بعد ان كبر الذئب

 

بقلم : ابراهيم العبسي

 

عثر الراعي الطيب، فيما كان يجوب الجبال والوديان والسهول بأغنامه، على ذئب صغير ينتحب من شدة الجوع والبرد. فحمله وأطعمه وادفأه، ثم ألحقه بقطيع الاغنام. واذ احتجت الكلاب على هذا التصرف غير المحسوب من الراعي، قال الراعي:

- انه مجرد ذئب صغير، ضائع، وجائع، ومضرور.

وانتهر الكلاب بعنف.

وهكذا، ظل الذئب مرافقا للراعي والقطيع، فأحب الراعي الذئب وقربه منه، وابعد الكلاب التي كانت تشعر بحزن بالغ، فانزوت جانبا ترقب ما سيؤول اليه امر القطيع والراعي.

ويوما عن يوم، بدأ الذئب الصغير يكبر، وراح يتقرب من الراعي اكثر. وكلما اقترب اكثر كانت الكلاب المنزوية ترفع صوتها محتجة ومحذرة، الى ان وصل الامر بالراعي الى طرد الكلاب والابقاء على الذئب وسط القطيع. واذ خلت الساحة للذئب راح يسوق القطيع انى شاء بعد ان نجح في ادخال الطمأنينة الى نفس الراعي الذي ركن الى اخلاق الذئب وحرصه الواضح على القطيع.

ذات ليلة، وفيما كان الراعي يغط في النوم، هجم الذئب على احد الحملان وافترسه، واذ افتقد الراعي الحمل في الصباح، قال الذئب:

- لعله ضل الطريق، وتخلف عن القطيع.

فعلق الراعي:

- يحدث هذا للحملان الصغيرة.

وفي الليلة التالية، هجم الذئب على نعجة كبيرة وقتلها، راح بعدها يذرف الدموع بين يدي الراعي على فقدان هذه النعجة التي ربما اكلتها الكلاب!!

وهكذا، بدأ الذئب يختطف ليلة حملا، وليلة نعجة، حتى اتى على عدد كبير من القطيع، الامر الذي اغضب الراعي، عندئذ بكى الذئب، وطلب من الراعي ان يعفيه من هذه المهمة وان »ىرخص« له، و»يعتقه«، ورغم رفض الراعي لطلب الذئب الا ان الذئب اندفع مبتعدا، فظل الراعي وحيدا مع القطيع وقد استبد به قلق وخوف شديدان، لا سيما بعد ان طرد الكلاب التي كانت تتولى حراسة القطيع.

وحين مالت الشمس الى الغروب ذات ليلة باردة، انتحى الراعي بقطيعه جانبا، وتمدد لينام بعد هبوط الليل غير انه لم يكد يغمض عينيه حتي اندفعت باتجاه القطيع مجموعة من الذئاب الشرسة، يقودها ذلك الذئب الخائن، وراحت تقتل الاغنام واحدة تلو الاخرى، فيما كان الراعي يلطم وجهه ويحدق في وجه ذلك الذئب الذي وجده ذات يوم ينتحب من شدة الجوع والبرد فأطعمه وادفأه واعتنى به وقربه منه..

***

خطرت ببالي هذه الحكاية الشعبية التي اوردها الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف في كتابه داغستان بلدي، وانا اقلب »البوما« قديما من الصور، يتضمن صورا ليهود فقراء ومساكين كانوا قد تسللوا الى فلسطين في اوائل القرن الثامن عشر هربا من الطغيان الاوروبي، والاضطهاد الاوروبي، فاحتضنهم الفلسطينيون واشفقوا عليهم، وامنوهم من خوف، واطعموهم من جوع... الى... الى ان وصل بهم الحال الى الاستيلاء على البلاد والعباد والبطش بالفلسطينيين.