السلطة تريد نصرا علي إسرائيل (بفلوس الكفيل)!

 الحـرب الإعلامية في مصر بين التهور والانبطاح

 

بقلم : هويدا طه

عندما تصاعدت انتفاضة الفلسطينيين رفضا للمشروع الصهيوني الأمريكي، وتصاعد معها التوحش الإسرائيلي حتي تحول الأمر إلي حرب الشوارع المستمرة الآن بين جيش شرس ومقاومة شعبية باسلة، تصاعدت بالتزامن حرب إعلامية عنيفة في مصر، بين معسكر إعلام النظام من جهة، ومعسكر إعلام الرافضين للمشروع الصهيوني الأمريكي من جهة أخري، وهي حرب ـ وإن كانت إعلامية ـ إلا إنها تعبر عن هذا الافتراق بين كلا المعسكرين فكريا وحركيا، وإذا حاولت أن تراقب ببطء ما يثار هنا وهناك فقد تجد نفسك أمام حالة من (الالتباس) والخلط يعاني منها الجميع، فالبعض يطلق أراء كالقذائف المجهولة المصدر، وكثيرون يحاولون (ضبط النفس) عند عرضهم للحالة ـ المتميعة ـ التي نعيشها سياسيا وأمنيا واقتصاديا وثقافيا وحتي حركيا، ويحاولون (الالتفاف) لتحقيق توازن صعب بل وغير حميد، ويدعون الحياد في مسألة لا يمكن الحياد فيها إلا بتأثير حالة الالتباس التي تخيم عليهم، وهي حالة تنتقدها مقولة شهيرة للشاعر العربي نزار قباني بأن (الكاتب المحايد هو كاتب ميت فليس في الكتابة منطقة منزوعة السلاح)، ويتبدي هذا (التميع) في (الخوف) من ملامسة سؤالين هامين، أولهما ما هو بالضبط المشروع المصري المطروح للمستقبل أمنيا وفكريا وسياسيا ومرجعيا إلي آخر ملامح أي مشروع تحاول أي أمة محترمة أن تحدده ـ بلا لبس ـ من أجل المستقبل القريب والبعيد، وثانيهما هو نتيجة لأولهما من حيث ما هي الخطوات الفعلية التي يجب أن تتحقق في هذا الاتجاه علي كل المستويات الهرمية للمجتمع؟. والمثال الذي يتجلي من خلاله هذا الالتباس هو بالطبع حدث الساعة (الساعة الممتدة منذ قرن من الزمان)، الحدث الفلسطيني، فالجدل الدائر في وسائل الإعلام المختلفة حول (المشكلة) الفلسطينية (يخاف) من مواجهة جوهر المأزق الحقيقي الذي يعيشه المصريون، فأحد الاتجاهين يريد من حصان الانتفاضة الفلسطينية أن يأخذه إلي الجبهة الحقيقية التي شاءت دولتنا البوليسية أن يدفع الثمن كل من يحاول أن يفتحها من المصريين، وهي جبهة (نظام الحكم في مصر)، بصفة عامة وليس هذا الرئيس أو غيره تحديدا، فأي مشروع للمستقبل ـ ثوريا كان أو حتي استسلاميا ـ لا يمكن أن يشق طريقا إلا بخروج مصر أولا من هذا (السكون) المريع، وهذه (الشيخوخة) التي أصابت باطن وظاهر الرؤوس الكبيرة المتنفذة في البلاد، والمظاهرات العارمة التي ساندت الفلسطيني في قضيته ـ أو ملحمته ـ بصدق عاطفي حقيقي، مثلت ـ عند البعض ـ أملا في أن (يفيق) المصريون ويعرفوا ما هو الشارع والاحتجاج والرفض والمقاومة، لكنها مثلت عند البعض الآخر استجابة (للتسخين) الإعلامي العربي الذي يريد (توريط) مصر في حرب قد تدمرها دون أن تنقذ فلسطين، وربما كان هؤلاء هم الأكثر انغماسا في حالة الالتباس التي تخلط بين تجربة مصر مع الأنظمة العربية في القرن الماضي وبين ضرورات الأمن القومي المصري الثابتة جغرافيا وتاريخيا ومشروعها الإقليمي المستقبلي، وقد عبر عاطف عبيد رئيس الوزراء أوضح تعبير عن هذا الخلط عندما أدلي بتصريحه التعس عن (شرط) دخول مصر الحرب ضد إسرائيل، فالرجل وبصفته (بتاع خصخصة وبيزنس!) لا يريد أن يري أبعد من أقدام (المستثمرين)، وقال أن مصر يمكن أن تحارب إسرائيل إذا وضع (العرب) مائة مليار دولار تحت تصرفها! وهو ما أثار غضبا حقيقيا عند كل من يرفض مشروع الغرب الرأسمالي الصهيوني البغيض في هذه المنطقة (وفي القلب منها مصر وفلسطين)، فليس العرب وحدهم المعنيين بضرورة مقاومة إسرائيل، وليست مصر كلها بجيشها وتاريخها ومشروع وجودها أجيرة في سوق النفط الطارئ، حتي يبحث مناصر المستثمرين الفاشل عن انتصارها علي إسرائيل (بفلوس الكفيل!)، ومصر ليست خارج حسابات المشروع الإسرائيلي حتي تكون مقاومتها (اختيارية ومشروطة)، وهوس الاستثمار العقيم هذا لن يصل إلي حد عرض مصر في سوق المرتزقة، (وإن كان قد حدث للأسف عندما وافق النظام علي اشتراك الجيش المصري في الحرب المخجلة ضد العراق مقابل بضعة مليارات لا نعرف كيف أفادت مصر)، بالإضافة إلي أن الحرب (المؤجلة) مع إسرائيل ليست مطروحة في الوقت الحالي، والمطروح فقط ـ حاليا ـ هو حسن استغلال المنطقة الوسطي بين التهور والانبطاح، لكن ذلك يعيدنا إلي السؤال الجوهري حول مشروع مصر للمستقبل، فطالما أنه للمستقبل فلا يمكن انتظاره من هؤلاء الكهول الذين فقدوا كل ما عندهم ولم يعد لديهم ما يعطوه، ولا يمكن انتظار التنظير له ممن جندوهم (من الكتبة والمثقفاتية بتوع الدراسات الاستراتيجية!) لجلد الذات وإظهار مصر وكأنها لا تري ولا تسمع ولا تتكلم، أو بأنها (أعطت) ما عندها ولم يعد هناك ما يمكن أن تعطيه، (وهو ما يتضمن في الواقع انتحارا حضاريا)، وذلك من خلال سيطرة النظام الشائخ (منتهي الصلاحية) علي أكبر أداة إعلام لشعب تتعدي فيه نسبة الأمية الخمسين بالمائة، وهو التليفزيون (سواء التليفزيون الرسمي أو التليفزيون ـ الملاكي ـ الذي يملكه أولاد الكبار!)، وكذلك السيطرة علي معظم الصحف والدوريات المختلفة إضافة إلي الإذاعة، بينما يستبسل المناهضون للمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة (إسلاميين كانوا أو قوميين أو غيرهم) من خلال جرائد قليلة في العدد والتوزيع، أو من خلال النفاذ من ثغرات صعبة في نقابات ـ هي بدورها خاضعة للنظام ـ، أو من خلال الإنترنت التي لا يعرف طريقها إلا بعض الشباب الجامعي أو المتعلمون الجامعيون، أو من خلال الإعلام الفضائي العربي الخارج عن سيطرة الحكومة المصرية، والذي أثار غضبها في الأشهر الأخيرة، وعندما فوجئ هذا التحالف المرتعش بين جيش المنافقين و النظام الذي لا رؤية له ولا مشروع عنده، بهذه العاطفة العاصفة لدي ملايين المصريين تجاه فلسطين، بدأت آلة النفاق تدور، فمن جهة أغرقوا السوق (طالما أن لغة السوق هي الرائجة عندهم) بالأغاني المنافقة عن ـ حب فلسطين ـ لتحويلها إلي مسألة عاطفية صرف (وهي ليست كذلك)، ومن جهة بدأ التنظير الخبيث لمزيد من عزل مصر عن إقليمها الذي وضعتها الجغرافيا في قلبه، وهو ما يصب لصالح المشروع الصهيوني (الشرق أوسطي) في نهاية المطاف.

لكن مراقبة هذا ـ الافتراق ـ بين المعسكرين في مصر لا يدين فقط النظام المنتهي الصلاحية والمتعاونين معه، إنه يدين أيضا أساتذتنا من المثقفين الحقيقيين والمفكرين الذين يدركون بلا شك أن هذا المنزلق الخطير لعزل مصر عن منظومة المقاومة للمشروع الصهيوني الأمريكي هو قضاء علي مستقبلها الحضاري، فرغم تألق المقاومة الفلسطينية للشراسة الإسرائيلية بصورة تبهر الجميع (وتخجلهم أيضا)، إلا أن الاكتفاء بمساندة الفلسطينيين المتقدمين لجبهة المقاومة لا يكفي، فلابد ـ الآن ـ من تكوين جبهة موحدة بين كل التيارات المتفقة علي مناهضة تحويل المنطقة إلي شرق أوسط تملكه أميركا وإسرائيل، لتبدأ هذه الجبهة في ـ المواجهة المباشرة ـ مع النظام لإسقاط مشروعه الانهزامي، وهي جبهة لابد أن يتقدمها مثقفونا ومعلمونا الذين يجب أن يكونوا أول الموقعين ـ جماعيا ـ علي أول بيان برفض استمرار مصر في هذا الخط الانعزالي، فإذا كان (اصطياد) المناهضين لهذه الانهزامية سهلا عندما يكونوا أفرادا، فإن النظام الحالي قد لا يقدر علي مواجهة مباشرة مع (جبهة موحدة) من كل المصريين، ولنا في تجارب قريبة لبعض الشعوب مثلا، فلن تصل الرسالة إلي ـ كل ـ المصريين إلا بالإعلان الصريح في بيان موحد عن رفض استمرار هذا النظام في الحكم، بدلا من رسائل المناشدة المخجلة للرئيس، فكل الأحداث والقرارات تشير إلي ضلوع النظام ـ بكل رؤوسه ـ في مخطط عزل مصر عن مسارها الجغرافي والتاريخي والحضاري، فعندما عدلت شركة مصر للطيران عن قرار قطع الرحلات إلي تل أبيب، قالت أن هذا العدول هو قرار من (جهة سياسية عليا)، وعندما يتساءل الناس في حيرة عن سبب المظهر الانهزامي للدور المصري، يقال أنه قرار من (جهة سياسية عليا)، وكأنه محظور مقدس، وكأنه (اللهو الخفي)، فما هي هذه الجهة العليا إلا ما وصفها جمال حمدان بقوله (إن مصر لن تجد طريقها إلي المستقبل إلا إذا خرجت من جعبة ـ شخص ـ حاكمها)، لقد انتهت المرحلة الأولي من الانتفاضة الفلسطينية ـ المصرية، مرحلة المناشدة والمطالبة والحشد العاطفي، وعلينا قبل إفلات اللحظة التاريخية أن ندخل المرحلة الثانية، مرحلة الجبهة الصريحة، مرحلة (لا) الحقيقية المباشرة، والشعب المصري الذي سدت في وجهه كل أبواب المستقبل جاهز الآن، بنسبة أمية تتعدي نصفه، ومئات الآلاف من أطفال الشوارع، والبطالة المرعبة، شعب يقع بأكمله في قبضة دولة بوليسية، شعب مكمم متهم إلي أن تثبت براءته، شعب تدوسه أقدام المستثمرين، ويتصدره رجال يريدون بيعه (بمائة مليار دولار)، شعب سوف يتحرك خلف قيادة تعلن ما يعتمل في صدره، وليس قيادة تعلن في الجرائد صراحة أنها (لا تستجيب لرغبات الشارع)، وهو الإعلان المستند في جرأته إلي قوة بوليسية قد تكون شديدة البطش بالأفراد، ولكنها يمكن أن ترتعش أمامهم إذا واجهوها من خلال (جبهة موحدة).

وبدلا من القول بأننا شعب عظيم لن يسكت، ثم نسكت، علينا أن نتساءل هل توجد شعوب عظيمة وشعوب ـ غير ـ عظيمة؟ أم توجد شعوب حرة وشعوب تعيش كالقطيع؟!