فصل جديد في مسيرة العذاب الفلسطيني

 

 بقلم :  د. خالد عبدالله *

 

في جوف المعركة التي كان يصلى خلالها المقاوم الفلسطيني بنار آلة الحرب الإسرائيلية، كانت أنياب النظام العربي تنهش في إرادة المقاوم الفلسطيني، طفلا كان أم شابا أم شيخا، امرأة كان أم رجلا. فقد عمل النظام العربي على جبهات متعددة ليقتل الأمل المشرق، وليجهض العزيمة المتجددة لدى الشعب العربي الفلسطيني. فقد أخرس النظام العربي بأساليب شتى صوتا هادرا للجماهير العربية حينما حوله إلى نداء استغاثة من بطشه. ثم نشر في آفاق المعركة التي كان فيها الأعزل يواجه الدبابة والإرادة تتصدى للقوة الباطشة أنه عاجز عن عمل أي شيء، حتى أصبح التساؤل عن الجيوش العربية في قاموسه إلحادا، وأصبحت الدعوة إلى مقاطعة أمريكا من الكبائر. ثم انتقل بعد ذلك إلى ثالثة الأثافي حينما مالئ أمريكا في شرائها الوقت لدبابات شارون كي تكمل جريمتها، ومن ثم التستر على مجازرها. ولم ينطو بعد هذا المشهد الذي تضافرت فيه هذه القوى على الشعب العربي الفلسطيني، حتى بدأت تخرج من ثناياه معالم مشهد قادم أكثر حلكة وأشد مرارة.

وأول نذر المشهد القادم أن الولايات المتحدة تعمل بممالئة النظام العربي، واستعجال السلطة الفلسطينية إلى العودة إلى صالونات الرؤساء العرب وغيرهم من تمكين إسرائيل من الإفلات من المقصلة الأخلاقية، ومن تحقيق مكاسب سياسية من حربها. نعم لقد دمرت البيوت والمؤسسات وأحالت أحياء قاعا صفصفا بمن فيها، لكنها وقفت حائرة أمام عظمة المقاومة للشعب الأعزل لا تدري ما تفعل وعيون العالم تنظر إليها كنازي بعث حيا من جديد ليخسر حقه في الحياة. وبدل أن يقف النظام العربي ليقول أن الحديث مرفوع عن أي شيء حتى يقوم المجتمع الدولي بواجبه، إذ به يمد إليها بحبل النجاة ويرمي إليها بطوق الخلاص بالإذعان لما تريده أمريكا. وتقزم المكاسب الأخلاقية والانتصارات المعنوية لشعبنا العربي في فلسطين إلى حقوق للسفر بالطائرات، وإلى استعادة البعض لأبهة الوزارات الممنوحة.

أما الفصل القادم في الصراع العربي الإسرائيلي فقد كشف عن ماهيته لوت رئيس الأقلية الجمهورية في الكونغرس الأمريكي حينما أخبر الصحافة ( أن الأمريكان والسعوديين اتفقوا على استراتيجية لممارسة الضغط، كل على انفراد، ولكن بطريقة منسقة على الإسرائيليين والفلسطينيين ). فما هو الضغط الذي سيمارسه الأمريكان على إسرائيل؟ هل سيكون إلا على شاكلة الدعم المطلق لسياسة إسرائيل، وإلا على مثال التستر على جرائمها وحمايتها من النقد والاستنكار العالمي لمذابحها.

فالمقاربة الأمريكية الإسرائيلية لحل الصراع العربي الإسرائيلي تقوم على محور واحد ذي فرعين؛ أمني انتقالي، وأمني نهائي. ففي الفرع الأمني الانتقالي أعطي للفلسطينيين واجبات القيام بالمهام التي كانت تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل المدن والقرى الفلسطينية. وقد نظر إليها الفلسطينيون الذين أمضوا أوسلو على أنها حقوقا.ومع أن الممارسة الإسرائيلية المتمثلة في طلباتها الأمنية المتزايدة باستمرار أرهقت السلطة الفلسطينية لكن السلطة تجملت بالصبر ظنا منها أن ذلك موصلها إلى ما كانت تتوهم أن الإسرائيليين سيقبلون به في نهاية المطاف. ومع أن الشواهد المادية والأفعال الواقعية كانت كاشفة عن النوايا الإسرائيلية والأمريكية، لكن فضل البعض، بتشجيع النظام العربي، أن يلاحق أوهامه. وحينما أزفت ساعة الحل النهائي وجد الفلسطينيون أن ما عرض عليهم هو صورة لما هو قائم، لكن السخاء الأمريكي والإسرائيلي أعطاهم حرية تسميته بما يشاءون. فقد تحول الحل الأمني المؤقت إلى حل أمني نهائي لا هو داخل إسرائيل ولا هو خارجها. وكان ذلك السخاء أيام باراك وفي عهد كلينتون.

أما في العهد الجمهوري- الليكودي، فإن الحل العمالي الديمقراطي ليس واردا. فصقور الحرب الجمهوريين لا يرون في السلام في المنطقة العربية أولوية، فذلك يتعارض مع خطط الهيمنة عليها، لكنهم يريدون تحقيق الهدنة في الأجل القصير تهيأة للعدوان على العراق. ولذلك لم يكلف بوش نفسه إبداء تأييده الكامل للمبادرة السعودية وضيفه في رحابه. فما يريده منها جانبها التطبيعي،و قدرتها على تحقيق الهدوء ولو لحين. كما أن الليكوديين ليسوا في عجلة للوصول إلى أي حل، لأنهم من الناحية المبدئية يعتبرون كل فلسطين لهم، ولأنهم، من الناحية العملية، يظنون أن خضوع العالم لأمريكا، وخنوع العرب في مواجهتهم فرصة لا تضيع لخلق المزيد من الوقائع على الأرض. غير أن الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية جعلت جهود التغيير على الأرض مستحيلة، بل أنها أضحت تؤثر على مسار التغيير سلبا، من حيث أنها أصبحت ترغم المستوطنين على الهرب من مستوطناتهم، بل اليهود من إسرائيل. فما يسعون إليه هو وقف الانتفاضة بأي ثمن. ومع أن الحركة الصهيونية لا تأبه لا نظرا ولا فعلا للقيم الأخلاقية، إذ كما قال بن غوريون ( من يتعامل مع المسألة الصهيونية من المنظور الأخلاقي فليس بصهيوني)، إلا أنها كانت تبذل المستحيل في علاقاتها العامة كي تبدو نظيفة في مرآة الأخلاق. لكن مع ذلك لم يتردد الجيش الإسرائيلي في ارتكاب جرائم الحرب علانية وعلى مدى واسع وبشكل فج تحت أنظار العدسات، فكل ذلك ثمن تبرره ضرورة وقف الانتفاضة التي توقف مسار التغيير على الأرض. ولو كانت إسرائيل تفكر لحظة في السلام، بل في الأمن ، لما فعلت ما تقوم به لأنه لن يؤدي إلا مزيد من الكراهية والتصميم على مقاتلتها وبالتالي زعزعة أمنها. ولكن قامت بحربها ليس غباء بل إدراكا وإيمانا أن ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية أهم لديها من السلام والأمن.

وقد انتقلت الآن إسرائيل إلى مرحلة جديدة في مفهوم الأمن، فبدل أن تعتمد على السلطة في لجم المقاومة، أخذت على عاتقها القيام بغارات أمنية تقتل من تشاء، ثم تملي على السلطة سجن من تريد بإشراف أمريكي. فالاتفاق حول سجن المتهمين بقتل الوزير الإسرائيلي بإشراف الاستخبارات الأمريكية سابقة ستتكرر. فقد قررت إسرائيل على ما يبدو الجمع ما بين الغارات على المدن والقرى وابتزاز السلطة الفلسطينية لفرض القيود على المقاومة الفلسطينية.

وتحتاج الولايات المتحدة إلى من يساعدها في جهودها لفرض فترة هدوء في فلسطين. فهي تتوقع من النظام العربي بعد أن مارست الضغط عليه أن يقوم بهذه المهمة بتسليط الضغط على القيادة الفلسطينية حتى تمنع أعمال المقاومة. ولن يعدم النظام العربي الحجج ولا الوسائل مهما كانت زائفة من أجل ممارسة الضغط. فالعمليات الاستشهادية ستصبح من جديد عمليات انتحارية لا يقرها الشرع ولا تخدم القضية الفلسطينية. وسيجند فقهاء السلطان لقذف فتاواهم في وجه المناضلين، وسيدبج كتبة المماليك كل تافه القول وسقيم المعنى عن سلاح العقلانية الذي سيطيح بشارون. وسيبدو نظامنا  العربي وكأن الشرع قد تغلغل في كل زواياه وتمكن من نفوس كل أمرائه، وستظهر حكوماتنا لا تنام ليلها مسهدة التفكير في كيف تنصر الفلسطينيين وتعيدهم إلى بلادهم. وسيردف كل ذلك باستخدام الأموال لحث السلطة كما المنظمات على حد سواء للالتزام بالمنهج الجديد.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه النظام العربي والسلطة الفلسطينية بالمراوحة بين تقرير ميتشيل وخطة تينيت ومقترحات زيني وزيارات سولانا، سيواصل الاحتلال الإسرائيلي صنع ما يعرفه وما يريده. فستتوسع المستوطنات وتتكاثر، وسيتواصل هدم البيوت وقلع الأشجار واغتصاب المياه، وسيستمر المواطن الفلسطيني في تلقي الإهانات وفي تجرع الإذلال وفي تحمل الإرهاب حتى يتمكن أولو أمره من مواصلة المفاوضات. وحين يصل المفاوض الفلسطيني إلى الحل النهائي سيجد أن ليس عليه إلا أن يضع  اسم الدولة الفلسطينية على ما بين يديه.

هذا هو المنظر الذي تريد أن تراه إسرائيل وامريكا في الأرض المحتلة وتجند له النظام العربي، وان استطاعت السلطة الفلسطينية. لكن المقاومة وقد انطلقت لن تحتاج إذنا بالاستمرار، بل هي التي ستعطي الإذن للآخرين بالبقاء.

 

 

  * الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن