آراء حرة

بقلم : المهندس وائل عثمان

WOSMAN2002@HOTMAIL.COM

الخيـــــانــــــــة

عندما تم حصار عرفات جاءنى الشاب ، المتحمس دائما ، فزعا خائفا ملتاعا على حياته فطمأنته قائلا : " لا تخف . إنهم لن يقتلوه . سيظل فقط حبيس هذا المكان حتى تنتهى القوات الإسرائيلية من مهمتها " . وكلما استوضحنى كنت أقول له " اصبر وانتظر ، والأيام ستكشف لك ما أقصده " وشرحت له بالقدر الذى تسمح به الظروف وقتها ، آخذا فى الاعتبار أهمية وحدة الصف والاحتياط من مجرد الغمز واللمز فى رأس السلطة الفلسطينية .

كنت أعلم حينما أعلن عرفات أنه يفضل أن يكون شهيدا على أن يستسلم ، أننى أستمع لأحد حكام العرب الذين تربوا فى مدرسة " أمجاد يا عرب أمجاد " و " بالروح والدم نفديك يا ريس " !!

والسيد عرفات لم يترك لنا الخيار حينما أصر على إزاحة القناع بأسرع مما كنا نتوقع .

ولعل فى إدانته للشهداء ودمغهم بالإرهابيين فى الوقت الذى كانت تراق فيه دماء شعبه على بعد أمتار من محبسه ، لأوضح دليل على ما كنا لا نحب أن نخوض فيه .

وإذا كان دعاة التبرير قد أرجعوا تصريحاته تلك إلى حالة الاضطرار التى كانت ماسكة بخناقة ، فإننى أحيلكم لادعائه السابق بتفضيله الشهادة فلم لم يستشهد ؟ وهل هناك استسلام أخزى من ذلك .. أن يكون ثمن الإفراج عنه هو إدانته لشعبه ؟!

ثم إن الرجل لم يتراجع بل تمادى فلم يكتف بالإدانة وإنما حاكم فعلا وهو المسجون !! قتلة المجرم وزير السياحة الإسرائيلى وأصدرت محكمته حكمها بسجنهم ( وقد يسلمهم لإسرائيل فى خطوة تالية بعد أن قبل أن يكونوا سجناء تحت حراسة الأمريكان والإنجليز ) .

وهذا قليل من كثير . والأيام سوف تكشف ما هو أفظع وأفدح .

وقد كنت مترددا فى تناول " حالة الخيانة " التى قد يرفضها البعض وقد تكون غامضة بالنسبة للبعض الآخر لكنها ولا شك يقينية بالنسبة لكثيرين ، غير أن الأستاذ الكبير فهمى هويدى قد حسم ترددى حينما ألقى بقطرة أظنها البداية لسيل آت بإذن الله - يجرف أمامه كل الأكاذيب والتمثيليات التى عرضت علينا منذ شنت إسرائيل حرب 2002 .

يقول الأستاذ فهمى هويدى فى أهرام 30 أبريل :".. وهذا الفارق بين الموقفين يتضح بشئ جلى إذا ما قارنا بين تعامل إسرائيل مع الرئيس عرفات فى رام الله ، وتعاملها مع المقاومة فى جنين . إذ بينما محى من الوجود مخيم جنين الذى كان أحد معاقل المقاومة ، وهدمت مبانيه على سكانها ، فإن ما تعرض له أبو عمار لم يتجاوز الحصار والتخويف والإذلال ، فى الوقت نفسه فإن إسرائيل ما برحت تتصيد قيادات المقاومة وتلاحقهم بطائرات الأباتشى والصواريخ حيثما وجدوا لتقضى عليهم نهائيا . أما قيادات السلطة ووزراؤها فهم مؤمنون ولم يمس أحد منهم بسوء ، وها هم نحن نراهم على شاشات الفضائيات طول الوقت . حتى مروان البرغوثى القيادى البارز فى منظمة فتح التى يرأسها عرفات ، وقد شكت إسرائيل فى علاقته بكتائب الأقصى ، فإن إسرائيل لم تقتله كما فعلت مع كل قيادات المقاومة الذين طالتهم ، وإنما اعتقلته فقط . وهو بالمناسبة الوحيد من بين آلاف المعتقلين الذى سمحت له السلطات الإسرائيلية بلقاء زوجته ومحاميه فى محبسه " . ثم يقول فى موضع آخر من المقال :"...لكننا لا نستطيع أن نخفى قلقنا من احتمالات ضعف بعض الرموز الذين دب اليأس فى قلوبهم ، وأنهكهم مشوار النضال وأعباؤه ، فتعبوا ، لكنهم لم يخلوا مواقعهم لغيرهم كى يحملوا الراية ويكملوا المشوار ، وإنما تشبثوا بمواقعهم وتوهموا أن القضية هى التى تعبت وليس هم ! وليس سرا أن إسرائيل تراهن على هؤلاء ، الذين تصنفهم " بالاعتدال " وتريد أن تحدث الاختراق الحاسم وتحقق مرادها من خلالهم . وقد كشفت خبرة الحرب الأخيرة عن حقيقة موقف تلك الرموز ، الأمر الذى أحسب لن يمر بسهولة حين يهدأ غبار المعارك ويفتح ملف المراجعة والتدبر " .

وكما قلت فإنما هذه قطرة ! ونحن فى انتظار من له شجاعة إحسان عبد القدوس ليكشف لنا ، كما كشف عبد القدوس خيانة 48 ، أسرار ما حدث فى قمة بيروت والتى فور انتهائها مباشرة وبلا أية مصادفة !- أشعل شارون نيران حرب 2002 .

الخيانة لم تكن فقط فى عدم حماية الفدائيين أو فى التبليغ عنهم وإنما هى أبعد وأكبر من ذلك بكثير . هى فى تواطؤ أنظمة باعت شعوبها وأوطانها وشرفها وتطوعت لأن تكون مخالب للتحالف الشيطانى لهدم الإسلام .

هل سنعيش حتى تتكشف أبعاد هذه الخيانة ؟ ..الله أعلم .

لكن من ينكر وقوعها ويتغافل عنها انتظارا لظهور الأدلة المادية الدامغة والتى لا تظهر أبدا فى مثل هذه الحالات !- هو فى الحقيقة لا يريد أن يرى أو يسمع أو يفكر . بل هو فى الحقيقة إما أنه " عبيط " أو " بيستعبط " !!

*         *

.. والحمد لله أنهم لم يفتحوا باب الجهاد !

والحديث موصول عن " الخيانة " .

وبقدر استيائى وحزنى على حال الأنظمة العربية التى وقفت ضد رغبة الشباب العربى فى التطوع للجهاد مع إخوانهم فى فلسطين ، بقدر ارتياحى لعدم استجابتهم لمطلب الشباب !

كنت أرى وأسمع الشباب وهم يهتفون مطالبين بتنظيم التطوع ، ولم أشك لحظة فى صدق انفعالهم ووطنيتهم ، لكنى كنت قلقا من جزئية تسجيل الأسماء ، ليس خوفا على حياتهم من إجرام ووحشية العدو وإنما إشفاقا على ما سينتظرهم هنا فى البلدان العربية !

والمسألة لا تحتاج لشرح ، وأعتقد أن كثيرين يعلمون ، أو على الأقل يفترضون ، أين كانت ستذهب كشوف الأسماء !!!

كنت قلقا من فكرة تجميع الشباب لتدريبهم قبل السفر لفلسطين ( هذا إن أرسلوهم أصلا لفلسطين ) وكنت أتخيل خيرة الشباب وقد ذهبوا بهم لأحد معسكرات الأمن المركزى وأطلقوا عليهم جنوده وما أدراك ما هم فى قدرتهم على التفكير والفهم !- وأصدروا لهم الأوامر : " هؤلاء الذين كانوا يلقون عليكم الحجارة فى المظاهرات . درّبوهم كما ينبغى !!"

كنت قلقا لو أتيح لهم دخول فلسطين أن يصيبهم نفس مصير إخوانهم الفدائيين الذين تتولى جهة ما (!!) الإبلاغ عن أماكن اختباءهم .. والباقى معلوم !

كنت قلقا لأنى ما عدت أعرف بم أجيب الشاب لو جاء يسألنى هل يتطوع أم لا ؟ فهل أقتل فيه روح الحماس والرغبة الصادقة فى الجهاد ، أم أدفعه إلى مصير أعرف نهايته فى ظل "حالة الخيانة " التى نعيشها ؟!

ولا أتصور أن أحدا يظن إننى حمدت الله على أنهم لم يفتحوا باب الجهاد تحقيرا أو تقليلا من شأنه أو تخوفا من عواقبه . ومع ذلك كنت أتمنى لو أنهم أعلنوا الجهاد فعلا ، وكنت سأحمد الله أكثر لو أن الأحزاب والمؤسسات المدنية هى التى سعت لتنظيم مسألة التطوع وبذلك نطمئن لجدية العمل . لكن أين هم ؟ فنحن نعيش بلد الحزب الواحد منذ ويا للمفارقة !- نشأة دولة إسرائيل .

ومن أسف أن حالة الخيانة التى نعيشها هى مناط القلق الذى يسيطر علينا كلما نادينا بفتح باب الجهاد ، وهو وضع خطير ومأساوى يدل على أن هناك شيئا بل قل أشياء يتحتم أن نسعى لتغييرها .

ما هى هذه الأشياء ؟ ... وكيف استحكمت فينا حتى أصبحنا نخشاها ؟ ... ولماذا وكيف نسكت عنها ؟ ... وما السبيل إلى تغييرها وكسر قيودها ؟

هذه هى الأسئلة التى ينبغى أن ننشغل بها ونتناقش فى إيجاد مخرج لها ، فهى دعوة لإعمال العقل والفكر عسانا نتحرر يوما من هذه الحالة حالة الخيانة التى تطبق على أنفاسنا وتشل حركتنا .

******

عندما يختلف اللصوص

لعل من أبرز نتائج حرب 2002 أنها كشفت زيف الزعامات العربية واتضح أنها " أسد علىّ وفى الحروب نعامة " !

وقد استمتعت حقا بفاصل " الردح " الذى ساد أجهزة الإعلام العربية .. كل يندد بالآخر ويفضح عوراته .

فهذا عميل وذاك خائن والآخر جبان .

ونظام باع القضية ، ونظام اشتراها !

ودولة تنادى بالحرب حتى آخر جندى فى جيش غيرها !

ونظام ملكى يؤكد على أنه لن يستخدم النفط كسلاح ..

ونظام جمهورى يبيع البترول لإسرائيل بأسعار مخفضة ومدعمة .

والحاصل أن كل نظام يتهم الآخرين بموالاة العدو ، وفى أحسن الأحوال عدم القدرة أو حتى الرغبة فى قتاله . والمضحك أن الأنظمة البعيدة جغرافيا عن إسرائيل هى التى تدعو للحرب ، ودول الطوق المحيطة بإسرائيل تدعو للتعقل وعدم الانفعال والتسرع . ( ترى لو تبدل الوضع جغرافيا ، هل ستظل المواقف كما هى لا تتغير ؟!)

شئ واحد اتفقت عليه جميع الأنظمة : توجيه طاقاتهم وتبديد مواردهم فى تثبيت سيطرتهم على شعوبهم بديلا عن الاستعداد لمحاربة إسرائيل .

وشكرا لشارون الذى أسقط الأقنعة وجعل من كان مترددا قد أصبح مقتنعا الآن أن فلسطين لن تتحرر على أيدى هؤلاء الحكام الأشاوس !

******

شر البلية ما يضحك

من رحم الأحزان تولد الضحكة أحيانا .

مستعد لدفع مليون دينار يابانى (!) لمن يدلنى على معنى علامة النصر التى لوح بها السيد ياسر عرفات عشية الإفراج عنه .

هل هى تهنئة للسيد شارون بمناسبة انتصاره ؟ ...أم هى دليل انتصار عرفات شخصيا بمناسبة عدم قتله بغض النظر عن قتل الآلاف من شعبه أثناء إقامته فى محبسه ؟ !

والله العظيم نحن نستاهل أن يفعلوا بنا أكثر من هذا !!

·                              *

هذا الحوار دار بين متشاجرين فى إحدى عربات مترو الأنفاق وقد كان الزحام شديدا . ولا يهم كيف بدأ الحوار لكن المهم هو كيف انتهى !

-         لو سمحت إبعد إيدك شوية .

-         يعنى أعمل لك إيه ؟ إنت شايف الزحمة إزاى .

-         أيوه . بس أنا مش عارف أقف .

-         وأنا أعمل لك إيه ؟ مش عارف تقف انزل اركب تاكسى .

-         ده أنا باكلمك بالذوق . يعنى الذوق ما ينفعش ؟

-         أيوه ما ينفعش . وأنا بقى غلطان إنى رديت عليك من أصله .

-         يعنى إيه ؟ أنا مش مالى عينك ؟

-         أيوه مش مالى عينى . واسكت بقى بدل ما افقعلك عينك .

-         لا ده أنت قليل الأدب .

-         أنا قليل الأدب يا ابن ........

-         هى حصلت إنك تشتم أبويا ؟

-         واشتم أمك كمان يا ابن ...........

-         لا لا ده أنت زودتها قوى . إلاّ الأم . والله إن ما سكتش لأوريك .

-         طيب ورينى .

-         لا لا أنا فعلا لازم أوريك .

-         تورى مين يا ابن .......، يلعن ........( يسب عائلته كلها !) .

-         لا بقى أنا مش هاسمح لك .

-         تسمح إيه يا ابن دين .........( وسب له الدين ) .

وهنا عند سب الدين تدخل الناس لفض الاشتباك ..(منتهى الإيمان ) .

وكان ألذع تعليق سمعته وجهه أحد الركاب للطرف الذى ظل يتوعد ويتوعد (!) : يعنى هو سب لك أبيك وأمك وعائلتك كلها ثم دينك . كل ده وعمال تقول له أنا مش هاسمح لك ... أنا هاوريك . كان ناقص يشتم لك مين كمان علشان تعمل أى حاجة ؟ !!

هذه ليست نكتة ، لأنها وإن حدثت فى مترو الأنفاق مرة فإنها تحدث يوميا بين الحكومات العربية والحكومة الإسرائيلية !!!

******

مع القراء

·       كما توقعت ، اعترض كثيرون على أمنيتى فى العدد السابق أن لو كان اليابانى الذى انتحر احتجاجا على إبادة الفلسطينين مسلما .

طبعا اعتراضهم كان بسبب تحريم الانتحار ، وهو ما لا يستطيع أحد أن ينكره . غير أننى ما قصدت أبدا الإعلاء من شأن الانتحار واعتباره القيمة المثلى التى من أجلها تمنيت لو كان مسلما ، وإنما قصدت معنى أسمى وأعظم من ذلك بكثير وهو إعجابى الذى يصل لحد الانبهار من إيمان شخص غريب وبعيد عنا بقضيتنا لدرجة أن يضحى فى سبيلها بأغلى ما يملك .

هذا هو المعنى الذى تمنيت لو غرسناه فى نفوس شبابنا .

أما مسألة الانتحار فثانوية ( لا أدرى لماذا دائما نتوقف عند القشور أو الفروع ونترك الأصول ؟!) فاليابانى لا يعتبر الانتحار فى عقيدته حراما ، وهو إن أسلم لباع نفسه وماله لله وهو ما نفتقده للأسف فى أنفسنا .

*            *

·       أعتذر لمن كان من الواجب أن أرد على رسائلهم على عناوينهم الخاصة وذلك بسبب المرض والحمد لله ، فعذرا .