غياب الوضوح والتردي في شرك الاحتلال

 

بقلم : فرج شلهوب

حكومة شارون تحاول ان تفرض تصورها، في كل مسألة في سياق الصراع الفلسطيني مع الاحتلال، وتجد لها سنداً وعوناً في ادارة بوش، التي لم تعد تجد ما يمنعها من التحدث بالعبرية الصريحة وتقمص أدوار، كانت في السابق حكراً على اليمين الاسرائيلي المتشدد. فشارون حسم موضوع المستوطنات، وأنه حتى تشرين ثاني 2003، ليس وارداً الحديث حول تفكيك اياً منها، بل ذهب شارون أبعد من ذلك، حين أكد أنه في حال اعادة انتخابه مرة أخرى، فلن يسمح بطرح الموضوع أيضاً.

أما الانسحاب من الضفة وغزة، أو عقد تسوية تبحث العناوين الاساسية وتحسم الموقف ازائها، فهي مسألة مؤجلة، والحديث ممكن حول تسويات مؤقتة، تأتي في مرتبة متأخرة ضمن سلسلة اجراءات تبدأ بفرض وقف اطلاق للنار، وقيام السلطة بواجباتها حسب المواصفات الامريكية والاسرائيلية، وليس انتهاءً باعادة «تربية» الشعب الفلسطيني كما يقترح شارون، ليتخلص من رواسب العنف والوصول للاهداف عبر وسائل ارهابية.

وبين هذه وتلك، من المهم ان يحاكم قتلة زئيفي، وأن يوضعوا في السجن تحت عين الاحتلال، واذا تعذر ذلك، فتحت عين اصدقاء الاحتلال ومشايعيه، وعقد صفقة لاخلاء سراح رئيس السلطة، ليس بالضرورة ان تشمل المحتجزين في كنيسة المهد، الذين ربما تم اقتراح وضع مشابه للمطلوبين منهم، لما تم في حالة قتلة زئيفي وفي أحسن الاحوال (!!) ابعادهم الى خارج الاراضي الفلسطينية، وليس بالضرورة أيضاً ان تشمل الصفقة وقف الهجمات الاسرائيلية على المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة وغزة، طالما ان هناك مهمات أمنية وعسكرية لم ينفذها بعد جيش الاحتلال.

شارون يريد ان يخضع السلطة، ومن خلفها اذا أمكن الشعب الفلسطيني لارادته، والمهم عنده ان لا يتم اعطاء أي فرصة لنتنياهو ليكيد للحكومة ورئيسها او ليتهمها بالتراخي والخضوع للابتزاز او التخلي عن الاهداف المعلنة، وليس مهماً اذا ما كان ثمن هذه المنافسة السياسية بين نتنياهو وشارون، تصعيد القتل والذبح والتدمير لابناء الشعب الفلسطيني، وتحدي ارادة العالم في رفض الكشف عن حقيقة ما جرى، والاستمرار في حملة العدوان، دون سقف زمني، ودون أية حسابات، وبشرعية وغطاء امريكي اولاً، وتخاذل وربما تواطؤ عربي ثانياً، وحسابات صغيرة عند اطراف فلسطينية ثالثاً.

ان ما يجري، وفي الهامش الزمني القصير والقريب، شيء يدعو للاستهجان وطرح العديد من التساؤلات المشروعة، فأي معنى للحديث عن تسويات، وآفاق للحل، في الوقت الذي تتواصل سياسة سفك دم الشعب الفلسطيني وملاحقة الشرفاء من ابنائه، وفي الوقت الذي يظهر شارون، اعتراضه على دفع ابسط استحقاقات التوافق مع أي خطة او مقترح للحل السياسي؟! وقبل هذا، كيف يسوغ للبعض ان ينشغل بنفسه، بل بما هو أقل من ذلك من اهتمامات، بينما لا يلتفت الى ضخامة الجريمة التي وقعت، وما تستدعيه من موقف واجراء -على المستوى الوطني- لا يحتمل التردد ولا التأجيل؟!.

لقد أظهر البعض، في الآونة الاخيرة، حرصاً على اعادة بناء الاجهزة الامنية الفلسطينية، كأولوية تتقدم على بناء أي شيء اخر في الواقع الفلسطيني المدمر، فلماذا؟! وما هي المهمات المستهدفة من اعادة البناء هذه؟!، وأي دور يتوقع ان تؤديه هذه الاجهزة في الايام القادمة، على خلفية هذا الحرص والاستعجال؟! وهل قامت هذه الاجهزة، وبصورة فاعلة، لا يعتريها النقص والقصور، بدورها في الاحداث الاخيرة؟! وهل يحتاج الامر في هذه الجزئية تحديداً اعادة تقييم على قاعدة ان دورها، بالضرورة، ليس في حماية وتأمين الاحتلال وملاحقة المقاومين له، بل حماية الشعب الفلسطيني، وردع المتجاوزين على حقوقه وهل كانت منسجمة مع هذا الدور؟! ولماذا لم ترتفع الاصوات للمطالبة بمعاقبة الاحتلال على جرائم الحرب التي ارتكبها، ومحاسبة المتورطين من جيشه في تخطيط وتنفيذ عمليات الاغتيال والتصفية للرموز والقيادات الفلسطينية، ام ان محاكمة قتلة زئيفي ونزع سلاح المقاومة والزج برموزها في السجون هو فقط المطلوب؟! وهل ثمة دم ازرق واخر بغير ألوان؟! أم ان المهم فقط ارضاء الاحتلال، والتجاوب مع مطالبه، مهما بدت متجنية وغير منطقية وابتزازية؟! وما عدا ذلك قابل للتأجيل والطي والنسيان؟!.

ان الشعب الفلسطيني معني ان يفهم حقيقة مواقف قيادة ورموز السلطة، وأين تبدأ خطواتهم وأين تنتهي؟! فالسعي غير الواضح، وعلى طريق يحفها الغموض ورائحة المساومات والتنازلات، لن يقود في ظل حكومة شارون، الا لتشظي الواقع الفلسطيني وتبعثره، على مساحة واسعة من الوهم وغياب الهدف. ليحقق الاحتلال وشارون بالخديعة والابتزاز وعبر استخذاء البعض، ما لم يحققه بالحرب والمواجهة المباشرة.