مخطىء من ظن يوماً..

 

بقلم : د. احمد نوفل

لا نريد اتهام النوايا ولا الدخائل، ولكن نريد ان نحدد موقفاً ونحكم على التصرفات، والا فانه يستوى الصواب والخطأ والحق والباطل.. ولا يتعلم من تجربته او تجربة غيره احد.

نقول هذا بين يدي تقييم «او تقويم» سريع للاحداث العاصفة غير المسبوقة التي مرت بفلسطين الحبيبة.. ووصل لفحها ولهب نارها الى كل ارجاء العالم الاسلامي.. بل العالم.

فهذه اربعون يوماً من الحرب المفتوحة، والجبهات المتعددة، والمعاركة الشرسة التي يديرها اليهود والنار المشتعلة التي اوقدوها، والدماء النازفة التي اراقوها، والارواح الطاهرة البريئة التي ازهقوها بدم بارد، وسادية وشوفينية مرضية، ونازية فاشية تفوق الوصف وتتفوق على كل المقاييس.

قابل هذه الفعاليات العسكرية والسياسية والاعلامية والدولية والحراك اليهودي النشط الشديد، قابله شلل في العالم العربي الرسمي حتى مؤتمر وزراء الخارجية انعقد بعد وزراء خارجية اوروبا، وكان عدم التئام شملهم اكرم واحفظ لماء الوجه من لقائهم المجرد من أي معنى او قيمة او ايجابية.

فاذا انتقلنا الى صعيد مؤتمر القمة، فان العرب اكتفوا بحسن النوايا التي ابدوها، وبالمبادرة الانسانية العظيمة الرائعة التي اطلقوها «ها ها!» بمد اليد بالسلام الى بني اسرائيل، فما مد بنو اسرائيل لهم بداً ولا رجلاً، ولكن قدموا الدبابات تهرس اجساد اخواننا في فلسطين والجرافات تهدم منازلهم فوق رؤوسهم، وهذا هو الجواب!

بلسان الحال الذي هو ابلغ من لسان المقال فهل وصلت الرسالة؟ وهل طرح العرب بديلاً؟ أم انهم تجمدوا وتحجروا عند كلمتين: خيارنا الاستراتيجي.. المبادرة؟ ولم يسألوا: فان لم..؟ لانهم طيبو النوايا الا على بعضهم، حسنو الظنون الا باخوانهم وشعوبهم، فالاصل حينئذ سوء النية والطوية وعدم الروية.

ومؤتمر القمة الذي لم ينعقد ليتخذ قراراً انعقد لغزو العراق للكويت خلال اربع وعشرين ساعة واتخذ قرار الحرب، بينما في غزو فلسطين لم يلتئم ولن.. وقام من يعلمنا ان الجيوش ليست للحرب، واذاً فلماذا المليارات المهدورة؟

آمنا انها ليست للحرب، فلا أقل من الدفاع، ونسأل: هل لو وصلت نار الغزو اليهودي الى حماكم القطري الذي رسمه لكم الاستعمار أكنتم تحركون ساكناً أم ان الشلل سيظل يخيم فوق رؤوسكم؟ حتى على الصعيد السياسي الدولي، فان دولة مارقة عن القانون والشرعية الدولية صوتها يعلو على صوتكم مجتمعين ان كان لكم صوت، فلماذا؟ ولماذا كانت الدول العربية تسحب مشاريع شكواها العاجزة حتى لا تحرج امريكا؟ ولماذا «اسرائيل» توالي شعبها وقضاياها، ودولناتحرص على رضا امريكا والصهيونية اكثر مما ترعى مصالح شعوبها وقضاياها المصيرية؟

فاذا انتقلنا الى بؤرة الصراع في فلسطين وكيف ادير الصراع لنتعلم من اخطائنا، ونتعلم من اعدائنا؟

اما الاعداء ففتحوا جبهات عديدة ليربكونا: فجبهة في جنين ومخيمها ارتكبت فيها مجازر وجرائم حرب، وجبهة في نابلس ارتكبت فيها فظائع واهوال وطفح فيها الحقد المعتّق الصهيوني على شعبنا وعلى الانسانية بعامة.

ثم جبهة في بيت لحم وكنيسة المهد، وجبهة رام الله والرئيس المحصور، وجبهة المطلوبين، وفي ما بين ذلك كانت «اسرائيل» «تنقّي» الرؤوس وتمارس اغتيالهم وتصفيتهم متذرعة بمكافحة الارهاب، وهي الارهاب كله وعينه، ومستغلة غطاء دولة الظلم والطغيان في امريكا، ومستغلة شلل العالم العربي، ومستغلة هيمنتها على المؤسسات الدولية..

ثم بدأت المساومات، في مقابل ادخال الماء الى مقر الرئيس يطلبون ثمناً، ومقابل إعادة الكهرباء الى الكنيسة يطلبون ثمناً ومقابل اخراج جثة يطلبون المقابل، وفي مقابل دفن الشهداء في رام الله، يغالون في طلب العائد. وهكذا في فن ابتزاز واشغال واشعال عديد من الجبهات تدع عدوك في ارتباك وحيرة.

وعلى صعيد القيادة الفلسطينية حقق الرئيس المحصور شعبية، ناشئة لا عن سذاجة وهبل الجماهير، لا ولكن عن مبدئيتها، فهذه الجماهير مع من يخوض المواجهات، ومع من «يمثل» الصمود.. فموقف الجماهير رسالة الى كل زعيم، ان هذا هو الطريق لتجذرك في قلوب جماهيرك.. وليس الاستسلام لارادة اليهود فاذا غير المواقف فان التراجع يسير.

وبعد «العصير» الاسرا-امريكي لعرفات، يطلق اليوم من جديد، ليعطى فرصة وعلى حسب تعبير بوش وبول فان عليه ان يقتنصها، ويثبت انه قادر على «قيادة» شعبه في طريق السلام مع «اسرائيل» واظن ان ترجمتها واضحة وهي ان يخوض حرباً اهلية نيابة عن «اسرائيل»، وبدأت الرسائل في الاتجاه المحبط للجماهير بدأت تتتابع تترى وبتسارع، فأول رسالة: الاتفاق العربي - الامريكي على تسليم المطلوبين للحراسة الامريكية- البريطانية يعني الاسرائيلية، مما يعني ان المقاومة جريمة وارهاب في نظر زعامة اصحاب القضية، وان قوى خارجية هي التي تتولى الامن في الوطن.

ويا لهذا الشعب العظيم الذي لا يجد قيادة مثل مانديلا الذي قضى لا ثلاثين يوماً في الحصار، وانما ثلاثين سنة وراء الاسوار في زنزانة، ولم تلن له قناة، فلماذا لا تجد شعوبنا قيادات حقيقية مثل الآخرين؟ وما معنى ان تكون الخطوة الاولى للرئيس بعد الافراج عنه ان يزور الرجوب الذي قال عنه هو نفسه: انه هو الذي سلم البرغوثي؟ هل هذه رسالة لامريكا و«اسرائيل» مفادها ان رجلكم في فلسطين هو رجلي ايضاً، وان عميلكم هو عيني وذراعي وعصاي على شعبي؟

هل نتوقع مسرحية تعيسة بيئسة نصاً واخراجاً في افتعال ازمة في غزة، كأن تفجر خمارة -كما حصل من قبل- لتبدأ بعدها حرب أهلية؟ هل نتوقع دعوة لجمع الاسلحة بدعوى وحدانية «التمثيل» و«الممثل»؟ ولم نر كل هذا وقت الاجتياح!

هل يثبت انه رجل المرحلة وكل المراحل؟ هل تجدد له الخدمة؟ هل يعطى فرصة؟ هل يراوغ كما وصفوه؟ أم يصدق معهم تماماً هذه المرة؟

المرحلة خطرة جداً واسوأ ما فيها انك ستضطر ان تبتلع قرف بني جلدتك فإن صمتّ قتلوك بدعوى تخريب الوحدة الوطنية، وإن قاومت قتلت نفسك واخاك وابن عمك، وهذا ما لايفعله ولا يرضاه مسلم وان كان الخونة يستبيحونه.

والعدو يتفرج ويضحك ملء شدقيه.

يا ايتها الزعامات يا ايها الساسة لم تسيئون الى شعوبكم وتخلصون للصهيونية وامريكا..علماً بأن شعوبكم بايعتكم وكل الزعامات وكل الحقب الى الابد، والذي ينهي خدماتكم هو من توالونهم وتخلصون لهم؟

هل جزاء الذين يهتفون بحياتكم ويفدونكم بدمائهم ان تريقوا دماءهم؟

هل جزاء الذين بايعوكم الى الابد ان تخونوهم والى الابد؟

وقبل شوقي قال مثلنا الشعبي: «من جرب المجرَّب عقله مخرب..» وصدق شوقي عندما قال:

مخطئ من ظن يوماً ان ....وندع باقي بيت شوقي لفطنة القارىء العربي وحسن اختياره.