ماذا سيفعل عرفات بحريته الجديدة ـ الآنية؟

 

بقلم : مطاع صفدي

 

.. والان ماذا سيفعل القائد الاسير باسترداد حريته الشخصية والمؤقتة. ذلك هو سؤاله لذاته، ولشعبه وللرأي العام العربي والعالمي الذي صاحبه ساعة بعد ساعة طيلة المحنة الفريدة، وكانت فرادتها انها فرضت متابعتها كمركز للحدث السياسي الاول كونيا، اياما واسابيع متتابعة، واضطر الاعلام في عواصمه الرئيسية ان يخوض مع بعضه معارك التنافس المهني الاعنف، للفوز بالخبر الاسبق عن تطورات الاسر، وتفاصيل معاناته، وعن ذلك المصير الذي ينتظره بالقتل المتعمد.

فالاسير المحكوم بالقتل المؤجل لم تتمكن المحنة المتفاقمة بشتي انواع الاذلال والتهديد، واخبث وسائل الحرب النفسية والتجويع والحرمان الجسدي، لم تتمكن من الاطباق علي حرية القائد الاسير وصحبه، واما عدوه شارون فقد راح يفقد امام الملأ ادوات التعذيب والارهاب والاعدام المؤجل، واحدة بعد الاخري دون جدوي، حتي الوصول اخيرا الي خانة الصفر من حسابات الحصار والاجتياحات ومجازر (جنين) واذلال كنيسة مهد المسيح. وامام هذه النتائج القاحلة يتخلي الشركاء الكبار عادة عن الموكول اليه وحده بالمهمات القذرة. وقد اقترفها شارون كلها، وعليه ان يدفع الفاتورة وحيدا، ليس من رصيده السياسي فقط الذي لا يملك من مستقبله بندا واحدا، ولكن من رصيده العسكري الذي يرتجع به الي اصله الحقيقي، باعتباره احدث طبعة عن همجية القتل الاول بالانياب والمخالب، وقد حلت مكانها دبابات ومروحيات امريكا واسلحة دمارها الشامل، ارقاها واخبثها في مقاتلة ثوار المدن المستباحة، ومطاردة ابطالها العزل الفقراء، فالصحافة الاسرائيلية هي الاولي في كيل اللوم المباشر الي المنهزمين الحقيقيين في اختبارات القوة التقنية العليا التي جعلت من ضعف الفلسطينيين قوة انسانية لهم متفوقة، ومن قوة المعتدين الصهاينة فضيحة انسانية قضت علي تراث كامل من قواميس الشفقة والرحمة علي مظالم المحرقة النازية. لكن المحرقة الشارونية لن تستطيع احابيل الاعلام العالمي المتصهين التستر علي احداثها وفظائعها.

ان الحرب الشارونية الاخيرة نبشت جوهر الخديعة الاسرائيلية الكبري، واعادت الي مركز الانتباه اسئلة الاساطير المؤسسة للكيان المصطنع. ولعل اهم ما اعادت احياءه امام انظار العالم ووجدانه الغافل، هو النموذج الاشد شراسة عما يعنيه الاستعمار الاستيطاني من سرقة الارض وتدمير شعبها الاصلي، والاصرار الاجرامي والبربري لطغاة اللصوص علي محو معالمه المدنية، وطمس هويته الباقية والقائمة رغم كل شيء. مثل هذه الحقيقة البسيطة لم تعد تخص الشعب الضحية وحده، بل حملت براهنيها الساطعة الي اوسع افق عالمي كانت تحتكره خفافيش الاكاذيب الصهيونية. انه الانتصار الفعلي الذي تخرج به القضية الفلسطينية من تحت انقاض السنوات العجاف لأوسلو ومحصلتها الأخيرة في ذروة الحملة الشارونية. وهو انتصار الحقيقة التي تعيد رسم الحدود الفاصلة بين بضاعة النفاق الاعلامي والتكاذب السياسوي الجامع لأقطابه المتعارضة من جهة، وبين ثوابت التاريخ وامتداد مؤثراتها المستمرة علي مجريات كل حاضر ومستقبل بعده.

ليست معارك الضفة بالأمس واليوم هي الأخيرة. ومشروع التدمير الشاروني لن يتوقف عند جنين ورام الله ونابلس او أي موقع فلسطيني آخر. والحرية المؤقتة لعرفات لم تعط له الا تحت شرط استخدامها فيما عجزت حقبة اوسلو عن تنفيذه، وهو البند الأول والأخير فيها، والذي يعني المهمة الأمنية اليتيمة لمصطلح (السلطة الوطنية)، ووظيفة الشرطي فقط لرئيسها. وقد يقبل هذا الرئيس المخضرم ما بين كل النكبات علي اشكالها، بالمهمة المطلوبة لأجهزته المنهارة وبالوظيفة المقررة لشخصه، ولكن يترك لذاته، كالعادة، حرية التنفيذ والممارسة علي طريقته. غير ان هذا الوعد السري لذاته يحتاج الي براهين ملموسة من الجميع. وتكون قادرة علي التصدي لهدفين متعارضين ومتكاملين معا في وقت واحد: وهما اولا ان تتم ترجمة القوة المعنوية والسمعة العالمية التي حصدها الصمود الفلسطيني رغم ضعفه العسكري، الي ركائز فعلية لقيام دولة الاستقلال الكامل، وان يحقق ثانيا الوجه الآخر لهذا الهدف المزدوج، المتمثل في تعجيز الخصم عن فرض ثمرات سياسية جديدة لما يسميه بانتصاراته العسكرية المزعومة. بمعني انه امسي لزاما علي القطب الفلسطيني ان يفيد مما اكتسبه بكفاحه من قوي التأييد العالمي، وحلفائه الجدد المتطوعين معه من فصائل العمل المدني في كل مكان، وخاصة في الاتحاد الاوروبي، وذلك في بلورة رأي عام دولي شعبي ورسمي، قادر علي تحييد مبدأ التفوق بالقوي الهمجية وحدها، واجبار دويلة الايديولوجيا الاسطورية الطاغية، علي الارتداد الي حجم وصيغة الدويلة العادية، بما هي كيان سياسي تحت القانون الدولي وليسي فوقه، كما كانت دائما وخاصة خلال تاريخها البائس.

مثل هذا النهج ليس مستحيلا ولا حتي بالصعب الممتنع، علي الحرية (المؤقتة) الممنوحة للرئاسة الفلسطينية ومعها سلطتها الوطنية. فهو ذلك النهج الذي يمكن ان يحقق اول ما يحقق، وهو اطلاق هذه الحرية من نسبيتها المفروضة، وتحريرها من قمقمها الصهيوني الامريكي، والارتفاع بها الي مستوي الحرية اللائقة بمستوي معارك التضحية والشرق المخاضة باسمها حتي الساعة، والمتسلسلة في خط معانيها ومآثرها بالذات. وهو النهج الذي عليه أولا ان يقلب مسيرة اوسلو رأساً علي عقب، المؤدية الي الكارثة العسكرية الأخيرة، والي المزيد علي لوائح المجازر لبني صهيون والعم سام. والمقصود من هذا الانقلاب المنهجي هو ان تتزود فلسطين بكل ثمار مكتباتها العربية والدولية، وان تذهب بها جميعها الي طاولة المفاوضات، لا ان تحيد عنها وتعبر من وراء ظهرها، كما فعلت وقت الحمل اللاشرعي بالمولود الاوسلوي الحرام.

ومع ذلك فليست فلسطين هي البادئة في الانقلاب علي اوسلو، وقد سبقها الي (المأثرة) كل من اتي بعد (رابين) من رؤساء تل ابيب، حتي انتهي الامر كله الي التدمير المادي المنظم مع شارون لمعظم الجانب الآخر من المعالم الايجابية التي اشادها بعض بناة الاستقلال الفلسطيني رغما عن فلسفة اوسلو وحراسها السريين والمكشوفين، والمتجلية في اقامة هيكلة الاساس التشريعي والتنفيذي لكيان دولة الاستقلال المدني وشبه الاداري والاجتماعي قبل السياسي الناجز. فالحرب الشارونية علي هذا الكيان شكل الوجه الاخر لحرب التقتيل الجماعي للأبطال والابرياء، مثلما كان هم الآلة العسكرية الاسرائيلية ازالة البشر والحجر معا، فقد اثار تدمير المجتمع الفلسطيني غضب العالم المتمدن، وزود جماعاته المثقفة والمواجهة بالبرهان القاطع الاوضح علي همجية المشروع الاسرائيلي، بما هي جوهر ذلك المشروع، وليس مجرد انحراف عارض. وكان ذلك افدح خسارة منيت بها صهيونية الالفية الثالثة، وسوف تعود عليها بأدهي العواقب فيما سيعتبر بمثابة استقالة اسرائيل من كل ادعاءات المشروعية الانسانية والدينية التي اهتمت وراءها دائما في المحافل الدولية.

نقول ان سؤال الشعب المكابد في فلسطين والرأي العام العربي وحتي الدولي، ماذا سيفعل القائد (الختيار) بحريته الجديدة والانية، ليس هو سؤال انتظار المعجزات، ولا هو المتشائم مقدما من كل ما هو آت، بل ربما انطوي علي دعوة لاستثمار حقائق المحنة التي عبرت احداثها الاولي، ولن تتوقف عندها. وربما جاءت بحلقات اخري آتية بأخطر مما عرفته حتي الان. واذا كان الخط السياسي والدبلوماسي هو الذي سيمسك بزمام المبادرات فلن تكون العودة الي تدويل الازمة وطرح مسلسل جديد من (اوراق السلام) ومشاريع المؤتمرات من النموذج الرباعي او الخماسي والسداسي، وكل هذه التسميات التي سوف تعمل علي طمس المعطيات المستجدة، لن تنفض الا عن نوع من الهدنة المريبة، فالدبلوماسية الدولية الواقعة تحت السيطرة الامريكية ستكافح بشراستها المعهودة العالمية الجديدة التي اكتسبتها شرعية النضال الفلسطيني، وبالتالي سيكون الهم الاول لهذه الدبلوماسية منع المنعطفات الحادة لصالح تلك الشرعية. ومن المؤسف ان الاحباط الامريكي المنتظر سوف يمتطي الفرس العربي المتمثل في مبادرة السلم علي الطريقة السعودية بعد ان يكون اعاد تفصيلها حسب المقاسات الاسرائيلية المعروفة. ما يعني ان اوسلو لن تدفن كليا بل ستعاد الي الحياة والفعالية بالاسلوب الامريكي المحض هذه المرة بعد ان تم اجهاضها مرحليا بالاسلوب الاسرائيلي والشاروني.

وما زالت تهدئة الساحة الفلسطينية وتخدير تفاعلاتها العربية والاوروبية، هدفا ضروريا في استراتيجية استيعاب المنطقة العربية امريكيا، ومن مدخل العدوان المبيت علي العراق، فالطروحات السلمية كما تفضلها امريكا، ليس لها الا مقصد واحد وهو حرمان فلسطين من ثقلها العالمي الجديد، في الوقت الذي يكتسب فيه العراق حصته الثمينة من عودة الاهتمام الدولي الي حقائق قضيته. اما اذا نجح العرب في اعادة الربط عالميا بين قضيتي فلسطين والعراق، بما هما فرسا عربة السلام المتكاملة للمنطقة كلها، فانهم قد ينتزعون اهم ثمار كفاحهم التاريخي من بين انياب العولمة الامنية الامريكية قبل ان تفتك بالمستقبل القومي لعائلات الامة التائهة، واحدة بعد الاخري. ومع اجماع المراقبين علي اهمية المنعطف الحالي وخطورته البالغة في الوقت عينه، فان الانتباه سيظل مشدودا الي ما سوف يفعله الرئيس عرفات بحريته الجديدة. هل يتورط في انتاج طبعة جديدة عن اوسلو مع شركائه او خصومه التقليديين. وهل يجازف في تقنين المقاومة او تحجيمها تمهيدا لالغائها، هل يستجيب لتوجيهات الخصوم واشباههم فيما لم يستجب له ابدا وهو محاصر واسير ومهدد بالقتل. اليست (السلطة) محتاجة اخيرا لتكون وطنية حقا، فتستفيد من حرية القائد لتباشر في تحرير ذاتها من امراضها القديمة، كيما تشرع في تحرير الظروف الموضوعية لمجتمعها المثخن بجراح الاعداء والاصدقاء معا، فالسلطة تولد ولادتها الشرعية من رحم اعظم مرحلة نضالية عرفتها فلسطين، من اول حرب شاملة خاضتها الثورة علي أرضها ودفعت اثمانهـــا الباهظة كيما ترفع عن كاهلها جميع الوصايات الدخيلة والمتطفلة.

وقد افشل شهداء هذه الحرب تجارب اقصي القوة والبطش والهمجية المسلحة بأرقي ادوات الفتك الامريكية والمحمية من قبل اصحابها كبار طغاة العالم المعاصر انفسهم. وهو الامر الذي يسمح بالقول ان عرفات فاز بوسام الحرية المتحررة من كل قيد الا منطقها الخاص واهدافها الذاتية الواضحة، ولم يعد اسير اية حرية اخري مقيدة او آنية. وتلك هي مسؤوليته العظمي التي لم تحمله اياها اية اعباء سابقة لمواقف مشابهة، دون ان تكون مطابقة ابدا للتجربة الراهنة ودروسها الفريدة واهم عنوان لهذه الدروس هو انه لم يعد مسموحا لقائد او تنظيم وحتي لدولة عربية او عالمية ان تتلاعب بالقضية الفلسطينية، او ان تتركها فريسة لتوازانات القوي الفاعلة حسب الظروف الطارئة، وبدلا من ان يسمح لأمريكا باستخدامها كتكتيك مركزي في استراتيجية التدمير الشامل للخارطة العربية، فان الانتصار المعنوي والانساني الكبير للمجتمع الفلسطيني علي اشرس حملة استئصال مبرمجة، لا يسجل فحسب فشل النموذج الاعنف لحروب العنصرية المجتاحة لمستقبل الالفية الثالثة تحت اعلام العولمة الامنية لامريكا اليوم والغد، لكنه يجهض في الوقت عينه ثقافة هذه الحروب من اخبث مبرراتها الخادعة، علي نسق محاربة الارهاب الاصغر بالارهاب الاكبر.

ولعل الصمود الفلسطيني يعلم مأثرة الشجاعة الضائعة من نادي القادة العرب، بل قد يجد فيه احرار اوروبا وبقية العالم كذلك، امثلة واقعية مباشرة عن امكانيات الشعوب شبه العزلاء في دحر قوي الطغيان الصاعدة مهما تقنعت وراء الادلجات (الحضارية) وسواها.

فلسطين لا تصمد ولا تنتصر لذاتها فحسب ولا لأمتها معها، ولكنها تفتح كوة النور الاولي في سور الطغيان المطلق الذي يحاول الالتفاف علي عصر العالمية الانسانية الجديدة المنبعثة من اضعف شعوبها، وهي تصير من اقواها علي مستوي صناعة النموذج الرائد.