم " حزمة واحده " فى مواجهة الخطر المشترك ، لكن أبجديات العمل السياسى تعلمنا أن الإخوة إذا ما واجهوا خطراً مشتركاً  ، خاصة إذا كان هذا الخطر يهدد وجودهم ذاته ، فإنهم يتخلصون من أسباب الصراع فيما بينهم ، ويعتصمون بحبل الله ولا يتفرقون ، وينصهرون فى بوتقة واحده هى بوتقة المقاومة ، وهذه القاعدة لا تنطبق علينا وحدنا وإنما تنطبق على كل الأمم والشعوب ، والتاريخ السياسى لكل الأمم والشعوب يمدنا بالمئات من الأمثلة الدالة على ذلك ، وأكتفى هنا بمثلين أذكرهما للتوضيح والتأكيد على ما نقول ، المثل الأول من كوريا الجنوبية ، حيث أن كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية دولتان تنتميان إلى أمة واحده هى الأمة الكورية ، وبينهما عداء تاريخى شديد بسبب إختلاف النظام الإجتماعى والسياسى فى كل منهما ، فكوريا الشمالية شيوعيه قريبة من الصين ، فى حين كوريا الجنوبية رأسمالية متحالفة مع أمريكا وعلى أرضها قواعد أمريكية ، ولما تصاعدت الأزمة بين كوريا الشمالية وأمريكا بسبب أسلحة الدمار الشامل الكورية الشمالية ، فإن كوريا الجنوبية كانت ولا زالت المدافع الأول عن كوريا الشمالية فى مواجهة أمريكا ، وقال الرئيس الكورى الجنوبى قولته التى تعد فى ذاتها حكمة سياسية : إن إشتعال حرب نووية قد لا تهم الشعب الأمريكى ولكنها بالتأكيد تهم سبعون مليون كورى ينتمون للأمة الكورية ، والعدد  الذى ذكره الرئيس الكورى الجنوبى ليس حصراً للشعب الكورى فى كوريا الجنوبية ، انه حصر لتعداد الأمة الكورية فى الشمال والجنوب ، الرئيس الكورى يساوى بين الشعب الكورى فى كوريا الشمالية وبين الشعب الكوى فى كوريا الجنوبية إنه لم ينخدع بالتجزئة ، ولم يخاف من أمريكا وقواعدها الموجودة إلى أراضى دولته ، إنه لم يخاف واعتبر نفسه مسئول كمسئولية شقيقة فى الشمال للدفاع عن الأمة الكورية إلى  مواجهة أمريكا ، قاد الرئيس الكورى الجنوبى حملة دبلوماسية عنيفة مع اليابان والصين وروسيا لمواجهة العدوان الأمريكى المحتمل على الأمة الكورية ، مما إضطر أمريكا للتراجع عن تشددها وغطرستها وقبلت بالتفاوض المباشر مع كوريا الشمالية وبدون شروط لتسوية مسألة الأسلحة ، والفضل فى ذلك للرئيس الكورى الجنوبى وهو فضل لا يقل عن فضل صمود كوريا الشمالية … فأين نحن من هذه الملحمة ؟

أما المثل الثانى ، فهو من أوروبا ، فقد وافق قادة حلف الأطلنطى ، لدى إفتتاح قمتهم  فى

 " براج " الخميس 22 نوفمبر 2002 على أكبر خطة فى تاريخه للتوسع شرقاً إلى ما وراء حدود الإتحاد السوفيتى السابق ، بتوجيه الدعوة إلى 7 دول من وسط وشرق أوروبا للإنضمام إلى عضوية الحلف بحلول عام 2004 ليرتفع بذلك عدد أعضاء " الناتو " إلى 26 عضواً ، والدول السبع الجديدة هى : ليتوانيا ولا تفيا واستوينا وسلوفاكيا وسلوفانيا  وبلغاريا ورومانيا ، وتعد هذه المرحلة الثانية التى يتوسع فيها الحلف شرقاً حيث إنضم إليه عام 1977 جمهوريات : التشيك والمجر وبولندا .

ونعلم ، كما يعلم الناس ، أن حلف الأطلنطى نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وضم فى عضويته أمريكا ومعظم دول أوروبا الغربية ، وفى مواجهته نشأ حلف وارسوا وضم فى عضويته الإتحاد السوفيتى السابق وكل دول أوروبا الشرقية ، الحلف الأول يمثل تحالفاً رأسمالياً والحلف الثانى تحالفاً شيوعياً ، واستحكم العداء والصراع بين الحلفين أكثر من أربعة عقود ، ولكن بعد إنهيار الإتحاد السوفيتى تغيرت المفاهيم وتحول الأعداء إلى أصدقاء ، ولم يقتصر الإنضمام الشرقى إلى حلف الأطلنطى ، بل والأهم ، انفتحت أبواب الإتحاد الأوروبى أمام هذه الدول الشرقية الشيوعية السابقة لتحقيق هدفين : الأول مزيد من تدعيم الوحدة الأوربية فى مواجهة الهيمنة الأمريكية ومنع أمريكا من أن تنفرد بالعالم ، الثانى تدعيم الخطوات الأوروبية الرامية إلى مزيد من الرفاهية للشعوب الأوربية ، إذ أن الإنضمام يعنى موارد وأسواق وخبرات جديدة ، أى قوة مضافة للقوة التى كانت تمثلها دول أوروبا الغربية .

هذه الدول الأوربية تبحث فى سبل تحقيق مزيد من الرفاهية ، وسبل مواجهة الطاغوت الأمريكى الحليف لها ، أنها تبحث فى مواجهة ظلم وتجبر الحليف ، وفى بحثها إهتدت إلى فتح الباب لضم دول كانت شيوعية ، والدول التى كانت شيوعية لم تمانع بل اندفعت للدخول ، العلاقات الدولية وعلم الدبلوماسية يعلمنا ، أنه فى إطار العلاقات الدولية ، لاعداوه دائمة ولا صداقة دائمة ، فلماذا ونحن نواجه خطر سحق وجودنا كعرب ودول عربية ، نصر على صداقة دائمة لأمريكا عدوتنا ، التى تهدد وجودنا من جهة ، ونصر على أننا إخوة ولكن أعداء ؟ ليت حكامنا يتخذون من المثلين السابقين ، الكورى و الأوروبى ، عبرة وعظة ، فعلى المستوى المجتمعى نحن أمة مجزأة مثل الأمة الكورية ولم تمنع التجزئة الكورية تضامن الكوريتين فى مواجهة أمريكا ، وعلى مستوى الدول ، فنحن دول عربية ننتمى إلى أمة عربية واحدة ، والعيب والجريمة أن تعجز فى نحقق ما تفعله الدول الأوروبية التى تنتمى إلى أمم متعددة .

المسألة الثانية : هى القول بأن إستبداد صدام حسين وقهر شعبه فى الشمال والجنوب هو السبب فيما يحدث للعراق ، وخطورة هذا القول ليس فى مدلوله المباشر ، وأنما فى أنه يقال للهروب والتخاذل ، اما عن الإستبداد فإننى لن أدخل فى جدل عقيم لسببين : الأول أن الوجود شرط للديمقراطية ، القضية أن وجودنا فى خطر ، والعراق مثل فلسطين دعامتان من دعائم الوجود العربى الأولى فى الشرق والثانية فى القلب ، والدعامتان معرضتان منذ فترة طويلة لعدوان يستهدف إنهيارهما تمهيداً لإنهيار الوجود العربى كله ، وعندما يكون الوجود فى خطر تخفت اصوات الديمقراطية أو بدقة ، تصبح الديمقراطية اسلوباً للمقاومة ، والعدو يريدها أسلوباً وطريقاً للإنهيار ( مبادرة باول ) ، أما السبب الثانى الذى يجعل القول باستبداد صدام قولاً سخيفاً ، هو أن كل الحكام العرب متهمون من قبل أمريكا بالأستبداد والنفاق  ، ونحن هنا لا ندافع عن الاستبداد إذا ما وجد ، و أنما نبين أن مفهوماً للديمقراطية  ليس مفهومنا أمريكيا ، باختصار ، فلتسقط حجة "استبداد صدام " لأن الذين يرددونها ، يسقطون فى المستنقع الأمريكى من جهة ، ويضعون أنفسهم فى خانة النفاق من جهة أخرى لأنهم لا يجرأون على القول بإستبداد السلطة فى الدول العربية التى ينتمون إليها .

المسألة الثالثة : القول بعدم التزام العراق بالشرعية الدولية ، و التأكيد فى كل لحظة على ضرورة التزام العراق بهذه الشرعية ، عموماً اثبتت تطورات الأحداث التزام العراق بالشرعية وما فوقها ، هل يوجد التزام أكثر من قبول عناصر المخابرات المركزية الأمريكية لإشتراك فى عملية التفتيش على الأسلحة ، وكل ما نرجوه أمرين : الأول أن لا يعتبر  الحكام العرب تنحى الرئيس صدام جزءاً من الشرعية الدولية ، لأن الأمر ببساطة أن إسقاط أمريكا للرؤساء هو التعدى على الشرعية الدولية ، كما أنها ستعد سابقة تطبق عليهم جمعياً ، والأهم من ذك أن الشعب العربى كله لا يقبل ذلك وسيقاومه ، والأمر الثانى : التحلى بالشجاعة وإخطار أمريكا بأنها معتدعية على الشرعية الدولية عندما تقول أن قرارها لا يتوقف على عدم وجود أسلحة دمار شامل فى العراق ، وكذلك عنما ترفض تطبيق المادة 14 من قرار مجلس الأمن الدولى رقم 687 التى تربط بين نزع أسلحة العراق وأسلحة إسرائيل عندما نصت على العمل على جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل .

المسألة الرابعة : يركز البعض على غزو العراق للكويت بإعتباره السبب فيما نحن فيه ، وهنا أوكد على نقطتين الأولى : أن أحداث 1990هى فى التحليل النهائى مؤامرة استهدفت جر العراق للعدوان عليها تمهيداً للعدوان على الأمة كلها ،  و الثانية ، أن العراق انسحب من الكويت وحوصر ظلماً وعدوان 12 عاماً ، والقضية الآن أكبر من الكويت إنها قضية الأمة فهل نخرج من نفق الكويت المظلم .

المسألة الخامسة : تتمثل فى القول بأنه ما المانع أن نكون نحن الطائفة الناجية من نار العدوان ؟ والرد بإختصار ، أن القائلين بذلك جهله لم يقرأوا أو يسمعوا عن عملية الإغراق الإستراتيجي الأمريكى للعدوان على الإسلام والأمة العربية ، لم يقرأ مبادرة باول ، ولم يقرأوا ومطالب أمريكا بتغيير مناهج التعليم ، ولم يقرأوا كلام جيس ولس الرئيس الأسبق  لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية " أننا بعد أن ننتهى من الصداميين سنتحول إلى المباركيين والسعوديين " . القضية : أنه فى الخطة الأمريكية لا توجد طائفة ناجية .

فهل بعد كل ذلك ننتقل من حالة التهافت والخنوع إلى المقاومة والعزة ؟