التجول بجرح مفتوح في الزمن العربي
بقلم
: فرانسوا
باسيلي
لحركة
تحرير السود
والحقوق
المدنية
بأمريكا شعار
شهير يقول: لا
أحد حراً حتي
يصبح الجميع
احرارا ..
ويقول بول
روبيسون بنفس
المعني: اذا
اغتصبت حرية
السود، او
حرية اية
اقلية اخري،
فقد اغتصبت
حرية الناس
جميعا .
وقد
اثبت التاريخ
الفلسطيني ـ
العربي
الحديث مدي
صحة هذا
بالقول، اذ
دخلت جيوش عدة
دول عربية
مجاورة وغير
مجاورة حرب 84
رفضا لتقسيم
فلسطين.. ثم
وقعت الحروب
التالية في 65 و76
و37 بين دول عربية
واسرائيل
بسبب فلسطين..
وقد تحررت
كافة الشعوب
العربية من
الاستعمار
بشكل او بآخر
بينما لم يزل
الشعب
الفلسطيني
يقاوم
الاستعمار
الاخير.
وما
زلنا نسمع
ونري في بعض
البلاد
العربية، ولكن
علي الاخص في
مصر، هؤلاء
الغافلين عن
دروس التاريخ
يهرعون الي
صفحات
الجرائد
وشاشات التلفزيون
ليقدموا لنا
مقولات
واعتذارات وتبريرات
تصب كلها في
مجري التنصل
من القضية
الفلسطينية
والصراع من اجل
التحرر من
الاحتلال
الاسرائيلي.
وبجانب اعتذارات
مهينة بالعجز
الذاتي الذي
يتوهمونه في
شعوبهم
ويوهموننا
به، نراهم
يشنون حملة شعواء
علي الجماهير
الوطنية
الصادقة التي
خرجت في
مظاهرات
عفوية تعبيرا
عن غضبها
واحتجاجها
علي الفعل
الاسرائيلي
الفاحش ورد
الفعل العربي الفاضح،
وهم بهجومهم
علي الشارع
العربي يتبعون
مبدأ ان افضل
اسلوب للدفاع
هو الهجوم، فهم
لا يملكون
شيئا يدافعون
به عن مواقفهم
العاجزة سوي
عذر العجز
نفسه.
اننا
نسمعهم
يقولون ان
الصراع
الخطير المطلوب
منهم الدخول
فيه من اجل
التحرير
يحتاج الي خطط
دقيقة مدروسة
وليس الي
اندفاع عاطفي
اهوج، وهذا
صحيح بالطبع وبالتالي
نسألهم
ولماذا ليست
لديكم هذه
الخطط؟ ان
معظم هؤلاء
الذين
يهاجمون
الشارع الوطني
الغاضب هم من
المخضرمين السياسيين
والاعلاميين
والمسؤولين
في مواقع
مختلفة، علي
كراسيهم نفسها
لسنوات طوال
عفا عليها
الزمن، فما
الذي منعهم من
ممارسة
مسؤولياتهم
في اعداد الخطط
لجميع
الاحتمالات؟
والغريب انهم
يتهمون الجماهير
المتظاهرة ـ
من طلبة
المدارس
والجامعات
واعضاء
النقابات
والمثقفين
والفنانين ـ
يتهمونهم
بأنهم
يحاربون
بحناجرهم
وانه ليست لهم
خطط!
ان هذه
المراكز
والوزارات
نفسها ليست
لديها خطط،
وعندما يكون
لديها خطط فهي
لا تتبعها لأنها
في النهاية
تتبع ما يقرره
هذا الوزير او
ذاك في التو
واللحظة.
وعندما سأل
مذيع احدي الفضائيات
مسؤولا في احد
الاحزاب
المصرية عما اذا
كان وزير
النقل
والمواصلات
سيحاسب او
سيستقيل بسبب
حادثة حريق
قطار الصعيد
قال ان ذلك
يرجع الي مزاج
(كلمته
بالحرف) السيد
رئيس الوزراء
والي موقع
وزير النقل
علي سلم القوي
والقبول في
هذه اللحظة!
بالامزجة
اذن، وليس
بالخطط، تدار
الامور في
دوائر القوي
والنفوذ
الرسمية، فلا
احد في اية
وزارة لديه
وقت للخطط ولا
لأداء واجبه
في تحسين
الخدمات المسؤولة
عنها
الوزارة،
ولذلك وجدنا
ان قطاع السكك
الحديدية
المصرية ما
زال يدار بنفس
النمط الذي
وضعه له
الانكليز منذ
مئة عام.
ان دروس
التاريخ تنبض
حولنا من كل
جهة ليتعلم منها
من يريد، احد
هذه الدروس
الحديثة هو من
حركة تحرير
السودان في
امريكا.. وقد
بدأت اولا
بالعلامة
الفارقة في
التاريخ
الامريكي وهي
الحرب
الاهلية بين
الولايات
الشمالية
ومعها الحركة
الفدرالية
برئاسة
ابراهام
لنكولن ـ والتي
كانت تريد
الغاء نظام
العبودية
وتحرير السود،
وبين
الولايات
الجنوبية
المستفيدة من نظام
الرق. وقد قال
ابراهيم
لنكولن في
مهاجمته للجنوبيين
المدافعين عن
نظام
العبودية: ان
الذين لا
يريدون
الحرية
لغيرهم لا
يستحقونها
لانفسهم .
وبعد هزيمة
الولايات
الجنوبية في الحرب
الاهلية
والغاء نظام
العبودية،
ظلت الممارسات
العنصرية
موجودة في
الواقع اليومي
حتي رفضت روزا
بارك ان تترك
مقعدها في
الصفوف
الامامية
المخصصة
للبيض بحافلة
المواصلات
واندلعت حركة
الحقوق
المدنية
بزعامة مارتن
لوثر كينغ
واستمرت
الحركة بعد
اغتياله..
ونلاحظ ان الولايات
المتحدة، لم
تستطع ان تصبح
القوة الاقتصادية
والعسكرية
الاولي
والوحيدة في
العالم الا
بعد ان حررتها
نفسها داخليا
من اثقال
العنصرية
البغيضة ليس
ضد السود فقط
ولكن ضد
المرأة وكافة
الاقليات
ووضعت اسس
قوانين مدنية
صارمة لا تفرق
بين
المواطنين
علي اسس عرقية
او دينية او
لغوية او
غيرها..
وبالتالي
استطاعت الدولة
ان تتفرغ
للبناء
الاقتصادي
والعسكرة دون
ان تستهلك
نفسها في
صراعات مدنية
داخلية دامية.
وفي
اعتقادي ان
الشعوب
العربية كافة
لن تستطيع
التفرغ الي
حركة بناء
وتحديث داخلي
شامل للانسان
وللمؤسسات
معا الا اذا
تحرر الشعب الفلسطيني
من براثن
الاحتلال
الاسرائيلي..
لقد كان من
الظواهر
المدهشة
للانتفاضة
الفلسطينية
والصمود
البطولي
للشعب
الفلسطيني في
مواجهة آلة
الدمار
الاسرائيلية
اننا رأينا
الجماهير
العربية في
بلدان كان
يعتقد بأنها
بعيدة عن
القضية
الفلسطينية
مثل بعض دول
الخليج،
رأينا هذه
الجماهير
تخرج ـ بعضها
لأول مرة في
تاريخها ـ في
مظاهرات غضب
جامح.. كما ان الجماهير
في مصر
الكنانة لم
تكف الي يوم
كتابة هذه
السطور ـ عن
الخروج في
مظاهرات
الغضب النبيل..
وكلها ظواهر
مقلقة جدا لمن
يتوهمون انه يمكن
عزل القضية
الفلسطينية
عما يجري داخل
كل قطر عربي،
ولمن يتوهمون
انه يمكن عزل
القضية
الفلسطينية
عما يجري داخل
كل قطر عربي، ولمن
يتوهمون انه
يمكن لمصر ان
تنشغل بهمومها
الخاصة وان
تأخذ موقف
الحياد مما
يجري بين الفلسطينيين
وبين
اسرائيل، كما
كان يبدو الموقف
المصري فعلا
قبل الاجتياح
الشاروني الاخير.
ان
القضية
الفلسطينية
تظل جرحا
مفتوحا في جنب
الجسد
العربي، ولن
يتمكن هذا
الجسد من التعافي
والتوثب
لحاقا بالعصر
وامساكا
بالمستقبل
طالما ان
بجنبه هذا
الجرح
المفتوح الدائم
النزف.
من
الدروس
الاخري
لحركات
التحرر
الوطنية التي
يجب التعلم
منها هو اهمية
استمرار
الضغوط الشعبية
المطالبة
بالحق والعدل
والحرية.. ان قوانين
الحقوق
المدنية لم
تمنح كهبة للمجتمع
الامريكي
وانما
انتزعها هذا
المجتمع انتزاعا
عبر مئات
المظاهرات
والاعتصامات
والمسيرات
وحركات
الاحتجاج
والعصيان
المدني التي
قام بها مئات
الالاف من
السود والبيض
معا.. كما ان
حرب فيتنام لم
تحسم عسكريا
فقط ولكن ايضا
مع استمرار
حركة
الاحتجاج
العنيفة التي
قام بها
الطلبة علي
الاخص والتي
اطلق فيها
رجال الامن
الرصاص عليهم
فقتل خمسة من
الطلبة في حادثة
جامعة كنت
ستيت
الشهيرة.. حتي
استطاعت هذه
المظاهرات
المستمرة ان
تحول الحياة
السياسية،
وخاصة للرئيس
الامريكي
نيكسون ـ الي
مشكلة دائمة..
حتي انتهي
الامر في
النهاية الي
الانسحاب
المهرول من
جنوب فيتنام.
ومن
الظواهر
الايجابية
الاخري لما
حدث مؤخرا علي
الساحة
الفلسطينية
هو خروج مثل
هذه المظاهرات
الغاضبة ليس
فقط في كافة
البلاد العربية
ولكن ايضا في
عدد كبير من
العواصم
الاوروبية
والمدن
الامريكية..
بل لقد نشرت
جريدة النيويورك
تايمز تحقيقا
صحافيا مطولا
منذ اسبوعين
رصدت فيه
تحولا هاما
جري في
الجامعات
الامريكية حيث
اصبحت القضية
الفلسطينية
هي القضية
الاكثر
جاذبية
للقطاعات
المتمردة
والواعية
والنشطة من
الطلبة.. وهو
امر يقلق
جماعات الضغط
المؤيدة
لاسرائيل في
الولايات
المتحدة..
وكان من الاسباب
التي جعلتها
تقوم بحملة
دعائية اعلامية
كبيرة بدت
ملامحها
واضحة في
الصحف والقنوات
التلفزيونية
الامريكية
مؤخرا.
ولعل
هذه
المظاهرات في
العواصم
الاوروبية والمدن
الامريكية قد
ادخلت بعض
الخجل لدي الغافلين
عن دروس
التاريخ
الذين كانوا
يهاجمون حركة
الجماهير العربية
الغاضبة ـ
خاصة في مصر ـ
فلم يعد في
امكانهم
مهاجمتها
بنفس الحدة
الاولي، بل
اضطر البعض
منهم الي
تقديم المديح
علي استحياء
لهذه
المظاهرات،
عملا بمبدأ ان
لم تستطع
الانتصار
عليهم فانضم
لهم .. اما ما
اضاف الي خجل
الغافلين عن
دروس التاريخ
فهو بلا شك
ذلك الموقف
المدهش الي حد
الجنون
لجماعات دعاة
السلام التي
جاءت من مختلف
الدول
الاوروبية
والامريكية
والتي
استطاعت مرة
ان تدخل الي مقر
الرئيس عرفات
عندما كان
محاصرا، ثم دخلت
منذ ايام الي
كنيسة المهد
حاملة
الاطعمة والاغذية،
في غفلة من
جنود
الاحتلال
الاسرائيلي
هواة اقتناص
كل خيال متحرك
داخل هذه
الاماكن..
لا شك ان
هؤلاء يجلبون
اعظم الخجل
الي الوجوه المترهلة
علي كراسيها
التي راحت
اقلامهم تهاجم
حركات
الاحتجاج
الشعبي
العارم، التي
يمثل دعاة
السلام احد
وجوهها،
فدعاة السلام
هؤلاء يعرفون
الفرق بين
السلام
والاستسلام،
فقد تركوا بيوتهم
المريحة في
المدن
الاوروبية
ودخلوا لمعانقة
الرئيس
الفلسطيني
المحاصر بعد
ان اسقط في يد
الجنود
الاسرائيليين
ولم يعرفوا ماذا
يفعلون
بالعشرات
منهم الذين
ساروا بجسارة
داخلين
المقر..
وتجدهم في وجه
الجنود
الاسرائيليين
في كل مكان..
يلتقطون
الصور
ويحتجون ويعرقلون
بقدر
استطاعتهم..
ان مواقف
هؤلاء هي
المعبرة عن
ارفع مراتب
الضمير
الانساني في
اشرف صوره
وابهي
انواره.. ان
الامر لا
يتطلب ضميرا
مرهفا لكي
يدافع
الانسان عن
اهله وعشيرته
وخاصته.. اما
ان يدافع
الانسان ـ
بالفعل الخطر
الصعب وليس
بالكلام فقط ـ
عمن يختلفون
عنه عرقا
ودينا وعشيرة
ولغة وثقافة..
فهو بلا شك التعبير
الاعظم عن
النبل
الانساني
والضمير الحقيقي
الحي، وهي بلا
شك مواقف تسبب
خجلا ومهانة
بالغة
لمنهزمين من
دعاة
الاستسلام
العربي.
اما
بطولة الشعب
الفلسطيني
نفسه فهي
ظاهرة بالغة
الجمال
والنصاعة،
رغم الكم
الهائل من القبح
والدمامة
والدم
والهمجية
الذي ينتجه الاحتلال
الاسرائيلي
ويقذف به علي
رأس هذا الشعب
كل يوم وفي كل
مكان.. انك لا
تملك الا ان
تدهش وان تهتز
وانت تري قادة
الصف الثاني
والثالث من
المسؤولين
وغير
المسؤولين
الرسميين من الفلسطينيين
في رام الله
ساعات معدودة
بعد خروج
المدرعات
والدبابات
الاسرائيلية
لكي تقبع علي
بعد امتار
معدودة علي
حدود المدينة،
فتسمع هؤلاء
القادة
يتكملون بقوة
ووضوح واعتزاز
وغضب وكرامة
ضد ممارسات
الجنود الاسرائيليين، غير
آبهين
بالاحتمال
الكبير لعودة
هؤلاء الجنود
للاعتداء او
القبض عليهم
كما فعلوا مع
الآلاف
غيرهم.. لقد
اثبت هذا
الشعب ان
البطولة لديه
ليست شعارات
جوفاء وانما
ممارسة يومية
تعرف قدر
نفسها وقدر .
اما
الدرس الاكثر
خطورة الذي
علي الجميع
ادراكه فهو ان
ما فعله شارون
مؤخرا ليس هو
نهاية الصراع
وانما هو ـ
مجددا ـ
بدايته،
فالتاريخ يقول
لنا ان صلاح التحرر
لا ينتهي الا
بالحرية..
لا
ينتهي بسلام
يفرض كشرط
لاطلاق سراح
زعيم سجين،
فكل ما يوافق
عليه الانسان
ـ حتي المتهم في
جريمة ـ تحت
الضغط
والاكراه هو
اتفاق مزور لا
يصمد طويلا،
ولن تكون
نهاية الصراع
هي دويلة
مهلهلة
تمزقها
المستوطنات
الاسرائيلية المكتظة
بأصوليين
متطرفين
مدججين
بالسلاح
اغتصبوا ارض الغير
تحت هلوسات
ودعاوي تتمسح
في الدين وفي
الحق الالهي،
لن يكون
للصراع نهاية
ـ هكذا يعلمنا
التاريخ ـ الا
بأن ينعم
الشعب
الفلسطيني بوطنه
المستقل.
ان
الصحف
والانترنت
تتناقل حاليا
سيناريوهات
عن خطط
لمستقبل
المنطقة
كلها، وليس
فلسطين
وحدها، تقول
هذه
السيناريوهات
انه بعد تهدئة
مؤقتة
للمنطقة في
دوامة جديدة من
المفاوضات،
ستقوم
الولايات
المتحدة بضرب
العراق، اما
قبل
الانتخابات
للكونغرس الامريكي،
واما في مطلع العام
القادم، وبعد
ذلك يقوم
شارون هذه
المرة
باجتياح جديد
هدفه تهجير الفلسطينيين
عن الضفة
والالقاء بهم
في الاردن، لو
كانت هذه
السيناريوهات
صحيحة، وهي
ليست مستبعدة
علي المزاج
الشاروني
الدموي، فان المنطقة
كلها ستدخل في
مرحلة بالغة
الخطر والصعوبة
والتردي،
وعندئذ ستظل
فلسطين
المغتصبة
وشعبها
المشرد جرحا
مفتوحا نازفا
في الجسد
العربي، لا
يستطيع هذا
الجسد به ان
يهنأ بيوم
طبيعي واحد،
ولا بعافية او
صحة او راحة
او تقدم علي مدي
قرن اخر علي
الاقل.
فما هي
الخطط
المضادة التي
لدي
المسؤولين العرب؟
نكون ـ
او لا نكون ـ
هذا هو السؤال.