قبل أن تقع الكارثة:

في ضرورة عقد قمة إسلامية طارئة

 

 

 

 

بقلم : د. أحمد يوسف

 

لا شك أن الحالة التي تمر بها أمتنا العربية والإسلامية لا تبعث علي الخير ولا تدعو للإطمئنان، فيما أمريكا وبريطانيا وإسرائيل تحشد قواها العسكرية، و تهيئ لإعادة استعمار المنطقة من جديد، بدعوي الحرب علي الإرهاب، وتحت ذريعة تغيير النظام العراقي بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.

إن من نافلة القول التذكير بأن العرب والمسلمين علي المستوي الرسمي يعيشون في أسوء حالات الضعف والتبعية، حيث يتهالك الحاكمون علي خطب ودِّ واشنطن ولندن، أملاَ في أن وجوداَ أمريكياً أو بريطانياً علي أراضيهم سوف يحميهم أو يمنحهم الحصانة والمنعة باعتبار تعاونهم وذيليتهم للسيد الأمريكي، وهي حالة تمثل قمة الإهانة والامتهان للكرامة العربية والإسلامية، وإعادة للوضعية الاستعمارية التي كانت سائدة في العشرينات الأولي من القرن الماضي، وقبل ان تبدأ الأمة نهضتها وكفاحها واشتداد مطالبها لنيل حرياتها واستقلالها مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين. إن الذي يشاهد حال زعماء هذه الأمة وهم يتسابقون في الانحناء والخنوع لواشنطن برغم الإهانات والاتهامات التي توجهها لهم ليل نهار وسائل الإعلام الأمريكية بمباركة وتأييد إدارة الرئيس جورج بوش تصيبه حالة من الاستغراب والعجب.. كما إن الذي يراقب ما يجري علي الأرض الفلسطينية حيث ترتكب حكومة شارون المجازر اليومية بحق الأبرياء العٌزّل من أطفال وشباب ونساء فلسطين تحت غطاء سياسي وإعلامي أمريكي، وبدعم عسكري ومالي ودبلوماسي من إدارة الرئيس جورج بوش، ليصرخ لماذا كل هذا الاستخذاء والصمت المطبق من المحيط إلي الخليج، هل تعطلت المروءات وناخت الهمم، ولم يبق في شرقنا العربي والإسلامي إلاّ الجيف والرمم!!

إنها حالة من العجز والشلل الذي يصعب علي المواطن العربي أو المسلم أن يفهمها فضلاً عن تقبلها. الجميع يتساءل لماذا كل هذا الخوف والهلع من أمريكا؟ ولماذا هذه الهرولات الرسميّة المزرية للتودد والارتماء في أحضان واشنطن؟ ولماذا يتم تطويق حركة الشارع العربي والإسلامي ولا يسمح له بالتعبير عن احتجاجاته وغضبه أسوة بما يحدث في كل العواصم الأوروبية وحتي داخل أمريكا نفسها؟ لماذا تتعمد الرسميّة العربية إظهار تعاطفها وتعاونها مع واشنطن من خلال تعطيل حركة الفعل العربي والإسلامي التي يمكن ان تعبر عن استنكارها ورفضها لمخططات الهيمنة الصهيو ـ أمريكية، وتعبئة طاقات الأمة لمواجهة هذه المخططات؟ هل ماتت النخوة في الشارع العربي والإسلامي، وهل خبت طاقات الاحتجاج والتمرد، وهل تقطعت حبال الرجا في إمكانيات الرد لدي القيادات الإسلامية والقومية؟! أم هي مقاصل الأجهزة الأمنية ومعتقلات الأنظمة وجلاديها قد تمّ استنفارها لوأد قدرات الفعل الجهادي والوطني المقاوم، لتمهيد الطريق وتهيئة الأجواء لدبابات واشنطن وطائراتها، أملاً في سلامة الممالك والعروش؟ أسئلة كثيرة تتدافع وأكاد لا أجد إلا جواباً واحداً لتفسير حالة العجز العربي والإسلامي علي مستواه الرسمي، إنه زمن الرويبضة، ومنطق أبي رغال، حيث تتطاول الخيانة والعمالة والدجل. إن المرء ليتقطع ألماً وحسرة وهو يشاهد هؤلاء الأطهار من أبناء فلسطين تُسفك دماؤهم، وتٌهدم بيوتهم ويسجن الآلاف منهم، وتهان الحرائر علي مرأي أبصارنا، وتحصد أطفالهم آلة العدوان الإسرائيلي في مشاهدات يومية لا تخطؤها العين، فمواكب الجنازات تنقلها كل الفضائيات العربية، كما أن الدموع التي هطلت في طلب وامعتصماه... كانت كافية لسقاية وجدان الأمة الذي أصابه الجفاف والعفن.. ولكن وأسفاه، فإن شلل وتقاعس الرسمْية العربية والإسلامية كان دافعاً لشارون ليتمادي أكثر وأكثر، ويرتكب من الجرائم والمجازر ما يشاء، ثم يجد بعد ذلك في واشنطن من يدافع عنه ويغطي علي جرائمه ويحمي عدوانه. واليوم يتعرض العراق لتهديدات الحرب والدمار، ولكن دون أن تتحرك مرافق الأمة السياسية بالاحتجاج والاعتراض..!! وفيما يقدّم العراق كل التسهيلات للجان التفتيش ويثبت للعالم أن إدعادات أمريكا وبريطانيا هي محض افتراءات وتحريض ليس إلاّ.. تُصر أمريكا علي أن العراق يمتللك هذه الأسلحة لتبرير ضربه وتدمير قدراته.

 

أمريكا والأحلام الإمبراطورية

 

إن أمريكا الحالمة ببناء امبراطورية عظمي علي أنقاض تداعيات الحرب الباردة، وغياب المنافسة النووية، وتهالك ملوك الطوائف العرب والمسلمين، إنما تضع العراقيل وتحاول استفزاز العراق ليقع في الخطأ، حتي تتخذه ذريعة لعدوانها القادم عليه، ليكون العراق بعد ذلك هو نقطة الإنطلاق لتحقيق أحلامها في إمبراطوريتها العظمي.

إن المخطط الأمريكي للإستيلاء علي المنطقة له عدة أهداف لا تخفئ تفاصيلها علي أحد، وإن تمحورت حول ثلاث أو أربع نقاط أهمها:

1ـ السيطرة الكاملة علي الثروة النفطية والتحكم في مدخراتها.

2ـ حماية المشروع الصهيوني، وتهيئة فرص التوسع أمامه علي حساب حقوق الفلسطينيين ووجودهم.

3ـ ضرب حركة الإحياء الإسلامي، والقضاء علي القوي الإسلامية والوطنية المقاومة للهيمنة الصهيوـ أمريكية.

4ـ إعادة ترتيب خريطة المنطقة، وتطويع دولها للدوران في فلك وسياسات الزمن الأمريكي.

أين هي منظمة المؤتمر الإسلامي ؟

في ظل كل هذه التعقيدات والمخاطر يتسائل الشارع العربي والإسلامي لماذا لا تتحرك حكومات المنطقة لعقد قمة إسلامية تتدارس فيها ما يتوجب عمله لمواجهة هذا الجبروت الأمريكي؟ ماذا تحتاج منظمة المؤتمر الإسلامي حتي تصحو وتنهض من غفوتها، وتدعو لعقد هذه القمة؟ إن هناك الكثير مما هو مطلوب عمله علي المستويين الرسمي والشعبي، والكل في انتظار وترقب لمثل هذه القمة.. فالأخطار والتحديات التي تواجهها المنطقة من الضخامة والهول الذي يتطلب حشدًا وتعاوناً رسمياً وشعبياً. إننا كأمة نعيش حلم أن يصحو العرب ويستدرك المسلمون قبل فوات الأوان.. إن الكثير من الحركات الإسلامية قد جمدّت معارضتها وخلافاتها مع حكوماتها أملاً في تعزيز إمكانيات الأمة وحشدها للرباط لمواجهة الخطر الخارجي الذي يتهددنا جميعاً، وإن القيادات الإسلامية أبدت إستعاداها ـ في سبيل مصلحة الأمة ـ أن تتصالح مع الأنظمة الحاكمة ولا تنازعها الملك، بشرط أن يعمل الجميع ـ حكاماً ومحكومين ـ لتجنب الكارثة القادمة، وتصليب إرادة الأمة، وحشد طاقاتها بما يحفظ لها استقلالها وكرامتها.

ما أشد الحاجة اليوم إلي هذه القمة الإسلامية، وإنها لحظة الصدق والحقيقة التي ستتكشف فيها معادن القائمين علي أمر هذه الأمة وإمامتها، إنه الوقت الذي تصدق فيه مقولة القائل متي أضع العمامة تعرفوني..

إن هذه القمة ـ إذا أحسن الإعداد والترتيب لها ـ قد تكون الفرصة الأهم لفتح باب المصالحة الصادقة بين التيارات الإسلامية وحكوماتها، وستعمل علي توحيد قوي الأمة وواجهاتها السياسية والدنيية مع توثيق لخطاب الرفض والمقاومة لكافة أشكال الهيمنة الصهيوـ أمريكية علي المنطقة، ودافعًا لتعزيز صمود الفلسطينيين، ودعمًا لنضالاتهم، وإنتصارًا لإنتفاضتهم المباركة ضد الإحتلال الصهيوني.

 

المبادرة الليبية لعقد القمة

 

لقد سمعنا منذ عدة شهور بأن هناك مبادرة تقدمت بها جمعية الدعوة الإسلامية العالمية التي يرأسها الدكتور محمد أحمد الشريف إلي العقيد القذافي، وقد نالت موافقته وتشجيعه للتحرك في اتجاه مطالبة منظمة المؤتمر الإسلامي لعقد قمة طارئة لتدارك مخاطر التهديدات الأمريكية بالعدوان علي العراق، وضرورة مواجهة مخططات الإبادة الوحشية ضد الشعب الفلسطيني.. وقد أشارت بعض المصادر المطلعة أن هناك محاولات تقوم بها ليبيا وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية لتحقيق مصالحات بين الحركات الإسلامية وحكوماتها لمواجهة ما تتعرض له المنطقة من كوارث وأخطار، ولكن المواعيد عن القمة ما زالت تتأجل فيما تتزايد التهديدات والأخطار يوماً بعد يوم. لقد جاءت زيارة الشيخ يوسف القرضاوي ـ أحد أهم رموز الحركة الإسلامية ـ إلي ليبيا في 26/12/2002ولقاءاته مع العقيد القذافي وقيادات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، خطوة إيجابية في هذا الإتجاه، حيث أبدي الجميع تفهماً لمخاطر التهديدات الأمريكية ومظاهر الهيمنة التي تحاول واشنطن فرضها علي دول المنطقة، وضرورة التحرك حيث ان الإسلام هو في النهاية المستهدف من وراء هذه الحملة الصهيوـ أمريكية.

إننا نتمني أن تنعقد هذه القمة الإسلامية بأسرع وقت ممكن، وتخرج بتوصيات يتمخض عنها إطلاق يد هذه القوي الإسلامية والقومية لتعبئة إمكانيات الأمة، وتفعيلها لمناهضة تهديدات الحرب والعدوان علي العراق، عبرإستمرار مهرجانات التضامن مع الشعب العراقي والتظاهرات الاحتجاجية اليومية، وعبر التحالف مع كافة القوي الإقلميية والعالمية المناهضة لمظاهر الهيمنة الأمريكية والوحشية الإسرائيلية، ولتحريك حشودات الملايين التي تندد بالحرب وتطالب بمخرج سلمي للأزمة في معظم العواصم العربية والغربية.

 

خاتمة وتعقيب

 

إن الأحداث الجارية تشهد عدة وقائع فريدة من نوعها في تاريخ المنطقة والعالم، فهذه هذ المرة الأولي التي تتوحد فيها نداءات القوي الإسلامية والقومية لتضافر الجهود والدعوة للمصالحة مع حكوماتها من أجل حماية مصالح الأمة ومواجهة الخطر الخارجي، ولعلها كذلك المرة الأولي التي تقف فيها الهيئات والمؤسسات الإسلامية في جبهة واحدة مع الهيئات والمؤسسات الأممية المنددة بالحرب، في حركة تضامنية تحتشد معها مئات الآلاف في أهم عواصم وميادين أوروبا وأمريكا..

وربما تكون هذه هي المرة الأولي كذلك التي تتحرك فيها واشنطن نحو الحرب دونما نصير ـ باستثناء بريطانيا وإسرائيل ـ فالكل يتظاهر ضدها حتي في عقر دارها.

إنها المرة الأولي التي تنادي فيها كل شعوب ودول العالم منددة بالغطرسة الأمريكية و بضرورة تعقل واشنطن و تلزيمها باحترام الشرعية الدولية وتخليها عن تهديدات الحرب والعدوان.

إن أهداف أمريكا الإستعمارية لا تخفي علي أحد، وإن أطماع شارون في انتهاز فرصة ضرب العراق واشتعال المنطقة، لتهجير المزيد من الفلسطينيين واحتلال ما تبقي من أراضيهم، احتمالاتها قائمة، وإنه ليس أمامنا كعرب ومسلمين إلا أن تتوحد صفوفنا، ونطوي صفحة الماضي وخلافاته، ونلتفت لمن يبادلنا التعاطف والتضامن من دول أوروبا وشعوبها، لاستثمار هذا الجهد العالمي لمنع الحرب، وتكريس عزل أمريكا وإسرائيل.

إن العراق ورغم أخطاء قيادته السياسية القاتلة في الماضي، يبقي عراق العرب والمسلمين، وهو نفس العراق الذي هبّ مدافعاً عن كرامة أمتنا العربية كلما داهمها الخطر، لقد تحركت جيوشه ودباباته وطائراته لمواجهة إسرائيل وحماية العواصم العربية أكثر من مرة، ويشهد أهل فلسطين لجيش العراق بلاءه وتضحياته المتميزة في الدفاع عن مدنهم وقراهم، وإنه لولا خيانات بعض الأنظمة العربية ـ آنذاك ـ لكان شرف تطهير أرض فلسيين من الغزاة الصهاينة يعود فضله لجيش العراق وشهدائه الأبرار.

إن أمريكا اليمينية المتطرفة اليوم تريد تدمير العراق أمة وحضارة، ولعلها تأمل في أن تجعل من هزيمته هزيمة لإرادة الأمة العربية والإسلامية، وتركيعاً لعواصم العرب أجمعين، بهدف تحطيم قدرات الفعل والمقاومة في هذه الأمة.

إنه الحلم الذي يدغدغ أماني شارون وحكومته في المنام واليقظة، إنه حلم إسرائيل الدائم في التوسع والسيطرة، ذلك الحلم الذي أحالته الإنتفاضة إلي كابوس يقلق إسرائيل ليل نهار.. إنه حلم إلحاق الهزيمة بالإرادة الفلسطينية المقاتلة، إنه حلم أن تضع إسرائيل قبضتها علي الجولان وبدون رجعة، إنه حلم أن ترد اسرائيل كرامتها المجروحة بالقضاء علي حزب الله ومحاضن الاستشهاد والتحدي الإسلامي. إنها أحلام يقظة تعيشها إسرائيل، وتصحو معها مذعورة كلما دوَّي جسد شهيد وتهللت الساحات بالزغاريد.

وبانتظار أن تجد القمة الإسلامية لها عاصمة تنطلق منها، ستظل مطالبتنا بضرورة التحرك لتحقيق المصالحة بين الإسلاميين وحكوماتهم، حتي تعود العافية للأمة، وتتحقق لها الهيبة والرهبة، فتحفظ وجودها وحدودها، وتمضي في تبليغ رسالتها وحضارتها للعالمين.