لماذا يهرب تلاميذ المدارس إلى فلسطين المحتلة ؟! ..

ظاهرة صحية تؤكد انهيار "ثقافة السلام " وعودة الوعي

 

كتب – محمد جمال عرفة

مع تصاعد الآمال الزائفة بعقد اتفاقيات سلام بين الفلسطينيين والصهاينة في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي المقتول الأسبق إسحاق رابين ،وانتشار ثقافة السلام وتدفق شباب مصريين وأردنيين علي الدولة العبرية للعمل هناك والزواج أحيانا من صهيونيات ، ابدي بعض المثقفين العرب مخاوفهم  من التأثير السلبي لهذا السلام المزعوم علي الوعي بحقيقة القضية الفلسطينية والتغييب الخطير لحقائق الصراع وتزييف القضية في عقول الصغار وجيل المستقبل .

وزاد القلق خصوصا أن هذا التزييف لحقيقة الصراع استمر حوالي 25 عاما منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والدولة العبرية ، وهو عمر أخر نما فيه الأطفال الذين ولدوا في هذا التاريخ وترعرعوا علي واقع أن هناك دولة أسمها إسرائيل ، وبالمقابل ..لاجئين فلسطينيين وحكم ذاتي فلسطيني ، ولا يعرفون شيئا عن كيفية بناء هذه الدولة الصهيونية علي عظام وجماجم الأجيال الفلسطينية القديمة في عام 1948 ، ولا كيفية اغتصابها أراضي خمسة دول عربية تحيط بها .

بل أن بعض الغيورين بدءوا يعلنون هذه المخاوف صراحة ويحذرون من "ثقافة السلام" و"جيل السلام" بعدما سعي الصهاينة – بأموال أمريكية – لإنشاء مؤسسات يهودية أو أوروبية يديرها اليهود تعني بثقافة السلام هذه وتسعي لجمع أطفال وتلاميذ الدول العربية (مصر وفلسطين والاردن وسوريا ) مع الأطفال الصهاينة تحت دعاوى تبادل الآراء والأفكار وترسيخ دعائم السلام ومنها مؤسسة شهيرة باسم وزير الخارجية الصهيوني شيمون بيريز لتبادل الشباب.

فيما راحت منظمات اخري ترتب لتبادل شبابي بين شباب مصر وإسرائيل مثلا بحيث يذهب الشباب المصري الي "الكيبوتزات" اليهودية في الدولة العبرية حيث يتم غسل عقولهم بثقافة السلام وانتهاء الصراع وقوة إسرائيل التكنولوجية وتفوقها التقني وتطورها .. ليعود بعدها الشاب العربي وهو يقارن إسرائيل باي دولة أوروبية من حيث الفكر والرقي ومستوي المعيشة والدخل والتقدم مقارنة بدولته الفقيرة ما يغري عشرات الشباب الآخرين العاطلين والمغيبين فكريا للسفر للدولة العبرية للعمل هناك بل والزواج أيضا سواء من فلسطينيو 48 حاملي الجنسية الإسرائيلية أو من اليهوديات الإسرائيليات .

وزادت المخاوف أكثر واكثر مع توالي وقوع شبكات تجسس إسرائيلية في مصر يشارك فيها شبان مصريين ممن تم غسيل عقولهم ، واعلان أرقام غريبة عن زواج 1500 مصري من إسرائيليات ( سفير مصر في إسرائيل السابق نفي مؤكدا وجود سبعة حالات فقط زواج لمصريين من إسرائيليات أغلبهم عرب ) .

ووصل الأمر للبرلمان المصري الذي طلب منع سفر الشباب لإسرائيل ، وفتح النقاش حول زواج المصريين من إسرائيليات وخطورة ذلك مما دفع السلطات لتشديد القيود علي السفر للدولة العبرية .

طوق النجاة !

 ويمكن القول أن انتفاضة الأقصى الأولي والثانية اللتان اندلعتا منذ عامين قد ساهمتا بشكل كبير في إعادة الوعي المغيب للشباب والتلاميذ العرب من الجيل الجديد ( جيل ثقافة السلام) الذين لم يكونوا يعرفون شيئا عن حقيقة الصراع العربي – الصهيوني ،أو طوق النجاة.. حيث انطلقت الفضائيات في التوعية بظروف القضية وعرض الأفلام والوثائق التاريخية التثقيفية الجديدة .

وقامت المظاهرات الشعبية بدور أخر تمثل في تحريك هؤلاء الشباب وتفاعلهم مع إخوانهم في فلسطين .

أما أبرز دليل علي نجاح مشروع التوعية هذا فهو هرب قرابة 15 تلميذا وطالب مصري من مدارسهم علي مدار الستة أشهر فقط الماضية للحاق بفلسطين عبر التسلل من الحدود في منطقة رفح المصرية ، بل لقد وصل الأمر ببعض التلاميذ ( ما بين 10 و14 عاما ) أن هربوا من مدن تبعد مئات الكيلو مترات عن حدود فلسطين المحتلة بمصروفهم وسألوا ببراءة وعفوية الضباط المصريين عن الطريق لدخول فلسطين لمشاركة زملائهم الفلسطينيين في رشق الصهاينة بالحجارة (!) .

وقد أعادت شرطة محافظة شمال سيناء في شهر ابريل ثلاثة تلاميذ بالمرحلة الإعدادية بمحافظة أسيوط (أقصي جنوب مصر ) إلى ذويهم كانوا يحاولون دخول الأراضي الفلسطينية للمشاركة فى الانتفاضة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي وقطعوا كل هذه المسافة التي تقترب من الألف كيلو متر !! .
ونقل عن التلاميذ الثلاثة وهم من طلاب مدرستي عمر مكرم وطه حنفي الاعداديتين بحي مبارك بأسيوط أنهم قرروا السفر إلى العريش عقب اليوم الدراسي لمشاركة الفلسطينيين فى انتفاضتهم ضد القوات الإسرائيلية حيث استقلوا سيارة من أسيوط (جنوب مصر) للعريش(شمال شرق مصر ) ، وهناك سألوا بعفوية عن الجهة التي تسجل أسماء المتطوعين للاشتراك فى الانتفاضة فتم إبلاغ الأمر للشرطة حفاظا علي حياتهم وجري الاتصال بأهاليهم لاستلامهم مع التعهد بعدم تكرار ذلك مرة أخرى .
وكانت هذه المحاولات من جانب طلبة مدارس وجامعات للهرب إلى رفح بهدف التسلل عبر الحدود ومشاركة إخوانهم الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال قد بدأت في أعقاب مشاهد اغتيال الطفل الشهيد الدرة ، والطفلة إيمان حجو حيث تم إعادة عدداً من الأطفال أصغرهم طفلة فى التاسعة تدعي نادية جمال مبروك ، وكذلك تلميذ لم يبلغ سن الرشد فى شهر أكتوبر الماضي كانوا متوجهين لمدينة العريش وهم يحملون حجارة في أيديهم ومبلغ صغير من المال .

وكان مشهد هذا التلميذ الطفل (أحمد شعراوي) وهو يتقدم ببراءة لضباط الحدود المصريين طالبا المرور "لأنه ذاهب للمشاركة في الانتفاضة" معبرا عما يجيش في صدور أطفال مصر مما دعا العديد من الأفلام المصرية مثل فيلم ( رحلة حب) لتصوير مشاهد كاملة لأطفال المدارس وهم يخرجون متظاهرين في الشوارع حاملين الأعلام الفلسطينية وصور زملائهم الشهداء الفلسطينيين  أما الطفلة نادية فقالت – كما جاء فى محضر التحقيق - أنها قررت الالتحاق بأطفال الحجارة لإحساسها بالقهر الذي يتعرض له الأطفال ، وقال والدها أن أبنته سبق لها التبرع بالدم عدة مرات لصالح أطفال الانتفاضة وكانت تبكى كثيرا عندما كانت ترى منظر استشهاد الطفل محمد الدرة فى أحضان والده على يد قوات الاحتلال الصهيوني .
وكان أخر
ثلاثة شبان مصريين ضبطوا بينما كانوا يحاولون التسلل الى قطاع غزة من اجل المشاركة في الانتفاضة الفلسطينية يوم 2 مايو الجاري هم : محمد سلامة غنيم (24 عاما) المزارع في الجانب المصري من رفح وشكري سعيد سليمان (19 عاما) من سيناء،ومحمد عزب (20 عاما) .

وقد نجح شاب غيرهم يدعي ( ميلاد محمد حميدة) -21 عاما- في الإفلات من قوات الحدود المصرية والهرولة الي داخل حدود فلسطين المحتلة بيد أن جنود الاحتلال أطلقوا عليه الرصاص واستشهد ليصبح أول شهيد مصري لانتفاضة الأقصى .

ايضا لم يقتصر الأمر علي الشبان ولكن انضمت اليهم فتيات منهم فتاة مصرية تم اعتقالها من قبل قوات الأمن المصرية ، وهي تتجه للحدود وتحمل متفجرات .

ولأول مرة في مصر منذ اندلاع انتفاضة الأقصى يظهر طلاب وهم يلفون رؤوسهم بعصابة حمراء مكتوب عليها "استشهاديون" ، ويزداد إقبال الشباب علي الجهاد لدرجة إعداد طلاب الجامعات المصرية قوائم للجهاد وقع عليها 100 ألف طالب ، وطالبوا بتدريب الشباب عبر لجان الدفاع الشعبي (علي غرار ما حدث عقب العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي عام 1956 علي مصر ) .

هناك بالتالي صحوة وانهيار لثقافة وخداع السلام الزائف مع الصهاينة ..والجيل الجديد اصبح مؤتمنا علي حمل الراية بعدما استرد وعيه المسلوب .. وهذا من "حسنات" شارون !؟