من أقوال الصحف العالمية

10/5/2002

 

ترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com

 

جاءت رسالة مندوبي الصنداي تايمز Sunday Times في 5/5/2002 كالنبوءة قبل وقوع التفجيرات الاستشهادية الأخيرة، مع كثير من المبالغة عن حجمها وأثرها. كتبت الصحيفة عن مراسليها أوزي ماهنايمي Uzi Mahnaimi في تل أبيب وتوني ألان ميلز Tony Allen Mills تحت عنوان "إسرائيل تخشى من هجمات إرهابية هائلة لهدم جهود السلام":

 

( سيتم هذا الأسبوع تقديم مقترحات إسرائيلية جديدة للسلام للرئيس جورج دبليو بوش، وسط مخاوف من أن المتطرفين الفلسطينيين سوف يشنون "هجمات رعب هائلة" بهدف إعاقة الخطة الأمريكية لعقد مؤتمر دولي عن المنطقة هذا الصيف.

تحدد يوم الثلاثاء القادم موعدا لزيارة أريل شارون رئيس وزراء إسرائيل للبيت الأبيض، وتقول المصادر الإسرائيلية أنه ينوي أن يقدم للرئيس بوش "خطة سلام أكثر تفصيلا عن أي خطة تقدم بها أي رئيس وزراء إسرائيلي"، لكن الرسميين الأمريكيين لا يتوقعون أي انفراج جاد للموقف.

وافق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أيضا على استشارة القادة العرب بشأن اقتراح عن مباحثات دولية تقدم به كولن باول سكرتير الدولة الأمريكي.

رغم التفاؤل الحذر عن احتمال قرب استئناف المفاوضات المباشرة فإن الخوف من حدوث معوق إرهابي قد ازداد بعد أن اكتشفت مخابرات الجيش الإسرائيلي خطة لنسف مبني برج أزرييلي في تل أبيب وهو أعلى بناية بالشرق الأوسط. فقد عثرت قوات الكوماندوز الإسرائيلية على نصف طن من المتفجرات في مدينة قلقيلية على بعد 20 ميل من تل أبيب. وقد ادعى الرسميون الإسرائيليون أن جماعة حماس كانت تخطط لهذا الهجوم. حذر البريجادير جنرال يهيام ساسون Yehiam Sasson  مستشار شارون لمقاومة الإرهاب من أن استراتيجية "الهجوم الضخم" قد تمضي إلى ما هو أبعد من التفجيرات الانتحارية للأشهر الماضية، وصرح لجريدة محلية بقوله " نحن نتكلم عن هجمات قد تخلق تغييرا استراتيجيا لصورة الإرهاب".

تقول المصادر الإسرائيلية أن شارون مستعد لقبول الدولة الفلسطينية لكنه يرفض تسليم أرض تكفي لإرضاء عرفات. كما أنه من غير المحتمل أن ينبهر الفلسطينيون بإصرار شارون على أن يقدم لبوش وثيقة من 100 صفحة تبين تفاصيل ادعائه عن الدعم المادي من عرفات للإرهابيين.

تحد الضغوط المحلية المؤيدة لإسرائيل من قدرة بوش على المناورة، وإن كان قد استطاع أن يضع ضغطا كافيا على شارون لكي يطلق سراح عرفات من مجمع رام الله الذي كان حبيسا به. كانت أصوات الكونجرس في الأسبوع الماضي تبين تأييدا هائلا لخط شارون المتشدد، حيث يرى كثير من رجال مجلس الشيوخ والكونجرس أن خطر الإرهاب يبرر تشدده.

يقر الرسميون الأمريكيون بأن مقاومة العرب لجولة أخرى من "المباحثات بشأن المباحثات" تعني أن أي مؤتمر قادم للسلام يجب أن يعالج القضية الأساسية بشأن الدولة الفلسطينية.

ومع ذلك فإن محاولة باول المتواضعة لخلق مجال لتجديد المباحثات تعرضت بالأمس لهجوم شديد من صقور واشنطون. وقد قلل أحد الرسميين الكبار من شأن الاقتراحات القائلة بان المبادرة ترقى إلى مستوى مؤتمر للسلام.)     

 

 

كانت افتتاحية الجارديان البريطانية The Guardian في 7/5/2002 عن مقتل بيم فورتيوين Pim Fortuyn بعنوان "الحق والباطل". تقول تلك الافتتاحية:

 

(يبدو أن بيم فورتيوين كان ضحية المشاعر العنيفة التي اجتاحت أوربا بسبب الارتفاع المفاجئ لشعبية سياسيي اليمين المتطرف الذين أفصحوا عن آرائهم المعادية للهجرة والمتخوفة من الأجانب. كان هذا الهولندي القريب من الجماهير معروفا باسم "البروفيسور بيم" وقد بزغ نجمه في أوائل هذا العام بعد أن حصل على 35% من تأييد الناخبين في انتخابات روتردام المحلية. كان مقتله ليلة أمس لاحقا لنتيجة استطلاع رأي تنبأت بأن حزبه الجديد سيفوز بالمركز الثالث في الانتخابات العامة المزمع عقدها في 15 مايو، وهو نفس مستوى التأييد الذي حصل عليه جان ماري لوبان قائد "الجبهة الشعبية" في فرنسا. كان فوز حزب فورتيوين بنسبة 25% - أو أكثر - من 150 مقعد بالبرلمان يعني ثورة في عالم السياسة الهولندية المغلق. يبدو أن احتمال حدوث ذلك في أعقاب نتيجة الانتخابات الفرنسية كان فوق طاقة تحمل ذلك الرجل الذي حمل مسدسه في هلفرسم Hilversum.

قد لا يشارك معظم قراء هذه الجريدة الرأي مع السيد فورتيوين إلا أنه لا شك في أن من حقه أن يعبر عنه في نطاق حملة انتخابية تجرى بأسلوب ديمقراطي. وليس من الصواب أن نضعه في سلة واحدة مع السيد لوبان وأمثال جورج حيدر بالنمسا. كان فورتيوين يحبذ سياسة هجرة تحدد حصصا دقيقة لدخول البلاد، وكان تأكيده على الاندماج وليس الانفصال. كانت شكواه هي أن المسلمين على وجه التحديد قد يعادون الأفكار الهولندية التقليدية المتحررة فيما يتعلق بالحرية الجنسية وحقوق المرأة. كان شأنه شأن غيره من أفراد اليمين الأوربي المتشدد في ربط العرق والهوية مع مخاوف التغيرات الاجتماعية السريعة وفرص العمل والجريمة والخدمات العامة المنهكة وخاصة قوائم الانتظار بالمستشفيات والتي تشكل بؤرة اهتمام انتخابية. كانت آراؤه في ذلك خاطئة وخطيرة، لكنه لم يكن مجرما مغرورا مثل لوبان ولم يكن مغفلا وهو الأكاديمي والكاتب والماركسي المتطرف الذي انقلب إلى تطرف آخر معاكس وهو الداعية الفخور لحقوق المبتهجين gay rights <"المبتهجين" هو المصطلح الإعلامي اليهودي للشواذ جنسيا والذي تبنته اللغة الإنجليزية لتلك الفئة الكئيبة>. ربما كانت مبادئ فورتيوين تستحق اللوم لكن ذلك الهجوم الجبان عليه كان أشد سوءا.)             

 

 

وعن نفس الموضوع نشرت الجارديان أيضا مقالا لكاتبها جوناثان فريدلاند Jonathan Freedland في 8/5/2002  تحت عنوان "راقب وارتعد" يقول فيه:

 

(حل الخلاف محل الوئام والشك مكان الثقة وسرى في البلاد القلق بعد أن كان الهدوء والصفاء أمرا طبيعيا. كان ذكر هولاندا في الماضي يقترن دوما بالاستقرار الرتيب لكن السياسة بها اليوم قد أضحت ساخنة وعاصفة، وكأنما لم تكفها الاستقالة الجماعية للحكومة منذ شهر مضى. تترقب هولاندا الآن عواقب أول حادث اغتيال سياسي يقع بها منذ القرن السابع عشر. وكما يحدث في حال الكثير من الاغتيالات المتعلقة بالمبادئ فإن الصدمات اللاحقة تسري خارج هولاندا لتمس كل أوربا وموقعها من العالم الواسع.

يستطيع الهولنديون مواساة أنفسهم بأنهم قد نجحوا في أول امتحان لهم، ذلك الامتحان الذي وضعهم فيه مقتل بيم فورتيوين يوم الاثنين الماضي. كان فورتيوين شخصية متألقة وكان مرشحا معاديا للهجرة. اتحد زعماء هولاندا وقرروا عدم تأجيل انتخابات الأسبوع القادم لكي يوضحوا أن الديمقراطية لا يمكن زحزحتها، فالتأجيل كان يعني نصرا فوريا للقاتل يبرهن على أن العنف السياسي يؤتي ثمارا.)

 

يمضي المقال إلى التكهن بأن مقتل فورتيوين قد يعطي حزبه شعبية لا يستحقها كنوع من التعاطف مع رئيسه المقتول، وخاصة من جانب الأصوات التي لم تتحدد رغبتها بعد. على كل حال إن وجود أية قوى بجانب الحزبين الرئيسيين اللذين يسيطر عليهما اليهود يعد انتصارا للديمقراطية الحقيقية. أسوأ ما كان في فورتيوين هو أنه كان من أنصار حقوق الشواذ وأن عداءه لليهود لم يكن واضحا وقال عن الإسلام أنه "دين متخلف".

كان جان ماري لوبان في فرنسا معادلا لفورتيوين في هولاندا لكن اليهود لم يقتلوه وإنما أثبتوا مدى قوة سيطرتهم بالتوحد خلف جاك شيراك، لكن الأمر في فرنسا سوف يكون مختلفا وسيسقط هذا الحلف اليهودي بعد أيام حين تجرى الانتخابات الحقيقية على مقاعد البرلمان وليس على رئاسة الجمهورية الفرنسية حيث لا يستطيع الحزبان عندئذ التوحد ضد لوبان، بعدها سوف يجد جاك شيراك صعوبة شديدة في تطويع البرلمان وقد تنتهي رئاسته قبل الأوان بعد أن يسيطر حزب الأقلية على تمرير القرارات في البرلمان. يستمر فريدلاند إلى القول:

 

(كانت صحيفة دي فولكسكرانت De Volkskrant محقة في إعلانها أن "هولاندا فقدت بكارتها" لن يكون بإمكان السياسيين الهولنديين السفر بالباص والقطار والحماية بينهم وبين الناخبين لا تزيد عن المصافحة باليد.

قد يفوز فورتيوين بعد موته بأن يتسبب في حدوث ميل حاد نحو اليمين، فقد تنبأ أحد كبار قادة حزب العمال بأن الأصوات المتعاطفة ستكون من القوة بحيث تتسبب في نجاح أعداد كبيرة من قائمة بيم فورتيوين إذ سيقول الناس أن "هذا رجل كانت لديه الشجاعة لأن يقول الحق فأخرسوه" وأضاف أنه يخشى من أن تلك الأصوات المترددة سوف تعطي جيش فورتيوين ما بين 30% إلى 40% يوم الأربعاء القادم. بل إنهم ربما يصبحون أكبر حزب في هولاندا ومعظمهم من السياسيين المبتدئين. وقد تكون رئاسة الوزارة من نصيب نائب فورتيوين الأسود الذي لا يعرفه الكثيرون ويرأس تحالفا قطع على نفسه عهدا بمعاداة الهجرة. قد يثير ذلك أزمة دستورية فأغلب الظن أن الملكة "بياتريس" سوف تتردد في ترشيح مثل هذا الرجل لرئاسة حكومتها. هذه هي أوربا تسمع جرس الإنذار مرة أخرى يدق بعنف مخيف. أصبح اليمين المتطرف في حالة من القوة والنشاط لم تحدث خلال الخمسين سنة الماضية. فقد استرعى الانتباه أيضا فوز جان ماري لوبان في فرنسا بستة ملايين صوت إلى جانب جورج حيدر في النمسا والموقف القوي لليمين المتطرف في بلجيكا والدنمارك. لا يمكن تجاهل كل ذلك الآن.)

 

 يستمر الكاتب إلى القول في موضع آخر:

 

(إن نجاح فورتيوين مثل نجاح لوبان هو آخر حلقات سلسلة تمرد الناخبين على سياسة النخبة المستريحة التي يشعر المواطنون بأنهم معزولون عنها. كان أول الظواهر هو إعراض الدنماركيين عن التصويت في استفتاء بشأن العملة الموحدة، ثم جاء تصويت الأيرلنديين ضد اتفاقية توسع الاتحاد الأوربي. وكل من لوبان وفورتيوين وحيدر يحمل نفس الرسالة وهي أن الناخبين يركلون نظاما اقتنعوا بأنه لا ينصت إليهم.)

 

يعيب الكثيرون منا على اليمين الأوربي المتطرف عداءه المعلن للعرب والإسلام لكنني أعتقد أننا نحن العرب يجب أن ننظر إلى هذا الأمر بطريقة أخرى. كانت أوربا دائما ضد العرب والمسلمين نظرا لانفراد اليهود بالسيطرة على الحكومات الأوربية. أما اليمين المتطرف فهو ضد العرب والمسلمين واليهود. وبحسبة بسيطة نجد أن اليمين المتطرف أفضل لنا نحن العرب لأنه يسعى إلى دمار النفوذ اليهودي الكريه. حينما يتم تدمير النفوذ اليهودي يمكن لأوربا بعد ذلك أن تكتشف نبل أخلاقيات العرب والمسلمين في غياب التشويه الإعلامي اليهودي القذر. أوربا أكثر وعيا وتجربتها المريرة مع اليهود أعداء البشرية ليست بعيدة عن الأذهان. أما أمريكا فأمامها وقت طويل لكي تفهم ما فعله بها اليهود في سعيهم الإعلامي الدؤوب لتدمير كل القيم والأخلاقيات بالمجتمعات البشرية.

 

أجمعت الصحف وقنوات التلفاز اليهودية الأمريكية على أن ياسر عرفات هو العقبة الرئيسية على طريق السلام الذي ينشده ويسعى إليه أريل شارون، ذلك الفارس المغوار وحامي حمى الحق والعدل والرغبة في السلام الذي لا يقتل الأبرياء عامدا وإنما يسعى إلى تدمير "عشوش الزنابير" بالمناطق الفلسطينية ويعصره الأسى لموت بعض الأبرياء من المدنيين الفلسطينيين الذين لم يزد عددهم عن بضعة آلاف وكانوا على أي حال يعيشون حياة أقرب إلى الموت منها إلى الحياة بمخيماتهم المكتظة. على عكس عرفات، ذلك الإرهابي السفاح الذي يرسل "القتلة الإرهابيين" لاصطياد الأبرياء من الشيوخ والأطفال الإسرائيليين. إن الملعون يعطي تعليماته بشفرة سحرية عجيبة أثناء حصاره رغم قطع الاتصال عنه ومراقبة خطواته داخل سجنه والتصنت على كل محادثاته الهاتفية. إنه داهية وسفاح عجوز متمرس.

تركز تلك الوسائل الإعلامية ليل نهار على إصرار بوش على الإبقاء على عرفات في مقابل رفض شارون أن يكون عرفات المجرم شريكا في مباحثات للسلام. ويصنعون من تلك القصة السخيفة ملحمة يكتبونها بسيناريو ضعيف أشبه بمسلسلات التليفزيون المصري المطولة التي تدفع أجورها بالدقيقة وليس بالقيمة الأدبية لمضمونها الهزيل.

 

على هذا المنوال كتب مايكل كلي Michael Kelly بالواشنطون بوست Washington Post معقل الصهيونية مقالا بتاريخ 8/5/2002 تحت عنوان "شريك إسرائيل المزيف" يقول فيه:

 

(في يوم 6 يونيو 1967 وهو اليوم الثاني من أيام حرب الستة أيام وقف "أبا إبان" وزير خارجية إسرائيل أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فشرح قضية لجوء إسرائيل إلى الضربة الوقائية في الحرب التي فرضتها الدول العربية وسعت إليها.

كما ورد في الوصف الجديد الممتاز للمؤرخ مايكل أورن عن هذا الصراع بعنوان "ستة أيام من الحرب وكيف صنع الشرق الأوسط الحديث" نظر إبان إلى كل سفير أمامه وقال "انظروا حول هذه الطاولة وتخيلوا أن قوة أجنبية قامت عنوة بإغلاق نيويورك أو مونتريال أو بوسطون أو مرسيليا أو طولون أو كوبنهاجن أو ريو أو طوكيو أو ميناء بومباي، كيف ترد حكوماتكم؟ ماذا تفعلون؟ كم من الوقت تنتظرون؟

تظل هذه الكلمات صيحة إسرائيل التي تعود إلى الطاولة هذا الأسبوع فتتردد من جديد وبإلحاح. هل يجب أو لا يجب على إسرائيل أن ترى في ياسر عرفات "شريكا للسلام"؟ كما تقول تلك العبارة الرشيقة الأثرية.

مازالت الولايات المتحدة تؤمن بذلك، رسميا على الأقل. وهكذا فإنه قبل وصول رئيس الوزراء الإسرائيلي أريل شارون إلى واشنطون قام عدد من الرسميين الكبار بإدارة بوش بإصدار التصريحات في الجرائد وبرامج نقاش الأحد للشئون العامة لكي يضغطوا على شارون حتى يفعل ما صاغه سكرتير الدولة كولن باول في عبارة حساسة بأن شارون يجب أن "يعترف بمن يراه الشعب الفلسطيني رئيسا له" بغض النظر عن "ازدياد خيبة أملنا فيه بمضي الوقت."

نعم نحن قد خاب أملنا فيه قليلا، أليس كذلك؟ لقد أعطينا الرجل عملية سلام ممتازة – ناهيك عن جائزة نوبل للسلام – ومعظم الأرض التي طلبها وميزانية شهرية قدرها 90 مليون دولار، وسمحنا له ببناء جيش على أرض إسرائيلية، وأخيرا – كما كشف دنيس روس  المفاوض الأمريكي السابق في حديث فريد بقناة فوكس نيوز – جعلنا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس وزراء إسرائيل يعدانه بكل غزة وبكل الضفة الغربية تقريبا كدولة فلسطينية متصلة ومستقلة مع حق افلسطينيين في العودة إليها، بالإضافة إلى صندوق تعويضات متعدد الملايين من الدولارات فماذا فعل؟ ذهب إلى محاربتنا. نعم لقد خيب أملنا جميعا.)

 

 سأتوقف هنا عن ترجمة بقية هذا المقال السخيف. هذه هي قمة الصفاقة اليهودية والكذب والتدليس. تلك هي طباع اليهود في إعلامهم ومفاوضاتهم وحتى في حروبهم. يحاولون دائما تزييف الحقائق وكتابة التاريخ على هواهم. عرفات لم يحصل في أي مرحلة تفاوض على دولة مستقلة وأقصى ما تمخضت عنه أية مباحثات أو مفاوضات كان وعودا جوفاء بدولة تدريجية منقوصة السيادة تتخللها المستعمرات اليهودية في كل مكان منذرة بإضاعة الوقت لكي تتم لها الاستدامة وضمان البقاء بفعل الأمر الواقع، ولم يكن اليهود أبدا جادين في أي مفاوضات. كانت المفاوضات والمؤتمرات وما زالت حتى اليوم وسيلة سهلة يضحكون بها علينا نحن العرب لإضاعة الوقت وتثبيت الوضع القائم. يخطئ الفلسطينيون خطأ تاريخيا لو توقفوا عن ضرب العمق الإسرائيلي بعملياتهم الاستشهادية الباسلة التي سيكتب عنها تاريخ الحرية والتحرير نصوصا من نور ونار في المعاني السامية للتضحية والفداء بالنفس من أجل الوطن ولن تخدع أحدا تلك الصيغة اليهودية الخبيثة الحقيرة عن "الإرهابي المتفجر suicidal bomber" أو "القاتل المتفجر homicidal bomber" التي تتم محاولة تسويقها عبر الفضائيات الأمريكية اليهودية بل والعربية أحيانا. لقد ابتدع الفلسطينيون الموت سلاحا فرضته ظروفهم العسرة وهو دليل تاريخي دامغ على أنهم شعب يستحق الحياة. إنهم يموتون لكي يحيوا “They die to live"، أي أن الواحد منهم يستشهد في سبيل المجموع. إن شعبا بهذه الروح لا يمكن أبدا لأعداء الإنسان السيطرة عليه مهما طال الزمن.

اليهودي على أرض فلسطين مغتصب معتد حتى لو كان طفلا أو شيخا أو امرأة. اليهود جميعا لديهم أرض الله الواسعة ويمكنهم الهجرة إلى معظم دول العالم، لكنهم يفضلون أرض فلسطين المغتصبة طبقا لأسطورة يهودية متعصبة عن أرض الميعاد الزائف. أما الفلسطيني فإنه صاحب الحق كل الحق في أرض أجداده من شرق الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، ولن يحصل على أرضه ما لم يروها بدمائه ويريق فوق ثراها دماء أعدائه وأعداء البشرية. لا عيش مع اليهود على أرض فلسطين. السلام أسطورة وهمية ولا بد لأحد الطرفين من الرحيل أو الفناء، ولن يرحل الفلسطينيون أبدا.

 

 

كتب ريتشارد كوهن Richard Cohen في الواشنطون بوست بتاريخ 9/5/2002 تحت عنوان "شاهد إثبات وجود عرفات في غير موقع الجريمة":

(يتم إدراج الموتي بعد التفجير الانتحاري في فئتين: الضحايا الأبرياء في فئة ثم تأتي الفئة الثانية وهي المتفجر الانتحاري نفسه كنوع من الاستدراك أو التفكير المتأخر. أما التفجير الأخير الذي حدث قريبا من تل أبيب فإنه يتطلب فئة ثالثة هي "مصداقية شارون". لقد تم تمزيقها إربا. وبصراحة أنا لست واثقا من أن "المصداقية" هي الكلمة الصحيحة فمن الجائز أن شارون يصدق ما يقول. لكن أن يصر شارون على أن التفجير قد أثبت "النوايا الحقيقية لذلك الشخص الذي يقود السلطة الفلسطينية" فإنه يكون مصرا على ما يشك في صحته معظم سكان العالم، أي كل من كان لديه جهاز تلفاز.

كان ياسر عرفات حتى وقت قصير محدد الإقامة في رام الله. كان محاطا بالجنود الإسرائيليين. لم يدخل عليه أحد ولم يخرج من عنده أحد دون أن يراه الإسرائيليون. وأظن أن كل محادثاته التليفونية كانت تحت المراقبة، فقد كان هذا هو الحال مع عرفات حتى قبل حصاره في رام الله. لذلك فليس من الممكن أن يكون قد أعطى أمرا ولو بشفرة فائقة التعقيد بينما هو سجين.

ماذا لو كان ذلك قد تم بعد الإفراج عنه؟ ما زال هذا مستبعدا. إلا إذا كانت المخابرات الإسرائيلية التي يتباهون بها قد أصبحت فاشلة. أفترض أنهم قد وضعوه تحت عيونهم طول الوقت وأن هاتفه كان مراقبا وسيارته مدسوس بها آلة تصنت ولو كان بداخله جهاز لضبط ضربات القلب وشاء الإسرائيليون إطفاءه لفعلوا.

هناك بالطبع احتمال ضئيل جدا لأن يكون عرفات قد أعطى أمرا بالتفجير أو غض الطرف عنه. لكن شارون لم يرفع مثل تلك الدعوى ولم يقدم أي دليل يهدئ من تشككنا. لا أقول ذلك لأني أعتقد أن عرفات ليس إرهابيا ولم يقم في الماضي بتدبير التفجيرات الانتحارية أو السكوت عنها وإنما لأن شارون هذه المرة يبدو كما لو كان يحيط بالمشتبهين المعتادين.

التفجيرات الانتحارية شيء كريه وهي المذابح الحقيقية في المعركة الإسرائيلية الفلسطينية وليست تلك المذبحة المفتعلة في جنين. القتل المتعمد للأبرياء واضح هنا ولا يلزمه تحقيق من الأمم المتحدة. هذا هو ما يجب على العالم أن يدينه. الانتحاريون المتفجرون هم ما يجب على العالم أن يخشاه وليست التجاوزات العسكرية الإسرائيلية المحدودة من وقت لآخر.)

 

يستمر الكاتب في لعن عرفات لكنه يشرح كيف أنه ليس مستفيدا من التفجير الأخير لأنه يعرف جيدا رد فعل شارون في هذا الموقف وأن بمقدوره أن يخطفه وأن ينفيه مرة أخرى أو أن يدمر القليل الذي تبقى من السلطة الفلسطينية. ويختتم الكاتب مقاله بقوله:

 

(لقد خسر شارون الحرب الوحيدة التي تهم على المدى البعيد. لقد خسرت إسرائيل في الولايات المتحدة وأوربا جولة علاقات عامة مفاجئة، وقائدها يبدو متعنتا بينما يظهر الفلسطينيون بمظهر الضحايا الأبرياء. يحصل عرفات الفاسد على تأييد هؤلاء السذج الذين لا يثقلهم حمل المعرفة بالتاريخ ويغمرهم أحدث ما يعرضه التلفاز من صور، وأما المجتمع اليهودي بأمريكا الذي يرعبه شبح أعداء السامية فإنه قد فقد القدرة على التمييز بين إسرائيل وقيادتها الحالية، وأصبح يتقبل الفشل كما لو كان نجاحا.

الانفجارات تصيب الجميع بالهوس. تمزيق الأجساد والرعب المذهل لرؤية الأبدان تتلاشى يصيبنا جميعا بشيء من الجنون، لكننا لا نستطيع الإفصاح عما نعرفه. حينما تتعاون إسرائيل مع السلطة الفلسطينية تكاد التفجيرات الانتحارية أن تختفي، وعملية السلام الجدية لا تشجع على الإرهاب. المخرج الوحيد من هذه الفوضى ليس بالمزيد من العنف وإنما يأتي عبر الطاولة.)

 

ريتشارد كوهن كاتب يهودي لا يعميه تعصبه ليهوديته أحيانا عن رؤية بعض الحقائق الواضحة، وإن كان مثل بقية الكتاب اليهود مقيدا ببروتوكولات كتاب صهيون المعاصرين من حيث العجز التام عن رؤية دوافع "الشهيد المتفجر" الذي تغطي عليه أكذوبة "الإرهابي المتفجر". هو يرى من منظوره اليهودي أن مقتل المئات من الفلسطينيين في جنين وغيرها أمر هين ومجازر بسيطة أو وهمية لم تحدث لأن حدوثها لم يتم إثباته ولا تعادل في أهميتها موت حفنة من الصهاينة في عملية استشهادية. ويقلل الكاتب من شأن الهول الذي عرضته الشاشات على الناس فيته