هؤلاء الدعاة.. لماذا ننتقدهم؟

 

بقلم : د.نورة السعد

 

يقال إن الإنسان ابن عصره وابن بيئته.. نعم هو ذاك ولكن هو أيضاً ابن عقيدته، وامتداده الإنساني الذي مرت به تجارب النبوات ومعطيات رسالات السماء.. وهو بالتالي لا يستطيع أن ينفصل عن هذين المحورين.. محور الثبات في شخصيته وفي القيم الأساسية لعلاقته بالكون والحياة والمجتمع، ومحور الحركة في محيطه وعصره.. ومهما مرت به من محن وكوارث أو مغريات تبعده عن محور الثبات يظل هو ذاك المسلم الصافي العقيدة ابن الفطرة الذي تهديه هذه الفطرة إلى العودة إلى سبل الرشاد والابقاء في دوائر الهداية..

حالياً ومجتمعاتنا المسلمة تمر بمتغيرات عقدية وثقافية وسياسية وعسكرية واقتصادية عالمية يواجه المسلمون على وجه الخصوص عداءً سافراً لم يعد يخفى حقيقته وحقده.. فالهجوم شرسٌ وعنيف يستخدم تقنية وسائل الاتصال والإعلام في إيصال رسائله المشحونة بالقيم البعيدة عن نسق (قيمنا الإسلامية).. ويستخدم الترغيب والترهيب في تفريغ الذات الإسلامية من جوهرها.. بل ويستخدم عبر الآلة العسكرية سحق أجساد المسلمين أحياءً، أو دفنهم أحياءً في قراهم، واعتبار وجودهم حقول تجارب لليورانيوم المنضد وللقنابل الجرثومية وسواها من مخترعات التدمير الجرثومي للنفس والفكر والجسد.. حالياً المسلمون في الهند تقطع أجسادهم بالسواطير أحياء ثم يحرقون!! في حرب شرسة يشنها الهندوس بمباركة حكومية مما دفعت ببعض المسلمين إلى هجر منازلهم ومتاجرهم خوفاً على نسائهم وأطفالهم.. وذاكرة (الشبكة الإلكترونية) تحتوي ملفات كاملة لمشاهد مرعبة لكيفية تعذيب المسلمين في جاكرتا، والفلبين، والشيشان وكشمير.. و.. الخ وكيفية مطاردة الدعاة واتهامهم بالإرهاب، وهدم المساجد، وتجفيف منابع الجهات الخيرية الإسلامية وإغلاق المدارس والمعاهد القرآنية بدعوى تلقين الإرهاب..

في هذا الخضم الثائر من اختلاط الشعارات، وخنق أصوات الحق وإعلاء صوت الباطل.. تحت مسميات عديدة وفق سياسات واستراتيجيات لا يتقبلها عاقل، ولكن في ظل أن يكون (شارون رجل سلام) لا يستغرب أن تنقلب المفاهيم رأساً على عقب!!

في هذا الوقت المعاصر.. والإنسان ابن بيئته.. نتساءل عن فئة (الشباب المسلم) الذي يعيش ضمن هذه المنظومة الإعلامية والثقافية والسياسية المضطربة.. والمناخ يمتلئ بالشوائب والأهواء.. وبعض منها يستميل الغرائز ويستثير كوامن الضعف البشري لديهم كفئة مستهدفة دائماً لأرباح التجار في ظل غياب القيم والتجار هنا ليسوا فقط الباحثين عن الربح.. ولكن أيضاً هم تجار محاربة الدين والقيم والفضيلة.. وفي ظل ضعف المناهج الدينية في بعض المجتمعات العربية وتغيبها في بعض المجتمعات المسلمة، وتحول بعض هؤلاء الشباب إلى مسلمين بالهوية وليسوا مسلمين عبر التطبيق للسلوك والمنهج القرآني والسنّة النبوية. فأصبح بعض منهم لقمة سائغة لهذا المد السيئ، فالعبادات إن مورست فهي بعيدة عن غاياتها المثلى، فالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.. اصبحت عادات تمارس في المسجد ويخرج من صلاها ليمارس الربا وسرقة حقوق الآخرين والخ..

ما أردت قوله.. ان مجتمعاتنا الإسلامية تواجه حالياً هجمة شرسة تتطلب أن نكون مرتبطين بالثوابت وأن يعين بعضنا الآخر في تصحيح المسار وتقوية الوازع الديني، وهداية الضال وترسيخ العقيدة لتكون واقعاً ثقافياً وسلوكياً لنا كمسلمين..

ولهذا كله.. نجد أن في مجتمعاتنا المسلمة بشكل عام فئة من الدعاة يؤدون واجبهم الشرعي في النصح والوعظ والهدي وسخر الله لهم القدرة على التأثير في مساحات واسعة من الشباب والنساء..

والنماذج عديدة لهؤلاء الدعاة سواء في المجتمع السعودي أو أي مجتمع خليجي أو عربي أو مسلم.. ولهم مؤلفاتهم ومحاضراتهم، بل ومواقع على (شبكة الانترنت) التي تشكل منابر للتوعية الدينية والتوعية الفقهية عبر الكلمة المقروءة أو المسموعة، بل وهناك من المهندسين من اتجه لميدان الدعوة الدينية وشكل مع الآخرين المتميزين أمثاله ظاهرة توعوية أسهمت في زيادة مساحة الوعي الديني والاجتماعي لمساحات واسعة من أفراد المجتمع وخصوصاً فئة الشباب وهم (محور القضية) وهم المستقبل في حالة الكمون.. والحاضر في وعيه المعاصر..

هؤلاء الدعاة.. كيف نحتويهم؟ ولماذا هناك من ينتقدهم؟

 على أيديهم كانت توبة البعض بفضل الله وعودته إلى جادة الصواب والاستقامة..

ومن هؤلاء الدعاة في مصر (عمرو خالد).. ورغم تأثيره الكبير في هداية العديد من الشباب والنساء والرجال، إلا أنه قوبل بالهجوم عليه من قبل بعض الصحف المصرية بدعوى أنه (ظاهرة) وصرعة مثل صرعات الموضة!!

وقاموا هناك وهنا ومن بعض الكتاب السعوديين بمحاسبته حساباً عسيراً على ملبسه وأسلوب حديثه وحتى ابتسامته!! وكأنما من سمات الداعية (التجهم في الملامح).. بل وهناك من تساءل عن أسباب دعوته إلى مجتمعنا وعقده المحاضرات والندوات التي يحضرها الأفراد من مختلف الأعمار..؟؟

ناسين أنه يقدم (توعية دينية).. وتحف مجلسهم الملائكة لأن فيها الدعوة إلى الله.. ولم يجيء ليقدم - أكرمه الله - وصلات غنائية ماجنة يرقص عليها الشباب ويتمايل كالفتيات!! فما هو الأفضل أن نستضيف من يتجمع الشباب حوله للاستفادة.. أم من يرقص بالعصا ويغني كالمجنون على المسرح ويقابل بالهدايا الثمينة ومئات الألوف من الريالات؟!

ولم يحضر عمرو خالد أو سواه هنا ليقدم فقرات فنية مثل بعض هؤلاء الممثلين القادمين من بعض الدول وتاريخهم في المخدرات وتناول المسكرات نشرته معظم صحف مجتمعاتهم.. ويتم تقديمهم في برامج (رمضانية) وتقدم لهم الهدايا الثمينة؟!

بل هو رجل مسلم اختار طريقاً مضيئاً لمساعدة الشباب وتوعيتهم بأمور دينهم.. وحباه الله ملكة الإقناع.. وبالذات إقناع (هذه الفئة العمرية من الشباب على وجه الخصوص).. وكما حدثتني أكثر من أخت عربية عن الأثر الذي أحدثته محاضرات وندوات عمرو خالد في هداية الشباب والنساء وعودتهم لجوهر الثبات في شخصياتهم.

وهنا.. لمست العديد من الأمهات والآباء كيف تغيرت سلوكيات أبنائهم بعد سماعهم لبرامجه التلفازية أو حضورهم لهذه اللقاءات الدينية.. وشاء الله لهم الهداية بحوله وقوته.. وعبر عبد من عباده حباه الله القبول وأتقن لغة العصر ومصطلحاته، مثل سواه من الدعاة المسلمين في معظم المجتمعات.

ولهذا كنا نتوقع من هذا المجتمع بالذات - مجتمعنا - أن يحتويه بما يستحقه.. لا أن نحذو حذو الآخرين الذين يخشون صحوة الشباب المسلم وتأصيل ذاته الإسلامية.

ولنا من تاريخنا المضيء أكثر من مؤشر، منذ عهد الملك عبدالعزيز يرحمه الله من حيث استضافته للدعاة المسلمين بل وتعيينهم أئمة في المسجد الحرام والمسجد النبوي.. وكان بامكانه الاكتفاء بالأئمة من علماء نجد أو الحجاز مثلاً.

كما أننا في السنوات الأخيرة أصبحنا نستضيف المثقفين والمفكرين العرب والمسلمين والغربيين ونتيح لهم منابر للحوار وللمحاضرات، وتتم دعوة المئات لحضورها.. وتتم اللقاءات التلفازية والإذاعية معهم.. فلماذا لم ينتقد هذا التوجه الثقافي ويتهم بأنه (صرعة)؟؟ أو موضة ثقافية.

أنا هنا، وفي حديثي عن عمرو خالد على وجه الخصوص ليس تزكية له.. وإنما لأنه أكثر من هوجم بعنف وتم (الافتراء عليه بإجازة الغناء لإحدى المطربات التائبات)، وعندما استفسر منه أنكر هذا.. وكان الأجدر بمن نشر عنه هذه الشائعة أن يوثقها بدليل صوتي أو سواه لهذا الداعية أو دعونا نقول (الناصح).

وإذا كان لهؤلاء المنتقدين ملاحظات على عدم توثيق ما يرويه عمرو خالد مثلاً وكما يقولون.. فلماذا لا يتم نصحه وتبادل الحوار معه ومناقشته وتزويده بما لدى الأفاضل الذين كتبوا هذه الآراء الحادة تجاهه.. فالمسلم منا ناصح لأخيه المسلم آخذ بيده لنصرة الدين وإعلاء كلمة الحق.

ما أحوجنا.. ونحن في هذا المنعطف الخطير في تاريخ أمتنا المسلمة أن نكون صفاً واحداً.. نتعاون لفعل الخير.. ونقيم ونتناصح ويرشد العقلاء والدعاة في المجتمع الآخرين الباحثين عن العلم والمعرفة، والتوعية الدينية والفقهية.

دعونا نفتح مساحاتنا لمن يبحث عن الخير للآخرين ونضع جهودنا معاً لخدمة الشباب على وجه الخصوص.

وبدلاً من انتقاد الدعاء.. دعونا ننصحهم إذا كنا نرى أن هناك بعض الثغرات في سبل الدعوة.. وبدلاً من الهجوم يكون (التناصح).. وأن تكون النصيحة ممن هم النموذج للداعية المسلم والعالم وليس المجتهد..، أو الذي ينتقد لمجرد الانتقاد..!!