العجز الموضوعي للأنظمة العربية

 

بقلم : محمد طي 

 

كشفت أحداث فلسطين الاخيرة آخر الأقنعة عن العجز الرسمي العربي في مقابل الاستعداد الجماهيري العارم للعطاء السخيّ، فهل الامر يعود الى شيخوخة او الى حالة كسل او الى عائق معين كبّل الانظمة العربية فمنعها، وهي ترى الدم العربي يسفك أنهارا، ان تجود بغير عبارات مرتجفة باهتة او ببعض مساعدات إنسانية لأناس كأن كارثة طبيعية حلت بهم، من دون ان يرتبطوا معنا بأي نوع من الروابط الخاصة.

ان طرح هذا الامر يهدف، بكل إخلاص، الى تشخيص ما أصاب هذه الأمة فأصبحت أمة غريبة الاطوار بين أمم الارض، اذ يقف حوالى ربع مليار من البشر مدعومين، بالقوة، من قبل ما يزيد على المليار من أمثالهم عاجزين عن نصرة أخوة لهم يذبحون في الساحات العامة نتيجة لانعدام وسائل المواجهة الضرورية، فيصرخون وتقمعهم أنظمتهم فيتحرّقون من دون ان يستطيعوا تقديم المعون اللازم، فيما تهبّ شعوب الارض لتتجاوزنا مما تقدم، وتتحرك أنظمة بعيدة عن ساحتنا جغرافيا لتقف موقفا أشد صلابة من موقف حكامنا.

لقد قالت العرب قديما: <<العاقل من لا يتعجب>>، لأنه يبحث عن السبب فيفسّر الاحداث، واذا أردنا نحن معرفة السبب، وجب علينا العودة الى الاسس، الى كيفية قيام تلك الانظمة وحتى الى كيفية قيام تلك <<الدول>>.

ولنبدأ بقيام الدول. ونحن هنا لن نأتي بالمفاجآت، فقط نريد التذكير بأن سفراء وقناصل القوى <<العظمى>> كانوا يدرسون طيلة القرن التاسع عشر على الاقل، كيفية تفسيخ الامبراطورية العثمانية، وما هي الكيانات التي ستخلفها، وكيف يمكن إقامة دول تحفظ مصالحهم او على الاقل، لا تهددها. وتفتقت عبقرياتهم عن ضرورة فصل المشرق العربي عن المغرب وإقامة جسم غريب يحمي احدى ضفتي قناة السويس، في مشروع تأمين طريق الهند والمشرق الاقصى ثم شرق افريقيا. وهكذا تقاسمت بريطانيا وفرنسا المشرق حسب معاهدة سايكس بيكو، فكان لبنان من حصة فرنسا التي جزأت سوريا الحالية في أربعة كيانات وضمت طرابلس الى لبنان. وفي كل ذلك لم تقم الدول التي كرّست في تقاليدها الدستورية مستوى رفيعا من ضمان حقوق الانسان، أي وزن لآراء الاغلبية الساحقة من أهل البلاد.

في هذه التشكيلة المفصّلة على قياس المصالح الاستعمارية زرع كيان لليهود الصهاينة في فلسطين، مكّن له في البداية العادة الانكليز، ثم مدّ بأسباب القوة والتفوّق من قبل ورثة الاستعمارين الانكليزي والفرنسي، أي الولايات المتحدة الاميركية، التي ألزمت ألمانيا تعويض اليهود الذين قدموا من مختلف دول أوروبا الوسطى والشرقية عما فعله هتلر بقسم من اليهود الألمان، وتعهدت فرنسا الجمهورية الرابعة بمدهم بالسلاح وحتى بمفاعل لإنتاج الطاقة النووية.

وهكذا أصبح كيان العدو قائما بين دول فصّلها المستعمرون في سوريا الطبيعية والعراق حيث تحاذيه الدولة الاضعف الاردن على مسافة ستمئة كيلومتر، من جهة ومصر من جهة اخرى.

واذا كانوا لا يرون في المشرق العربي دولا تستطيع القضاء على الخطر الصهيوني، فإنهم رأوا ذلك في مصر، فركّز الانكليز جل اهتمامهم عليها، لا سيما بعدما دُجنت الاسرة الحاكمة وشريحة من مثقفيها المتغرّبين الذين حاولوا ان ينأوا بها عن محيطها العربي ليجعلوها دولة متوسطية مثل اليونان وإيطاليا.

وعندما قامت الثورة العربية حاول الاستعمار الجديد استيعابها، ولما لاح له الفشل عمد الى التآمر من أجل تحجيمها ثم هزيمتها في حرب حزيران، الى ان أمكن، بعد حرب تشرين التي أجهضت، إعادة تحييدها باتفاقيات مكتوبة، ومن الناحية الفعلية، في الصراع الدائر بين العرب والكيان الصهيوني، فغزي لبنان سنة 1978 و1982 ولم تحرك ساكنا، واجتثت المقاومة الفلسطينية ولو مرحليا من لبنان، وخاض الجيش السوري معركة غير متكافئة مع قوات العدو، ولم يحرّك النظام المصري أي وحدة عسكرية ولو من أجل الضغط حينذاك.

وبعيدا عن ساحة المواجهة، ولتحقيق أغراض استعمارية، أقيم او سمح بقيام دول وكيانات ضعيفة لا مقومات لها، وهي لا تستطيع غالبا الوقوف على رجليها بدون دعم خارجي، ثم أثبتت لها التجربة ان هذا الدعم لا يمكن ان توفره في الحالات القصوى الا القوى الاستعمارية ثم الامبريالية، فأصبحت هذه الكيانات تدين بوجودها نفسه لهذه القوى. وهذا ما ينطبق على الجزيرة العربية ومحيطها.

أما في المغرب فقامت كيانات، بعضها خلقت له مشاكل تكوينية (السودان والجزائر) وبعضها صغير الحجم. وهكذا..

غير ان صغر الحجم في البلدان المعرّضة للغزو او للتدخل الامبريالي، أمكن تعويضه في الكثير من بقاع العالم، بالكفاح الشعبي الواسع في مواجهة قوى التسلّط والهيمنة، واستطاعت بلدان كثيرة ان تنتزع استقلالها وسيادتها، وما مثال الجزائر وفيتنام ببعيد.

فلماذا لم نقم، في مواجهة العدو الصهيوني، باستخدام الاسلوب نفسه؟

عندما أقيمت الدول، أنشئت لها جيوش تعتمد في سائر مقوماتها على الدول المستعمرة، او على الاقل على الدول التي أقامت كيان العدو ولخدمة مصالحها. فعندما أعلن قادة العدو <<دولتهم>> هاجمتها الجيوش العربية مستخدمة السلاح الذي تشتريه من مستعمريها السابقين، وتدخل هؤلاء المستعمرون لجعل الجيوش العربية تهزم او على الاقل تعجز عن التحرير.

أما المتطوّعون فكانوا غير متمرّسين بالقتال الضروري على مستوى تلك المرحلة للمجابهة، إضافة الى الطمأنينة الخادعة التي أمنتها الجيوش النظامية، وهكذا ضاع 80% من فلسطين، وأصر العرب على تقوية جيوشهم النظامية، ودخلوا في سباق تسلح مع العدو، كانت الغلبة له فيه. ولم يتم الاعتماد على الشعب، برغم ان تجارب عالمية أكدت أهمية ذلك، حيث كان الجيش يرابط على الحدود وينطلق الثوار عبرها، وكان يمكن استخدام الضفة الغربية التي ضمّت الى الاردن، وكذلك سائر الحدود العربية.

الا ان إصرار الانظمة على التحرير بواسطة جيوشها، بعد ان قامت في بعض الاقطار أنظمة أطاحت الانظمة التي هزمت في فلسطين لتخوض تجربتها الخاصة، لكن بأسلوب اعتماد الحرب النظامية نفسه. وتصدّت الامبريالية من جديد لمدّ العدو الصهيوني بما يمكّن من التغلب على الجيوش، وثبت للقاصي والداني عقم هذا الاسلوب، الا ان الانظمة الجديدة أصرّت عليه بعد أن انسحبت الانظمة القديمة من المعركة. وكانت النتيجة ان استسلم الرئيس السادات للارادة الاميركية ثم أبرم صلحا تنازل بموجبه للعدو عن أي إمكانية للمشاركة في حرب ضده، بل وحتى عن أي إمكانية لوضع أي من أحكام الصلح قيد المراجعة. وهنا عاد مأزق الانظمة للبروز بحدة، فلا إمكانية للقتال التحريري من جهة ولا إمكانيات لصلح مقبول من الشعب وبالتالي من بعض الانظمة، من جهة اخرى. وعادت طريقة الحرب الشعبية لتطرح نفسها كخيار للتحرير، واستمر الاصرار على منعها، فلماذا؟

اولا: لان هذا النمط من الحرب يحتاج الى تضحيات كتلك التي قدمتها فيتنام الشمالية لتحرير فيتنام الجنوبية، وهذا يستلزم ثقة من الشعب بالنظام ليتحمل التبعات.

ثانيا: لأن هذا النمط يغضب القوى الامبريالية ويدفع بها الى مواجهة النظام، الامر الذي يستدعي ان يكون النظام مستندا الى قوة شعبية شبه جماعية، ليستطيع الصمود.

ثالثا: لان هذا النمط يتعارض مع طريقة تكوين وتدريب معظم الجيوش العربية، التي تصبح غالبا نقطة ضعف الانظمة، لأنها تغري العدو بضربها ضربات موجعة.

كل هذا لم تستعد له الاغلبية الساحقة من الانظمة القائمة إما على قاعدة عسكرية ضيقة من دون تأييد شعبي، او القائمة على قواعد قبلية عشائرية.

ومن هنا يصبح الموقف الرسمي العربي مفهوما ويزول العجب، لان معظم الانظمة لا تمتلك الا <<التوسّل لأميركا>>، وأميركا لا ترى ضرورة حتى لحفظ ماء وجه هذه الانظمة. وهكذا فلا يبقى الا الشعب بقيادة قواه الحية. غير ان المهمة ليست بالسهلة، فسوف تضطر الشعوب الى مواجهتين في آن: مواجهة مع أنظمتها ومواجهة مع أعدائها، وحتى تتمكن من القيام بدورها لا بد لها من:

اولا: تعبئة الناس لمواجهة الخطاب الاميركي الامبريالي الذي صوّر النضال الشعبي من أجل التحرر إرهابا.

ثانيا: إعادة الاعتبار للخطاب النضالي التحرري وأصحابه.

ثالثا: البحث من خلال التجربة، عن سبل جديدة لخوض النضالات التحررية ضد قوى الاستعمار والغطرسة والعنصرية، ذلك ان الكثير من الاساليب او الوسائل القديمة يمكن ان تكون فقدت جدواها وأصبحت بحاجة الى بدائل.

ان كل هذا ليس بمستحيل، وقد أثبتت ذلك المقاومة في لبنان وبكفاءة عالية، كما أثبتته وما زالت تثبته في كل لحظة المقاومة الفلسطينية.