الدِينُ والفَلسَفَةَ

 

 

 

بقلم : الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ولي كل توفيق.

 

والصلاة والسلام على عبده ونبيه المرسل رحمة للعالمين.

 

وبعد، فهذه إعادة مبسطة وموسعة لحوار وجهته ذات يوم إلى باحث مختص في الفلسفة، ورئيس لقسم الفلسفة في إحدى جامعات البلاد العربية في خليجنا العربي.

 

ولا أعتقد ان ثمة أي مصلحة في التعريف به، أو التعريف بالجامعة التي هو فيها. فالمأمول أن يكون قد هدي بفضل الله وتوفيقه إلى معرفة الحق والانصياع له.

 

إنما المهم أن يسجل  هذا الحوار الذي يجسد أما المثقفين مشكلة من المشاكل الفكرية والعلمية، ويضع الحل العلمي بجانبها. والأحداث تمر عادة وتنطوي بعد وقوعها. ولكن يجب أن تبقى معانيها وآثارها مصدر عبرة. ومادة ثقافة ومعرفة .

 

وإنما تتكون الثقافات من عصارة الأحداث.

 

 

 

المقـدّمة

 

ضياع الذَات

 

مصدر المشكلات كلّهَا

 

محنة هذه الأمة واحدة، وإن ترائت لها جوانب قد تبدو منفصلة ومستقلة بعضها عن بعض. وربما كانت المحنة الفلسطينية أو محنة ما يسمى بالتخلف عنها أبرز هذه الجوانب و أخطرها. غير أنها لا تعدو أن تكون واحدة من فروع كثيرة أخرى، ينبثق جميعها منة جذع واحد لا ثاني له.

 

وقد كدنا نضيع بين تلافيف هذه الفروع ولأغصان المتشابكة . بل لعل كثيرين مناقد ضاعوا فعلاً.

 

منذ سنوات طويلة، ونحن نحبس أنظارنا وتأملاتنا عند رؤوس المشكلات والمصائب التي تطوف بنا دون أن نحرر أنفسنا يوماً ما من سجن هذه الفروع المتشابكة، لنسبر أغوارها، ونصل إلى جذعها وجذورها. فكيف نطمع ان نحل هذه المشكلات، ونحن واقعون منها وسط هذا التيه؟

 

من أين نبدأ، وإلى أين ننتهي؟ وأنى هي النقطة المحورية التي تحدد لنا كلاً من طرفي الابتداء والانتهاء؟

 

أنبدأ المعالجة من مشكلة التجزئ والفرقة، أم من مشكلة التخلف العلمي والتقني، أم من مشكلات الفقر والتخلف الاقتصادي، أم من مشكلة ضياع الوطن والأرض، أم من مشكلة الاضطراب الفكري وأزدواج الرأي والسلوك؟

 

كل هذه المشكلات مصائب(متواضعة) في جسم هذه الأمة. ما في ذلك ريب. ولكن السؤال المحير هو: عند أي واحدة من هذه المشكلات يكمن منبع سائر المصائب والمحن الأخرى؟

 

والجواب أن هذه المصائب كلها فروع متساوية لمصيبة كبيرة هي في الحقيقة أهم وأخطر منها جميعاً. إلا انها مصيبة خفية لا تطفو على السطح، بل تختبئ في الاعماق، فلا حيلة في السعي إلى إبرازها واضحة للعين المجردة وأمام أصحاب النظرة السطحية للأشياء.ولو بقيت هذه الأمة قروناً متطاولة، وهي تقرع مصائبها السطحية هذه واحدة بأخرى، وتعالج كلاً منها كما يعالج الرجل شقوق بناء أقيم على غير أساس، لما جاءت جهودها بأي طائل، ولظلت تهوي من ضعف إلى ضعف، ولبقي العدو المتربص بها يزداد تمكناً منها واستلاباً لذخرها ومقدراتها، حتى يحين منها التفاته جادة إلى جذورها المعضلة واساس المحنة ، ثم تعكف بصدق على معالجة تلك الجذور ، عندئذ يمكن أن يقال: إنها عثرت أخيراً على الشعلة الهادية وسط الظلام، وعلى الباب الذي يخرجها من سجن تلك الدائرة المغلقة.

 

فما هو ذلك الجذع المستصلب الغليظ الذي تتوالد منه فروع هذه المحن كلها؟

 

إنه، وبكلمة بسيطة وموجزة: ضياع الذات.

 

نعم، ضياع الذات هو الجذع المستصلب الخطير الذي انتشرت منه في كل الجهات فروع وأغصان من المحن المتنوعة التي لا حصر لها.

 

وإنما اشدد على هذه الكلمة، وأأكد أنها ـ على الرغم من بساطتها وسهولة ما تدل عليه ـ هي ينبوع مصائبنا كلها، لأنني أعلم أن كثيراً ممن حبسوا عقولهم وسط رقعة من شطرنج السياسة، أو عودوا أفكارهم وأعصابهم على الدوران النظامي الربيب ضمن الدوائر المغلقة، لا يقيمون لهذه الكلمة ولا لمدلولها أي وزن. إنهم لا يزالون يتوهمون ـ حتى بعد أن أنهكتهم التحركات السياسية ودوختهم المناورات التي تظل تراوح في مكانها ـ أن جذور هذه المحن كلها إنما تتمثل في إرادة الدول العظمى والتحركات السياسية الكبرى، أو في الجمود عند الأفكار العتيقة!..

 

وإنما يغذي هذا الوهم لدى أصحابه، تقادم انحباسهم في قاع تحركاتهم الدائرية المغلقة التي لا يستبين فيها بدء من ختام، ولا يتضح فيها الفرق بين أثر ومؤثر أو نتيجة وسبب!..

 

وربما غذاه لدى فئات أخرى من الناس أنهم استمرؤوا المحنة وتفيؤوا منها ظلالاً وارفة أنعشت أهواءهم وحققت الكثير من رغائبهم. فهم لا يتأففون منها إلا بمقدار ما ينشطون في السعي ابتغاء نيل ثمارها واكتساب آثارها.

 

غير أن هذا كله ما ينبغي أن يحجب عنا الحقيقة الجاثمة أمام أنظارنا وما ينبغي أن يجعلنا نتغاضى عن مصدر البلاء وجرثومة هذه الأمراض. لا سيما وقد تراكم حصاد هذه المصائب أمام أعيننا، كأخطر ما يمكن أن تبدو عليه مصائب أمة ما ، في أي عصر من العصور.

 

ألم تتفكك من بقايا القوى وتتحول إلى انكاث؟

 

ألم يتمزق ما بيننا من صلات القربى ورحم الآلام والآمال؟

 

ألم تتبعثر ثرواتنا الاقتصادية مواد وأدوات أولية في أسواق الصناعات الأجنبية، لترتد إلينا إغلالاً تصفنا حتى الاعناق؟

 

ألم تتعاظم نواة الاحتلال الصهيوني تحت أسماعنا وابصارنا حتى ضربت لها جذوراً في عمق بلاد الشام، وأقامت على أرضنا المقدسة أوتاداً من القوة، لا تبلغها قوى هذه الامة جمعاء؟

 

ألم يتحول كيدنا لها وصمودنا ضدها الى الكيد لأنفسنا والتربص ببعضنا، حتى استحر الموت منا بعشرات الآلاف؟

 

إذن فهل يجوز أن نبقى ـ وهذه هي حالنا ـ رهن الاحتباس على رقعة شطرنج تتلاعب بها ايدي سياسة تستطيل من أجل المحنة في انتظار انمحاقنا، أو أن نبقى ضمن دائرة مغلقة نطوف فيها حول محور الوهم، ونقطع في تطوافنا حوله آلاف الأميال؟

 

إن جزءاً يسيراً من آلام هذه المصائب، من شأنه أن يوقظ النائم وينبه السادر، فكيف وإنه ليس بذلك الجزء اليسير ولكنه كل هذه المصائب والآلام.

 

***

 

لابد أن نخرج من المأزق أولاً .

 

وإنما الخطوة الأولى إلى ذلك أن نستيقن بملء عقولنا أن مرد المصائب التي حاقت بهذه الأمة، إنما يتمثل في كونها تعيش اليوم ضالة عن ذاتها.

 

ويقيننا الذي لاريب فيه أنها إن لم تهتد إلى ذاتها وهويتها ثم تعكف بجد على تحقيق مقومات هذه الذات، فإن إضعافاً كثيرة أخرى من الجهود العشوائية قد تبذل دون أي فائدة تجنى.

 

وماذا نعني بالذات؟ إننا، بحكم البداهة، لا نعني الذات البشرية التي تتكون من مقومات الإنسانية العامة التي يتساوى الناس جميعاً فيها.وإنما نعني المقومات الفكرية والاعتقادية، ومن ثم السلوكية التي نسجت ذاتيتنا الحضارية وأورثتنا لدى التمسك بها كل ما كنا نملكه إلى الامس القريب من الثروات الهائلة و القوة الراسخة والحضارة التي لا نزال نتباهى بأمجادها الدابرة، ونكرر الترنم بحكاياتها في رقى وتمائم ونتمسح بها ونسميها التراث!..

 

فما هي هذه المقومات؟

 

إنها تتمثل في أصول اعتقادية شرحت لنا حقيقة الكون والإنسان والحياة، وملأت بذلك ساحة فراغنا الفكري والنفسي.وهاهو ذا سجل هذه الاصول الاعتقادية جاثم أمامنا، وأسمه: القرآن.

 

ثم إن وحدة الاعتقاد كان لابد لها أن تثمر وحدة السلوك المنسجم مع واقع كل من الكون والإنسان والحياة. ثم كان لابد لها أن تثمر وحدة الامة، وأن تضفر جهودها وتجمع أمرها من شتات.

 

ثم كان لابد لهذه الوحدة أن تفجر ينابيع كنوزها وخيراتها، وأن تيسر أسباب نموها وسبيل الاستفادة منها. وكان لابد ان توجه العقول والأفكار، في تناسق دائم، إلى تعميق المعارف والعلوم، وأن توسع نطاق الثقافة بأنواعها.. فكان من ذلك كله ما نسميه اليوم: الحضارة الإسلامية.

 

لقد تحقق ذلك كله، في اقل من ثلث قرن من الزمن، في كلاءة  دقيقة من اصول العقيدة الإسلامية التي كونت ذاتية هذه الأمة وأعطتها سماتها وخصائصها الحضارية المتكاملة.

 

لولا العقيدة الصحيحة الراسخة في كيان هذه الأمة، لما تحققت لها وحدة بعد طول ما عانته من فرقة وشتات؛ ولولا هذه الوحدة لما تكونت لها قوة تتحصن فيهان ولولا هذه القوة لما امتدت لها من الأرض أوطان فسيحة، ولما تأتى لها أن تستثمر شيئاً من ذخرها وخيراتها، التي اختصها لله بها من دون سائر الناس.

 

هكذا ينطق تاريخ هذه الأمة.

 

وإنه لمنطقي ويدركه كل ذي عقل متحرر من عصائب العصبية والأهواء، بل هو ألف باء واقعنا التاريخي، الذي لا يتماسك عليه أي لبس أو اضطراب.

 

ثم إنه المنطق الذي تأمله فوعاه أعداؤنا الذين كانوا، ولا يزالون، يتربصون بنا الدوائر.. لذا فقد خططوا للمكيدة ولم يسيروا إليها بشكل عشوائي. لقد بدؤوا أولاً بإفساد الجذور.

 

ودونك فاقراء تاريخ الاستعمار البريطاني وتأمل فلسفة المواجهة الاستعمارية للأمة العربية والإسلامية، فيما كتبه رسل الاستعمار البريطاني أنفسهم. اقرأ ما كتبه(لورنس) في كتابه (اعمدة الحكمة السبعة) وتأمله وهو ينتشي بذكر مكائد حكومته وأحبيلها التي لعبت بها على هذه الامة، من اقصى حدود العراق إلى الشام الى اطراف الجزيرة العربية. وأقرأ ما كتبه اللورد كرومر في مذكراته، وهو يتحدث عن مثل هذه المكائد والألاعيب ذاتها، وكيف نفذ بها إلى عقول العرب والمسلمين في ربوع مصر والسودان. ثم أقرأ إلى جانب ذلك مذكرات حاييم وايزمن، التي يذكر  فيها كيف خطط لإقامة الوطن اليهودي في ربوع فلسطين بالتعاون مع هذا التدبير الاستعماري ذاته.

 

إقرأ وتأمل.و لتعلم كيف ظل العمل منسقاً بين كل من بريطانيا والمنظمات الصهيونية، وكيف كان يسير في نفق خفي لا يبدو منه في الظاهر شيء طوال أحقاب من الزمن.

 

لقد كانت الجهود كلها متجهة إلى تفريغ ذهن الشخصية الإسلامية من المضمون الاعتقادي الحي، ذلك المضمون الذي ظل يشكل العمود الفقري لوحدتها الراسخة وقوتها المتنامية.

 

ولكي تسير العملية بهدوء ونجاح، ولا تستيقظ الأمة العربية والإسلامية على لواعج الفراغ الفكري الذي ستفاجأ به، أخذ الاستعمار البريطاني، مستعيناً بكل طابيره ورسل، يستل مقوماتها الاعتقادية بيد، ويضع في مكانها روابط القومية والعنصرية بيد اخرى. ليكون لها من اشتغالها بهذا الأمر الثاني ما ينسيها فقدها لأعز ما كانت تتحصن به وتلتقي عليه، ثم ليكون من هذه النقلة خير مقدمة للسير بها إلى العلمانية المقترحة[1]فلما تم ما اراد( كما يزدهي بذلك اللورد كرومر في مذكراته) استحالت عقيدة هذه الامة عن الكون والإنسان والحياة، إلى مزق من التقاليد والطقوس الميتة، وأقيمت على اطلالها روابط العصبة والعصبية الجاهلية، وأخذ يتجه الاستعمار البريطاني، ومن وراءه من المنظمات الصهيونية الناشطة إلى طوق الوحدة العربية والإسلامية الذي اصبح قائماً في العراء، بعيداً عن كل وقاية وحراسة، فحطمها بأيسر جهد. وكانت أداته في ذلك قوتين اثنتين: إحداهما القوة الخارجية ، وهي قوة ثانوية في خطورتها وبعد ثأثيرها.

 

والثانية قوة داخلية، وتتمثل في العواصف والشقاقات المذهبية التي اهتاجت داخل كيان الأمة، في أعقاب الفراغ الفكري الذي منيت به. وإنما كان ينفخ في نيران هذا الهياج طوابير معينة معروفة، تصطنع الوطنية ظاهراً، وتنفذ المخططات التي تم اتخاذها في المؤتمرات الصهيونية باطناً.

 

بهذه المساعي الخفية استطاعت بريطانية ان تحقق وعدها الذي قطعته على نفسها لليهودية والصهيونية العالمية. وبهذه المساعي تحولت وحدة الأمة العربية والإسلامية إلى شقاق لا ينتهي وتصدع لا يلتئم.

 

وبهذه المساعي بسطت الصهيونية سلطانها على فلسطين، ثم راحت تتخذ منها منطلقاً وقاعدة لاصطياد أوطان أخرى لها، هنا وهناك.

 

وبهذه المساعي تحولت كنوز هذه الأمة وخيراتها إلى مغانم سخية استقرت في جيوب الناهبين.

 

وبهذه المساعي تقوض بنيان الحضارة الإسلامية، واستحالت إلى انشودة ذكرى، في أفواه الحالمين الكسالى، وعادت بلاد الأمة وأسواقها مجرد (فاترينات) لعرض منجزات الحضارة الغربية في أحط أنواعها وأشكالها.

 

ومع ذلك فلنتساءل، أحقاً أننا اليوم قد استيقظنا على آلام جراحنا. وبتنا ننشد السبيل الصحيح لاستعادة الحق ولم الشعث، وإصلاح الحال؟

 

إذن، فمن البديهي ان علينا أن نبدأ في السير إلى إصلاح الحال من حيث تم السبيل إلى إفساده.

 

أي لابد من القضاء على الفراغ الفكري الذي منينا به على أيدي أعدائنا. ولا يتم القضاء على هذا الفراغ الا بإعادة الصورة الصحيحة إلى اذهان هذه الأمة عن واقع الكون والإنسان والحياة. ولا بد أن تتعاون في سبيل إعادة ترسيخها سائر الجهود التربوية والإعلامية على كل المستويات، تماماً كما تم إفساد هذه الصورة من قبل المساعي الاستعمارية بسائر الجهود المتنوعة وعلى كل المستويات.

 

فإذا تم القضاء على الفراغ الفكري، وعادت العقيدة الإسلامية تملأ(حية نابضة) جوانب الساحة الذهبية لهذه الأمة، فيلسوف تعود فتتلاقى الجوانب المتباعدة لدائرة وحدتنا العربية والإسلامية من جديد بشكل ذاتي ومن أيسر طريق.

 

بقطع النظر عن الشكل أو الاسم الذي قد يتسم به الإطار الذي تتجلى فيه هذه الوحدة.

 

وفي ظل الوحدة تتضافر القوى، وتتلاقى الثروات، وتتناسق الجهود وتزدهر المعارف والعلوم، وتحل المشكلات وتتبدد المحن واحدة إثر أخرى.

 

والناس، كل الناس، يمجدون الوحدة ويهتفون بها بالألسن أو على الورق.

 

ولكن ما عجبت لشيء، كعجبي من حال من ينشد وحدة الامة ويدعو إليها، وهو يرى الافكار والمذاهب المتصارعة تهيج وتموج داخل كيان الأمة، وتحيلها إلى فرق متعادية، ثم لا يتحرك للقضاء على مصيبة هذا الفراغ الذي هيج في داخلها موجبات التفرق والشقاق قبل كل شيء.

 

وقديماً علمنا كتاب ربنا عز وجل أن وحدة الامة لا تلتقي إلا على محور جامع، ولا يتمثل المحور إلا في اليقين الفكري الشامل الذي يتبنى صورة متكاملة عن حقيقة الوجود كله. أولم يقل لنا: (وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم..)آل عمران103.

 

فانظر كيف أمر بوضع المحور أولاً وهو الاعتصام بحبل الله، المتمثل في بنيان العقيدة المتكاملة والاجتماع عليه، ونهاهم عن الإعراض عنه، كي لا يزجهم ذلك في ضيعة وشتات. ولو أنه أمرهم بالاتحاد وعدم التفرق، قبل أن يضع أمامهم المحور الجامع، لكان ذلك عبثاً من القول، ولكانت محاولة الوحدة أشبه بمن يريد أن يرسم دائرة متكاملة دون أن ينطلق إلى تكويرها من نقطة محورية ثابتة.

 

وكثيرون هم الذين يؤمنون بهذا الكلام على الصعيد النظري، وفي ميزان التحاكم إلى المنطق وواقع التجارب المحسوسة المنبثة من كلا خطي الطرد والعكس. غير أن جل هؤلاء المقتنعين، يعجزون عن تحويل قناعاتهم هذه إلى سلوك وتطبيق، سواء بالنظر إلى الرغبات الفردية أو الجهود الجماعية.

 

وسبب هذا العجز أنهم يتصورون سبيل السعي إلى تطبيق قناعاتهم متمثلاً في بذل جهود اجتماعية ومعاناة حضارية، والاصطباغ بأفكار ثقافية والتجميل بمذاهب فلسفية!.. ومن المعلوم أن هذه المساعي لا تفيد في تحقيق هذا الهدف شيئاً، بل لا تزيد  أصحاب هذه الجهود إلا تفرقاً وضياعاً.

 

ولا بد أولاً من العثور على وحدة الادارة الفعالة، ولا يتم العثور عليها إلا من خلال استعادة تحقيق الذات.

 

 إن لنا هوية معينة من وراء كوننا بشراً يعرفها الفلاسفة قديماً بالحيوان الناطق. وما لم نعرف هويتنا هذه ولم نسع إلى رعايتها وحمايتها من الضياع، فإن الثقافات المتنوعة والمذاهب الفكرية والفلسفية لن تزجنا إلا في متاهات وخصومات لا نهاية لها. وإن بوسعنا أن نعثر على هويتنا الجامعة لنا والموحدة لأفكارنا وثقافاتنا لدى وقفة يسيرة أما مرآة الذات. هذه المرآة التي تنطق ، بوضوح ما بعده وضوح، اننا عبيد مملوكون لله عز وجل، وأننا النخبة المكرمة من مخلوقاته التي سخر الله لها الكثير من مكوناته، وأقامها على مهمة متميزة في مملكته.

 

إن كل ما يدخل تحت معنى المساعي والانشطة الحضارية، اقل من أن تخلص هذه الأمة من محنة الفراغ الفكري والنفسي، لتضفر بعد ذلك جهودها على طريق الوحدة الحقيقية. ولكن هذه المساعي والأنشطة الثقافية والحضارية ستغدوا جنداً مخلصاً وأميناً لتحقيق ذاتيتها واستعادة وحدتها، إن بدأت قبل كل شيء باستعادة هويتها ثم الانطلاق منها إلى الانشطة الثقافية والعلمية والحضارية المختلفة.

 

وآية هذا الذي نقول أن أمتنا العربية والإسلامية، لم يتح لها أن تبني تاريخها الحضاري المجيد، من خلال مساع حضارية أو جهود علمية أو ثقافية ، وإنما أتيح لها أن تنهض نهضتها التاريخية المجيدة تلك من خلال عثورها على هويتها، ثم إيمانها الراسخ بتلك الهوية. وإنما جاءت المساعي الأخرى بعد ذلك.

 

وليس معنى هذا أنها لم تحتج إلى أن تغذي ذاتها وأفكارها بالمعارف والعلوم، وإنما المراد أن استمساكها بهويتها كان الأساس الصلب لما قد أشادته فوق ذلك من صرح المعارف والثقافات والعلوم، فلولا استمساكها بهويتها ولولا اعتزازها بها، لما قام شيء من ذلك الصرح، ولتهاوى أو أنزلق كما ينزلق بناء أقمته على آكام من الرمال. وهو ذاته الذي يجري في حياتنا اليوم!..

 

وأزيد هذا الكلام إيضاحاً فأقول: إن الصرح الحضاري الذي نهض ذات يوم شامخاً راسخاً لهذه الامة، إنما تم ترسيخه من خلال يقين ديني عززه علم يؤيده وسلوك يتفق معه. ولقد كان هذا اليقين الديني من الصفاء والخلوص عن الشوائب، بحيث لم تكن آثارها الحضارية مقصودة أو ماثلة في نفوس اصحاب ذلك اليقين أي فما سخروا يوماً ما قناعاتهم الدينية ويقينهم الإيماني لخدمة اهداف حضارية أو مطامح سياسية. بل إن الله تعالى لم يكرمهم بتلك الثمار والنتائ&