ولايات متحدة غربية (أمريكية + اوروبية)

 

بقلم : جورج طرابيشي

 

هذا كتاب تجب قراءته. قد نقرأ بغضب، وقد نقرأه بقرف. ولكن لا بد من أن نقرأه.

فهو يقدم عينة نموذجية، وصريحة منتهي الصراحة، عن الكـيفية التي بات يفكر بها، لا الغرب، بل بعض الغرب منذ اعتداء 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

مؤلف هذا الكتاب مثقف ينتمي الي الانتلجـــنسيا الفرنســـية، وان لـم يكن قد سبق له ان كتب سطراً واحداً باستثناء أطروحته الجامعية عن المقاومة الفرنسية للرومنة .

جمعته وريجيس دوبريه علاقة زمالة في الجامعة وفي الوظيفة، وان لم تجمع بينها علاقة فكر. فمؤلفنا ينتمي الي اليمين المحض، وريجيس دوبريه ينتمي، أو كان ينتمي، الي اليسار المحض.

وقد شاءت له تقلبات الوظيفة الديبلوماسية ان يتنقل بين تركيا، حيث اتقن التركية، وبلدان القوقاز وباكستان وافغانستان، الي أن انتهي به المطاف في الولايات المتحدة حيث طلب التجنس بعد احالته علي التقاعد من عمله في السفارة الفرنسية بواشنطن. ومن هناك، وبعد شهر واحد من اعتداء 11 أيلول، بعث الي زميله السابق ريجيس دوبريه برسالة مطولة في أكثر من مئة صفحة، بالانكليزية، ضمنها مرافعة عن ضرورة اتحاد أوروبا وأميركا في ولايات غربية متحدة لتشكلا جبهة موحدة للدفاع عن حضارة الغرب في مواجهة خطر... الاسلام.

هذه الرسالة هي التي ترجمها ونشرها ريجيس دوبريه، مع تذييل منه، تحت عنوان مرســـوم كركلا ، وفاء منه - علي خلافه الفكـــــري معه - لزمالة ذلك الزمـــيل الذي كانت رســــالته بمثابة وصـــيته الأخيرة، اذ لقي مصرعه بعد أســــابيع معدودة من كتابتها.

يفتــــتح كزافييه دي سي... رسالته بالاشارة الي أن تدمير برجي المركز التجاري العالمي بنيويورك يذكره بسقوط برج بابل، والي أن الصورة التي يحضرها الي ذهنه تدمير البرجين هي صورة التاريخ كمقبرة للحضـارات. فالحضارات، ككل ما هو حي، تعلم أنها مائتة ذات يوم. ولكن ما لا تعلمه أيضاً هو أنها قد تُقتل في عز شبابها. وهذا بالضــبط ما فعله بن لادن من خلال رمزية تدمـــير البرجين الأمـيركيين العملاقين. فقد أراد بذلك أن يقرع ناقوس موت الحضارة الغربية.

ومع أن مـــحرر رســـالة مرسوم كركلا يتهم صمويل هانتنغتون بالـــسذاجة الفلسفية، لكنه يتبني نظريته في صدام الحضارات مع تصعيد هذا الصدام الي مستوي الحرب ابتداء من 11 أيلول. وهو لا ينضوي تحت لواء هانتنغتون وحده، بل حتي تحت لواء بيرلوسكوني. فهذا قد قال بصوت عال ما يعتقده، وما ينبغي أن يعتقده، كل غربي في صميم نفسه: بلي، ان حضارة الغرب متفوقة علي حضارة الاسلام. متفوقة بالدماثة ورقة المشــاعر، متــفوقة باحترام حقوق الانســان وعلي الأخــــص حقوق المرأة، ومتفوقة بحرية البحث العقلي والتقدم العلمي. لكن رغم تفوقها هذا فإنها تعاني من نقطة ضعف خطيرة. فالحضارة الغربية أشبه بجزيرة صغيرة محاصرة من جميع أطرافها بكراهية عارمة، وبمد جامح من عداوة خمسة أسداس البشرية الأخري. فالغرب كان يشكل في العام 1900 ثلث ســكان العالم. ولكن نسبته هذه تضاءلت الي النصف فصار لا يشكل في العام 2000 سوي 15 في المئة من سكان العالم. ولن يشكل في العام 2025 سوي 10 في المئة فقط. ومقابل المليار من الغربيين سينهض في العقود القادمة ملياران من المسلمين وملياران من الهندوسيين والبوذيين. وحتي المسـيحية نفسها، الجذر الأول للحضارة الغربية، ما عادت حكراً للغرب. ففي عام 1939 كانت ثلاثة أكبر أقطار للمسيحية في العالم هي المانيا وايطاليا وفرنسا. اما في عام 2002 فهي المكـــسيك والبرازيل والفيليبين. بل ان الغـــرب نفسه لم يعد في عقر داره غرباً. فأميــــركا تعـــج بالملونين الســـود والاسبانيين. وأوروبا تعج بالمـــسلمين من مغاربيين وأتراك. وفوق هذا كله فإن التكنولوجيا، التي صنعت تفوق الغرب الحضاري، ما عادت امتيازاً غربياً. فعدا اليابانيين وعدا الآسيويين الصغار، فإن الصيــنيين الكبار، بالمليار والثلث من تعدادهم، يقتحمون الآن أسوار التكنولوجيا الغربية من داخلها في شبه حصان طروادة جديد.

إزاء هذا الخطر الداهم، الذي لم يكن اعتداء نيويورك سوي قنبلته الأولي، يؤكد كاتب رسالة مرسوم كركلا علي حاجة الغرب الي أن يتوحد. فالحضارة هي أولاً مركز وحدود. وحضارة بمركزين اميركي وأوروبي، وبحدودين اطلسي ومتوسطي، لا تستطيع الدفاع عن نفسها. ولئن يكن المتوسط قد جمع بين امبراطورية الغرب القديمة، أي الامبراطورية الرومانية، فإن الأطلسي هو الذي ينبغي أن يجمع بين شطري الغرب المنقسم علي نفسه اليوم. وصحيح أن الأطلسي شاسع شساعة هائلة، ولكن ثورة وسائل المواصلات من شأنها أن تحوله من محيط الي بحيرة.

والواقع ان امبراطورية الغرب الجديدة بحاجة الي كركلا جديد. فهذا الامبراطور الروماني كان الموحد الحقيقي لامبراطورية الغرب القــديمة باصداره مرسومه الشهير الذي أقر بحق المواطنية لجميع سكان الامبراطورية بدون تمييز بين أصولهم الاثنية والجغرافية. والمرسوم الجديد الذي تحتاجه الحضارة الغربية الحديثة هو مرسوم سياسي يلغي الحدود في ما بين دولها ويكرس مواطنية غربية خارقة للحواجز الاثنية واللغوية وحتي الدينية. إذ ان الولايات الغربية المتحدة لن تكون حصراً مسيحية. فمن الممكن، بل من الضروري أن تشمل دولاً من جنوبي المتوسط وشرقه: الجزائر أو تونس إذا قيض فيهما للفرانكوفونية ان تنتصر، وتركيا إذا تمكنت من الحفاظ علي هويتها الاتاتوركية، وبطبيعة الحال اسرائيل، ولكن ليس فلسطين.

وعلي أي حال فقد آن للغرب، وهو الذي اخترع القومية، أن يتجاوزها. فالدولة القومية استنفدت مهمتها. ولئن عاش الغرب أضري حروبه في الماضي في ما بين دوله، فإن أضري الحروب التي تنتظره في المستقبل هي من الأعداء من خارج حضارته. والصراع هو صراع حياة أو موت. فلقد قيل ان القرن الثامن عشر كان فرنسياً، والقرن التاسع عشر انكليزياً، والقرن العشرين اميركياً. والحال ان القرن الجديد اما ان يكون غربياً أو لا يكون.

ومع التأكيد علي أن الولايات الغربية المتحدة لن يكون لها من دستور آخر سوي الدستور الديمــــوقراطي، فإن محرر رسالة مرســــوم كركلا لا يمانع، بل يؤكد علي أن الغرب بحاجة الي دولة مركزية آحادية الرأس لمواجهة عدوه الاخطبوطي، العديم الرأس، ولكن المتعدد الأذرع، الذي هــــو اليوم الاسلام المنقسم الي شتات من الدول سياسياً، ولكن المتحد عصبياً.

أستكون الولايات الغربية المتحدة مضطرة الي ركوب مركب الشر في التعامل مع هذا العدو الشرير؟ ربما، يجيب كزافييه دي سي... وما الحرج في محصلة الحساب؟ فخير للغربيين أن تكون لهم أيدٍ قذرة من ألا تكون لهم أيدٍ علي الاطلاق!

نحن، إذاً، في شخص محرر الرسالة، امام صليبي جديد. وهذا الوصف ليس لنا، بل لريجيس دوبريه نفسه في تعليقه المقتضب علي رسالة زميله المخالف له في الرأي. ويبقي أن نضيف من عندنا ثلاث ملاحظات يأخذ كل منها شكل المفارقة.

أولاها، ان الامبراطور كركلا، الذي يريد بعثه من رماده ليعيد توحيد الغرب، لم يكن هو نفسه، كشخصية تاريخية، غربياً. فقد كان شرقياً من أب ليبي هو الامبراطور سبتيموس ساويروس، ومن أم سورية هي الامبراطورة جوليا دمنة.

ثانياً، ان هذا المحارب علي جبهة الغرب قد قتل بيد غربية. فبحكم اتقانه التركية، كان تطوع، بعد اعتداء 11 أيلول، للعمل داخل افغانستان كضابط ارتباط بين المخابرات الاميركية وبين كتيبة من الأفغانيين المعارضين للطالبان من أصل تركماني. والحال ان الطائرات الأميركية قصفت وحدته العاملة قرب مدينة بلخ عن خطأ، فسقط هو وعدد من رجال وحدته الاستكشافية قتيلاً بشظايا قنبلة انشطارية.

ثالثاً، ان هذا المريض برُهاب الاسلام قد دفن في نهاية المطاف في مقبرة اسلامية في مدينة اكشاباد بجمهورية تركمانستان، وانما لهذا السبب بالذات طلبت زوجته - وهي نفسها من أصل تركماني - ان يبقي اسم عائلته - ويبدو انها تنتمي الي الارستقراطية - مكتوماً. ولهذا نشر ريجيس دوبريه رسالته تحت هذا الاسم المختصر: كزافييه دي سي...