"إحتجاب" عربي و"ظهور" دولي

 

بقلم : علي نصار 

بقدر ما يبدو انتصار شارون مدويا بقدر ما سيرتد سلبا على المجتمع والدولة الاسرائيليين، والسبب ليس التهديد والوعيد العربي بالطبع، ولا وخز الضمير الاسرائيلي او حكمة الادارة الاميركية، بل بكل بساطة، لان هذا الانتصار الشاروني سيضع القضية الفلسطينية على السكة الطبيعية التي سلكتها الشعوب نحو التحرّر.

فبعدما شكّل <<العنفوان>> العربي بخطاباته وتهديداته مادة دسمة استخدمتها اللوبيات الصهيونية في العالم لتصوير اسرائيل كضحية وسط عالم عربي <<متعطّش للحرب>> جاء تخلي الحكّام العرب عن القضية الفلسطينية كهدف قومي ليفسح المجال للعالم كي يتحرّك بما يخدم هذه القضية وكشف انتهاكات شارون لكل الاعراف والقوانين العسكرية والمدنية والانسانية، مع ما رافقها من اهانات طالت الاتحاد الاوروبي، والصليب الاحمر، ووسائل الاعلام الدولية. وما بوادر التلويح بعقوبات اوروبية، الا بداية مرحلة من الضغوط على اسرائيل بتوجه جديد في التعاطي مع دولة مصطنعة تمتلك هذا الكم من العجرفة والوقاحة. والأهم في ذلك هو ان اسرائيل بدأت تدخل حالا من العزلة على الاقل اوروبيا وهذا تحوّل لا بأس به، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار ان اوروبا تستحوذ على 70% من إجمالي التجارة الخارجية لاسرائيل.

مقابل التخلي من الحكام العرب نشطت المؤسسات المدنية والانسانية في العالم بشكل لم يسبق له مثيل لدعم القضية الفلسطينية ورفع الظلم <<الحضاري>> عنها، علما بأن معظم هذه المؤسسات التي تتحرك اليوم لنصرة الشعب الفلسطيني ساهمت خلال سنوات <<النضال>> العربي في تشويه صورة الانسان الفلسطيني بجعله يبدو في وعي العالم الغربي كوحش متربص ب<<الساميين الأبرياء>> الناجين من محارق الاوروبيين.

وإذا كان صمت الحكام العرب استفز الجماهير المكبوتة بسياساتهم <<الحكيمة>> منذ عقود فخرجت مظاهرات غطت الشارع العربي، الا ان ثمة منها ما كان <<تنفيسيا>> في بعض البلدان و<<استعراضياً>> في بلدان اخرى، وقد ووجه بعضها بقمع من قبل السلطات. لكن، عموما يمكن القول ان هذه المظاهرات ساهمت في لفت انتباه شعوب العالم القادرة على الفعل، كما لفتت الادارة الاميركية الى ان التعاطي مع القضية الفلسطينية ليس بالسهولة التي تعاطت بها مع تنظيم القاعدة في أفغانستان.

وأميركا التي سفرت عن وجهها ودخلت الصراع ضد الشعب الفلسطيني بدعم مباشر للمغامرات الشارونية لن تستطيع العودة الى موقع <<راعي السلام>> الوحيد وان كانت ليست في وارد التخلي عنه بسهولة، ومن هنا القول ان استمرار الاستفراد بالفلسطينيين واحتمال انفجار الوضع على المستوى الاقليمي قد يدفع بطرف او اطراف محايدة لأخذ موقع رعاية عملية السلام بديلا من <<الراعي>> الاميركي الاوحد الذي تحول، عمليا، لشريك لإسرائيل على كل صعيد.