المقاومة الفلسطينية البطلة تتواصل ..

و عليكم الاستمرار فى واجب النصرة

مليون اسرائيلى هربوا من فلسطين المحتلة ..

و حكامنا ما يزالون مرتجفين من اسرائيل

 

   بقلم : مجدى أحمد حسين

magdyhussien@hotmail.com

 

أكتب فى 10 مايو 2002 .. أى بعد مرور قرابة 40 يوما على الاجتياح الاسرائيلى للضفة الغربية .

و تحتاج حركتنا الشعبية فى مصر و الوطن العربى الى تقدير موقف . و هذا ما أركز حديثى عليه اليوم .

عقب قيام العدو بحملة هجومية .. عادة ما ترتفع الأصوات الداعية للاحباط و التى تنشر روح الهزيمة .. مستمدة موقفها من الخسائر المادية و البشرية التى أحدثتها جرائم العدو الصهيونى الأمريكى .. و التحليل الاجمالى للموقف يؤكد  خلاف ذلك . ان حالة الموقف العربى الاسلامى عقب هذه الغزوة قد ارتفعت الى حالة نوعية جديدة فى مواجهة الحلف الصهيونى - الأمريكى .. و ان المعركة تتطور لصالحنا على مستوى الصراع العالمى .. و على مستوى بؤرة الصراع فى فلسطين و ما حولها.. كيف؟!

فى صراعنا مع العدو ليس التكافئ المادى هو المعيار الأساسى .. فالصراع يعتمد فى مجراه و فى نتائجه .. على النواحى المعنوية بالاساس .. و التى تؤدى بدورها الى ارتفاع كفاءة المواجهةالمادية ( الاقتصادية و العسكرية ) .

ان العقبة الأساسية التى كانت تواجه القوى الوطنية و الاسلامية .. لم تكن صلافة العدو و اجرامه .. ولا تخاذل الحكام .. بل كانت غيبة الجماهير عن حلبة الصراع .. وعدم ادراكها لمخاطر الحملة الصليبية المعاصرة ..

ان الارتفاع النوعى لوعى الجماهير بمخاطر هذه الحملة .. و ضرورة التصدى الحاسم و المباشر لها .. دفاعا عن الكرامة و الشرف و العرض و العقيدة .. هو المكسب الأعظم و الأهم الذى تحقق خلال الشهر الماضى .. و ان تحويل هذا الوعى الى عمل جماهيرى منظم واسع و منتظم و متواصل .. هو الذى سيحول دفة الصراع نهائيا لصالحنا .

كانت مشكلتنا الكبرى ان العدو الصهيونى الأمريكى كان ينفرد و يستفرد بكل قوة أو قطر أو شعب لينكل به على حدة .. وسط مباركة أو صمت باقى الشعوب العربية و الاسلامية .. أو بمعنى أصح معظم هذه الشعوب .

ففى الحملة الأمريكية على العراق .. التى حققت تدميرا واسعا فى هذا القطر الشقيق .. كانت معظم الدول العربية مشاركة أو مباركة لهذا العدوان .. وفى المعركة الحربية وقف العراق وحده تقريبا .

و لم تتمكن الحركة الشعبية العربية و الاسلامية من وقف التعاون الرسمى العربى - الاسلامى مع العدوان الأمريكى .. الا فى نهاية الحرب ..

كذلك تم اجهاض الانتفاضة الفلسطينية الأولى بدعاوى مدريد و أوسلو و ما بعدهما من سراب التسوية السلمية .. و شارك النظام الرسمى العربى فى معظمه فى خداع الرأى العام العربى و الاسلامى بهذا الطريق المسدود .

و فى حرب أمريكا لحصار ليبيا .. ترك النظام الرسمى العربى ليبيا فريسة لهذا الحصار الجوى وشارك فيه و خضع لقرارات مجلس الأمن الجائرة .

و فى حرب أمريكا على السودان .. التى خاضتها بالوكالة قوى التمرد السودانى مدعومة بالأنظمة العميلة فى ارتريا و اثيوبيا و أوغندا .. خاض السودان الحرب بمفرده تقريبا .. مع مساندة شعبية غير كافية .. و مساندة رسمية عربية محدودة .. وكان لصمود السودان تكلفة مادية و بشرية عالية ..

و فى حرب أمريكا على أفغانستان .. تكررت نفس أساليب الاستفراد الأمريكى .. و التخلى العربى - الاسلامى .

و كانت الحركة الشعبية العربية و الاسلامية خلال كل هذه الحلقات .. تتصاعد و يشتد عودها .. و يزداد وعيها بشمولية المعركة .. و أنها ممتدة على مستوى الكرة الأرضية بأسرها .. و أصبحت الجماهير تدرك رويدا .. رويدا معنى الآية الكريمة ( و قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) ..

و لم تخلو سنوات التسعينيات من الانتصارات عندما توافرت الحدود الدنيا من شروط التناصر و من ثم النصر .. فكان التحالف اللبنانى - السورى - الايرانى كافيا لاحداث انتصار مدو على العدو الصهيونى فى جنوب بنان .. و كانت المقاومة الشعبية الباسلة فى الصومال كافية لانسحاب أمريكى فورى .. و تصاعدت المساندة الرسمية و الشعبية للعراق لتكون معاول للحصار المحكم على العراق .. و كان صمود العراق و تآكل الحصار من حوله .. انتصارا جديدا فى حد ذاته .. وكان الصمود اللبنانى - السورى ضد الغطرسة الأمريكية التى أعقبت أحداث 11 سبتمبر .. و رفض شروط التضييق على حماس و الجهاد و حزب الله .. خطوة كبرى الى الأمام .

 

الانتفاضة الفلسطينية : 

و تظل الانتفاضة الفلسطينية الباسلة التى اندلعت منذ 19 شهرا أبرز علامات التقدم و الانتصار على الحلف العدوانى .. ففلسطين هى قلب الصراع العالمى .. و الكيان الصهيونى هو رأس رمح المخطط الصليبى المعاصر ..

فماذا حققت الانتفاضة التى تحولت الى المقاومة المسلحة حتى الآن ؟

ان أبرز ما حققته هذه الانتفاضة هو اعادة الكيان الصهيونى الى المربع رقم واحد .. فبينما يتغزل المطبعون و الانهزاميون فى قوة هذا الكيان .. برهنت الانتفاضة أنه نمر من ورق .. فاسرائيل تعانى من أكبر أزمة اقتصادية منذ نشأتها .. وفقا لتحليلاتهم .. و بالأرقام .. بسبب هذه الانتفاضة .. الانتاج الصناعى حقق انخفاضا بنسبة 5,5 % عام 2001 ، بعد ان كان قد حقق ارتفاعا بنسبة 10% فى عام 2000 بالمقارنة مع عام 1999. و كانت معدلات الانخفاض أكبر فى قطاع التكنولوجيا المتطورة التى تشمل الالكترونيات و معدات الطيران و الأدوية حيث بلغت نسبة الانخفاض 8,6% عام 2001 بينما كان هذا القطاع قد حقق زيادة فى عام 2000 بنسبة 26% بالمقارنة مع عام 1999 .

كذلك حققت البطالة رقما قياسيا فى تاريخ اسرئيل القصير فوصلت الى 258 ألف عاطل فى الربع الأخير من عام 2001 و هى تمثل نسبة 10% من القوة العاملة .

و أفاد بنك اسرائيل المركزى ان حجم الاستثمارات المالية الأجنبية انخفض فى عام 2001 الى 4,5 مليار دولار مقابل 11,2 مليار دولار فى العام 2000 و هذا الانخفاض يعادل ما نسبته 60%  .

كما انخفضت الصادرات الصناعية بنسبة 16,5% عام 2001 . أما على صعيد اجمالى الناتج المحلى الاسرائيلى فقد انكمش بنسبة 4,7% وهو ما أعتبر أسوأ أداء للاقتصاد الاسرائيلى منذ عام 1953 و قد ساهم بذلك فى الأساس تأثير الانتفاضة على قطاعى السياحة و البناء . بل لقد وصل انكماش الناتج المحلى الى 7,2% فى الربع الأخير من عام 2001 .

الا ان الضربة الأساسية ليست فى هذه الجوانب الاقتصادية و التى قد يكون بامكان الكيان الصهيونى ان يمتصها و ان يعوضها بالعلاقات الدولية مع الصهيونية العالمية و أوروبا و أمريكا .. المهم ان نربط ما يجرى فى الاقتصاد .. بالانهيار النفسى الشامل.. لساكنى الكيان الصهيونى .. بانهيار نظرية الأمن الصهيونية .. بعودة الاسرائيليين الى أجواء حرب 1948 .. بدون الروح القتالية التى كانت لديهم فى بداية تأسيس المشروع الاستيطانى الاستعمارى ..

ولنبدأ بهذه الحقيقة الكلية .. و حيث ناقشت الكنيست (البرلمان الاسرائيلى ) مؤخرا حقائق بالغة الخطورة من واقع بيانات وزارة الداخلية .. تؤكد ان مليون اسرائيلى يعيشون بصورة دائمة أو شبه دائمة فى دولة أجنبية ( أى خارج اسرائيل!! ) .. منهم نصف مليون يعيشون بصورة دائمة ، و 245 ألف من بين المليون الذين يعيشون فى الخارج يحملون جوازات سفر سارية المفعول ( أى انهم يعودون الى اسرائيل أحيانا و يجددون جوازات السفر و يسافرون ) أما الباقون فيكتفون بجنسيتهم الأجنبية . ( يديعوت أحرنوت ) .

و من علامات هشاشة الكيان الصهيونى ان الاحصاء الرسمى لسكان اسرائيل يشير الى ان 200 ألف من المهاجرين الروس هم من غير اليهود .. و هناك دعوة لتهويد هؤلاء !!

نحن أمام حالة من الانهيار النفسى فاذاعة الجيش الاسرائيلى أشارت الى ارتفاع بنسبة 50% لعدد أفراد الشرطة الذين يتوجهون الى عيادات الطب النفسى خلال الآونة الأخيرة و أوضحت الاذاعة ان هذا الارتفاع ناجم عن كثرة تعرض أفراد الشرطة لحالات من الفزع و الهلع جراء تعاملهم مع العمليات الفدائية التى ينفذها الفلسطينيون داخل الخط الأخضر و فى الضفة و القطاع .

ان أخطر تحول قد حدث هو فقدان اليهود الاسرائيليين لليقين  بوجود و استمرار الكيان الاسرائيلى .. و هذه حالة لم يصلوا اليها منذ عام 1948 .. اللهم الا خلال الأيام الأولى لحرب أكتوبر 1973 .. فحتى القدس التى يقولون انها عاصمة أبدية موحدة لهم .. يكتب أحدهم فى (معاريف) مقالا بعنوان مدينة بلا مستقبل يقول فيه :

( بعد 34 سنة من توحيدها المزعوم فان القدس مقسمة مثلما لم تكن أبدا ) .. و هو يشير الى خوف الاسرائيليين من التوجه لزيارة القدس الشرقية القديمة ..

( المدينة فى تراجع .. وسط المدينة الذى كان يعج بالحياة أصبح كئيبا بسبب الأزمة السياحية و عن القذارة فى شوارع القدس فحدث ولاحرج )  ( الميل اليوم فى أوساط الشباب هو مغادرة المدينة و الهروب منها ).. ( و للبلدة القديمة لايصل أحد . و فى الحرم لن تجدوا زائرا يهوديا )

( و كان زوار البلدة القديمة قبل الانتفاضة يصل الى 100 ألف فى أيام السبت ) .

 

                                          *******

 

و الآن فان نصف الاسرائيليين - وفقا لاستطلاعات الرأى - يوافقون على ازالة كل المستوطنات فى الضفة الغربية و قطاع غزة .

و أحاديث التنازل عن (يهودا و السامرة ) أى الضفة الغربية فى تصاعد مستمر ..

يقول أديب اسرائيلى شهير ( يجب تقديم سبب ما للطرف الثانى كى يتنازل عن استعمال العنف . يجب ان نفعل الآن ما سنضطر الى فعله فى النهاية .. بعد خسارة مزيد من القتلى )

و يقول ماير فلنر و هو من الموقعين على وثيقة تأسيس اسرائيل :

( أخاف على وجود دولة اسرائيل ، و أرغب فى بقائها لذلك أرى ضرورة الانسحاب الفورى الى حدود 4 يونيو 1967 ) و يرى ( اذا استمر الوضع الحالى عشر سنوات اضافية فلن تكون هناك دولة اسرائيل ) .

و يدعو أديب اسرائيلى آخر ( يهو شواع ) الى انسحاب من جانب واحد من معظم أراضى الضفة و غزة .. يتحتم علينا الخروج من هذا الجنون ( يقصد العمليات الاستشهادية ) .

و تدعو الكاتبة يهوديت مندل الى الانسحاب الآن من الأراضى المحتلة قبل الانسحاب الاضطرارى غدا لتوفير القتلى . و يقول يعقوب أغمون ( مدير عام لأحد المسارح ) .. (فقدنا العقل السليم .. ولا يوجد منطق وراء اتخاذ القرارت السياسية ) .

و تدعو آسر ديان الى اعلان السلام من جانب واحد .. و اخلاء المستوطنات .. و الانسحاب الى حدود 4 يونيو و حتى الى الموافقة على عودة اللاجئين العرب مقابل استعادة اليهود لممتلكاتهم فى البلاد العربية .

 

                                     ******

 

كل هذه الأقوال تصب فى معنى واحد .. و هو انهيار فكرة مشروع اسرائيل الكبرى .. و ان الاتجاه المتصاعد لدى اليهود الآن هو الحفاظ على الكيان الاستيطانى الذى تم تأسيسه عام 1948 .

و هذا تراجع شديد بالمقارنة مع وضع اسرائيل منذ عشرين عاما حين امتدت من بيروت الى قناة السويس .. و هو تراجع شديد مع وضعها فى بداية التسعينيات .. حين طرحت مشروع الشرق أوسطية .. و أرادت قيادة المنطقة اقتصاديا مع احتفاظها بالأراضى المحتلة فى لبنان و سوريا و الضفة الغربية و غزة .. أما الآن فقد انهار المشروع الشرق أوسطى بلا رجعة .. و اضطرت للانسحاب من جنوب لبنان ( عدا مزارع شبعا ) دون مقابل .. بل على العكس أصبحت جبهة لبنان أخطر جبهة تواجهها بعد الانتفاضة .. لقدرات حزب الله و تكاتف لبنان الرسمى و الشعبى و سوريا و ايران معه .. و الآن يتحدثون عن الانسحاب الاضطرارى من الضفة و غزة ..

وهذا الوضع الاسرائيلى .. يوضح حجم الانجاز العظيم لانتفاضة الشعب الفلسطينى .. و يوضح حجم الخيانة و التقصير للحكام العرب الموالين لأمريكا .. التى تطعن هذا الانجاز العظيم للأمة .. بمحاولة احياء الميت (عملية السلام و خيار السلام الاستراتيجى ) .  و لكن دعونا من هؤلاء الحكام الآن .

و لنعد الى سؤالنا الرئيسى : هل أدى اجتياح الضفة الغربية و الضربات العسكرية لقواعد المقاومة فى نابلس و جنين و غيرهما الى اجهاض خيار المقاومة؟!

و هل أدت عملية السور الواقى الى تغيير المسار الذى نتحدث عنه ؟

ان كثيرا من الخبراء العسكريين و من بينهم قادة سابقين فى أجهزة المخابرات الاسرائيلية أكدوا ان هذه العملية لن تحقق هدفها فى وقف العمليات الفدائية و الاستشهادية .. و أشاروا الى ضرورة التوصل الى حل سياسى .

و فى كل اللقاءات الجماهيرية التى حضرتها الأسبوع الماضى .. أكدت ان الضربات الموجعة لن توقف المقاومة .. فقد تحول الشعب الفلسطينى الى شعب استشهادى و شعب وصل الى هذه الدرجة من  السمو لا يمكن ان توقفه قوة مادية عن مواصلة طريقه .. و ان المعدات و الأدوات يمكن تدبيرها و استعواضها .. و قد استندت فى رؤيتى هذه الى التحليل و المعلومات .. و أشرت الى تدمير دبابة ميركافا و سقوط عدد من القتلى اليهود فى الخليل و نابلس  و غزة .. و أخيرا جاءت العملية الاستشهادية البطلة و الموفقة فى جوار تل أبيب .. ليس لتشفى الغليل فحسب .. بل لتؤكد هذا التحليل الذى أشرنا اليه مرارا فى جريدة الشعب  ( لاحظ مقالات الأستاذ \ طلعت رميح ) .. و جاءت عمليتان غير موفقتين فى العفولة و بئر سبع .. و لكنهما أدتا المقصود .. و هو اثارة مزيد من الفزع و الرعب فى صفوف الذين كفروا .

و أهمية عملية بئر سبع انها تمثل امتدادا جديدا فى جنوب فلسطين للعمليات الفدائية.

و اليوم يهددون باجتياح غزة .. و هم خاسرون فى الحالين .. اذا أقدموا على هذه الجريمة سيتلقون خسائر أكبر من خسائرهم فى الضفة ( 53 قتيلا و أكثر من 120 جريح ) .. و سيضعون الحكومة المصرية فى وضع أكثر احراجا .. و لعلها تحس هذه المرة .. و تدرك مصيبتها .. أما الفلسطينيون فهم قادرون على امتصاص هذه الضربات و مواصلة الطريق . أما اذا تراجع الاسرائيليون عن خطتهم بغزو غزة فستكون هزيمة معنوية أخرى .

لقد قال هوشى منه زعيم المقاومة الوطنية الفيتنامية بدوافع وطنية ( غير ايمانية ) للأمريكيين : ( بامكانكم ان تقتلوا منا عشرة .. و لكننا فى المقابل سنقتل منكم واحدا.. و انتم الذين ستتعبون ) .

و حتى الآن فان النسبة فى فلسطين المحتلة تتراوح بين 1 : 3 و 1 : 4 .. و هذه هى أهمية العمليات الاستشهادية التى تعدل الميزان كلما اختل . فحتى الآن شهداء الانتفاضة يدورون حول الألفين ..و قتلى اسرائيل تجاوزوا الخمسمائة ..

و فلنر المشار اليه .. على حق حين يقول ان استمرار الوضع الراهن لمدة عشر سنوات اضافية سيؤدى الى زوال اسرائيل .. بل استطيع ان أقول ان الأمر لايحتاج الا لستة شهور أخرى أو سنة لانسحاب اسرائيل اضطراريا على الأقل من الضفة الغربية و غزة .. و هذا بدوره بداية النهاية لاسرائيل .

ان التفاف أغلب الاسرائيليين حول شارون هو حيلة العاجز فلا يوجد أمامهم بديل آخر سوى الاستسلام و التخلى النهائى ليس عن مشروع اسرائيل الكبرى فحسب .. بل عن اسرائيل القوية التى لها الأمر و النهى  فى شئون المنطقة .

و ليس معنى ذلك ان نترك الفلسطينيين و حدهم على طريقة ( اذهب انت و ربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون ) .. و لكن بطريقة تصعيد المقاومة الشعبية للوجود الصهيونى - الأمريكى فى مصر و شتى البلدان العربية و الاسلامية . و مواصلة الجهاد السياسى من أجل قطع كافة العلاقات مع اسرائيل و فك ما يسمى التحالف مع أمريكا .

و المكسب النوعى الذى تحقق كما ذكرت هو هذه النهضة الشعبية المتواصلة و التى لا تنحصر فى المظاهرات .. بل تمتد الى الاجتماعات الجماهيرية المتواصلة فى النقابات و المساجد و غيرها من الأماكن العامة .. و اللجان الشعبية التى تؤسس فى كل مكان . و النجاح المنقطع النظير فى مقاطعة البضائع الأمريكية و اليهودية .. و الذى لابد من حراسته و تطويره و تصعيده . ان حركة شعبية متنامية ضد الحلف الصهيونى - الأمريكى لا تقتصر على النخب السياسى و الكوادر .. هو المكسب الأكبر الذى خرجنا به من مجازر جنين و نابلس و بيت لحم .

و هذه الحركة ستتصاعد و سيعجم عودها .. و ستطارد النفوذ الصهيونى و الأمريكى  فى مصر و غيرها من بلاد العرب و المسلمين .

ان المعركة أصبحت فى مسارها الصحيح .. و أصبح الجمهور يعرف من هو العدو ؟ و من هو الصديق ؟ و كلما نزلت الجماهير الى ميدان المعركة كلما تحول الأمريكان و اليهود الى فئران مذعورة .. و كلما اجبر الحكام على  تعديل سلوكهم للتماشى مع تيار الجماهير .. أو تعرضوا للسقوط .

ان حكومة الرئيس مبارك تقوم الآن بأسوأ الأدوار .. و تقول الصحف الاسرائيلية ان زيارات ماهر وزير خارجية مصر المتكررة لعرفات كانت وراء اقناعه باصدار البيان الخائب الأخير ضد الارهاب .. و التعهد بالقتال مع أمريكا ضد الارهاب !! و كانت وراء الصفقات الخائبة و المشبوهة لفك حصار عرفات .. و كأن حياة عرفات هى الهدف فى حد ذاته .

و ذلك باستقدام حراس أمريكيين بريطانيين للمجاهدين المحبوسين . و كذلك قيام عرفات باعتقال 24 من أعضاء حماس و الانهاء المذل لحصار كنيسة المهد  . و الحقيقة اننا لايمكن ان نكذب الصحف الاسرائيلية لان حكومة مصر لم تنف ماورد بها .. و كذلك فان الممارسات و السياسات الحكومية المصرية المعلنة تؤيد كل خطوات عرفات الأخيرة التى تعود مرة أخرى الى شق الصف الوطنى الفلسطينى . و العودة الى منطق التعاون مع المخابرات الأمريكية القذرة ( السى أى ايه ) لاعادة تشكيل أجهزة الأمن الفلسطينية فى جهاز أمنى موحد ..

و لم نسمع فى الأولين أو الآخرين ان هذا الجهاز القذر ساهم يوما فى اعادة الحقوق لأى شعب فى العالم .

و لكن الحكومة المصرية و عرفات يريدان ان يمررا هذه المعانى الكريهة و الكاذبة . و اثارة مناقشات سخيفة حول مؤتمر جديد للسلام بدلا من رفضه من حيث المبدأ .. و طرح انهاء الاحتلال  الاسرائيلى الذى استمر 35 عاما بالمخالفة لقرارات مجلس الأمن و الجمعية العامة للأمم المتحدة . وهذا التقليص البائس الجديد للمبادرة السعودية .. الذى أعجب شارون . لانها اقتصرت فى ثوبها الجديد على الانسحاب من المناطق أ . و اعادة بناء و ترميم السلطة الفلسطينية فى ظل الاحتلال .. و العودة الى طاولة المفاوضات .

ان حلف الحكومة المصرية - العرفاتية - السعودية .. يريد ان يمارس مع الشعب العربى لعبة السيدة التى كانت تغلى الماء فى قدر بها حفنة من الحصى لتصبر أطفالها على الجوع . و لكن هذه السيدة كانت مغلوبة على أمرها .. و نواياها شريفة .. أما هذا الحلف فهو يخادع الشعب العربى لكسب الوقت و هم يعلمون أكثر من الجماهير ان أمريكا و اسرائيل لن تعطى الشعب الفلسطينى حقوقه .. و لا الأمة الاسلامية مقدساتها. انهم يمارسون الخداع مع سبق الاصرار و الترصد .. و لاهدف نبيل لهم .. انهم يدعون الضعف و يخذلون الأمة .. بينما الامكانيات المصرية و السعودية اذا تم ضمها الى الجبهة الشرقية فانها تحسم الصراع تماما ضد الحلف الصهيونى - الأمريكى..

و لكن الجديد ان امكانيات الخداع أصبحت محدودة و تصل الى مستوى الصفر .. لقد شبت الشعوب العربية على الطوق .. و ستواصل حملتها و عداءها لهؤلاء الحكام و ستجبرهم على تغيير المسار ..

ان كل مواطن يقاطع سلعة أمريكية .. يسدد لطمة مباشرة لحاكمه الذى يتعاون مع حكومة أمريكا و شركاتها .. وهذا هو الاستقطاب الذى يتعمق كل يوم بين الحكام الموالين لأمريكا و جماهير شعبهم .. حقا لقد كانت الهوة موجودة دائما .. ولكن الآن فان عملية الاستقطاب تجرى بنشاط و من خلال أعمال ايجابية .. و هو ما يفتح الطريق واسعا للتحرر من براثن التبعية و عملائها .

ان أهم البرامج التى كانت بالمحطات الفضائية فى الأسابيع الماضية .. هى البرامج التى كانت مفتوحة للاتصالات الهاتفية .. حيث ركز المتحدثون من البلدان العربية و الاسلامية على نقطة جوهرية : مشروعية هذه الأنظمة التى سقطت فى أوحال مخيم جنين .. و على أعتاب نابلس القديمة .. و مع كل امرأة اغتصبت .. و مع كل طفلة فلسطينية قتلت . و دعا كثير من المتحدثين الى التمرد الشعبى على هؤلاء الحكام . فلعلهم يتعظون .. أو يخشون .. من العواقب الدنيوية اذا لم يكونوا يخشون الله .

نحن فى لحظة شبيهة بالحالة التى أعقبت حرب 1948 .. و لكن من نقطة أعلى .. حيث وعى الشعوب و الحركات الوطنية أعلى .. و المرجعية الاسلامية أعمق .. و حيث الأهداف أكثر وضوحا .. و معانى الاستقلال الحضارى أكثر ادراكا .

ان المجابهة الميدانية مع العدو الصهيونى- الأمريكى لا تتطور على الصعيد الفلسطينى فحسب .. ان الأمة تقاوم و تزأر و تضرب فى كل مكان .. ولا يمر يوم بدون خسائر لأمريكا و حلفائها .. فى أفغانستان و باكستان و اليمن و لبنان (طرابلس ) و فى قلب الولايات المتحدة نفسها .. و فى تونس .. و حتى فى الشيشان لم يفرح الروس كثيرا بقتل الشهيد خطاب .. فكانت الضربة الموجعة لقواتهم العسكرية فى داغستان بالعشرات .. ان هذه الأمة قد انتفضت و لن تهدأ انتفاضتها حتى تمرغ أنف أمريكا فى التراب .. ( و حول أمريكا و مصيرها سيكون حديثنا القادم باذن الله ) .

 

                                  ******

 

(و ما نرسل المرسلين الا مبشرين و منذرين و يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق و اتخذوا آياتى و ما أنذروا هزوا . و من أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها و نسى ما قدمت يداه انا جعلنا على قلوبهم أكنة ان يفقهوه و فى آذانهم وقرا و ان تدعهم الى الهدى فلن يهتدوا اذا أبدا ) الكهف 56 - 57

                                 صدق الله العظيم

www.alshaab.com