اخطار الإقليمية على الأردن والعالم العربي

 

بقلم : م. عـلي حـتـر

الأقليمية حالة لا توجد إلا في الدول ذات القومية الواحدة، بعد ان تقسم إلى دويلات، وهي حالة تشتد حدتها في الأمة العربية التي قسمها واقتسمها الإستعمار، ثم استقلت اسميا على شكل دويلات، وسلمها الإستعمار إلى حكومات غير معنية إلا بوجودها على رأس الحكم، دون التفكير بإعادة التوحد، إلا في حالات محدودة جدا، بعضها مستمر، مثل حالة اليمن، وبعضها لم يتمكن من الاستمرار، مثل وحدة مصر وسوريا.

وفي الأردن، هناك محاولات صهيونية - امريكية تدعمها فئات مستفيدة انتهازية محلية، لتمزيق حالة من الالتحام والوحدة الشعبية، اوجدها التاريخ بكامله، ولتجذير مفاهيم اقليمية مكانها، في إطارين هزيلين، إطار شرق اردني، وإطار فلسطيني، رغم أن هذين الإطارين لم يكونا يوما إلا واحدا.. عبر التاريخ ضمن الإطار العربي والإسلامي الأكبر..

ومن الطبيعي أن يحاول الإقليميون في الدول القطرية لتثبيت مواقعهم، أن يقوموا بكل ما هو مطلوب لتحقيق ذلك، مثل التعاون مع المستعمر الذي سلمهم عصا التتابع في إدارة شؤون الأقاليم، والتصدي بالتنسيق معه لضرب القوى القومية والوحدوية أو اية حركات ليست ذات طابع إقليمي، مع التمسك ظاهريا بشعارات الوحدة العربية.. والعمل المستمر لتجذير الشعور الإقليمي عند الغوغاء بطرح شعارات العزة والكرامة الوهميين، وشعار شخصية وهيبة الدولة، وبث الغناء وأدبيات تحاول خلق حالة تعبوية باتجاه حماية الشخصية اٌلإقليمية المتشكلة على حساب الشعور والشخصية القومية.. وباتجاه الإساءة إلى الآخرين، لضمان إثارة واشتعال الفتن، وبعد الغوغاء عن شعارات الوحدة، ووضع الجيوش على الحدود العربية - العربية وكأن الطرف العربي الآخر الموجود على الجهة الإخرى من الحدود، لم يكن يوما أبا أو أخا أو ابن عم.. واتهام كل من له اتصالات سياسية مع منظمات او هيئات او احزاب عربية بالاتصال او التعامل مع الخارج، في حين لا تنطبق هذه التهم مع الذين يتعاملون بأي شكل من الأشكال مع الهيئات الأمريكية أو الصهيونية او الاوروبية او منظمات التمويل الأجنبي!

أخطار الإقليمية والإقليميين على اية دولة عربية.. ليس لها حدود يمكن الوقوف عندها.. ولا بد هنا من التوضيح ان المقصود هو الأخطار على جماهير هذه الدولة وأرضها، لا على حكوماتها المتعاقبة.. ولا على تلك الفئة من الرأسماليين الذين قد يتحكمون باقتصادها، دون أن يعنيهم إلا جمع المال وتحقيق المصالح الشخصية..

واٌلإقليمية موجودة في الدول ككيانات هزيلة، وموجودة في مشاعر الناس بطرائق مختلفة:

- الحكام الإقليميين

- رجال الأعمال الإقليميين

- العشائريين

- اٌلإقليميين الجدد والنتهازيين

- الغوغاء

وعن كل فئة من هذه الفئات، تنتج مجموعة من الأخطار على الشعب والأرض والموارد..

إن الإنسان الإقليمي بطبيعته جهوي طائفي فئوي عشائري أسري وبالتالي فردي أناني حتى داخل أسرته، لا يقيس الأمور إلا بمقياس مصالحه الشخصية، لأن نمط التفكير الإقليمي يؤدي إلى هذا النوع من الصفات. وأذكر هنا أن أحد المرشحين الإقليميين للانتخابات النيابية، عمل ملصقا دعائيا من خارطة الأردن، ولم يكتب عليها سوى اسم عاصمة المحافظة التي ينتمي إليها.. وذلك في الانتخابات النيابية الأخيرة قبل عدة سنوات، رغم أنه كان يتكلم عن الأردن وتاريخ الأردن المميز ويواجه بهذا التاريخ كل التاريخ العربي في المنطقة والذي لم يكن الأردن فيه إلا جزءا من المنطقة الكلية.

الأخطار الناتجة عن الحكام ذوي النزعات الإقليمية

من المؤكد ان المسؤولين عن الحكومات ذات النزعات الإقليمية، يقومون بكل طاقتهم على تجنب الالتزامات القومية، التي قد تؤدي إلى تنمية المشاعر القومية لدى الشعب المقيم في المناطق التي تقع تحت حكمهم، فتصبح الكيانات الصغيرة والتي يخفيها احيانا اسمها المكتوب على الخارطة، وفي أحسن الأحوال لا تتسع مساحتها لكتابة اسمها، تصبح ارضا وتاريخا وهوية ودولة ذات هيبة وذات جيش باسل وذات تاريخ وتراث خاص بها معزول عما حولها، بل حتى يصبح اسمها «امة».. وقد سمى عدنان ابوعودة شعب الأردن وفلسطين، «الأمة الأردنية» و«الأمة الفلسطينية» على حساب الأمة العربية.

وينتج عن هذه المواقف الإقليمية الرسمية في أي دولة الانتقائية في الوظائف الهامة وفي اجهزة الأمن والجيش والجامعات، وهذه الانتقائية لا تعني هيام الحكومة بالحارس الفرد غير المثقف في معظم الحالات، الذي يسهر ليل نهار على حراسة مقارها، بقدر ما تعنيه من دغدغة لعواطفه وتوجيهه وجهة اقليمية والإيحاء له بأنه أهل للثقة لأنه ينتمي إلى هنا أو هناك، وأن المسؤولين لا يستطيعون ان يثقوا بغيره، لأن الآخرين من مناطق محددة لا يمكن الثقة بأهلها، وأن الآخرين يشكلون خطرا على الحارس والمحروس..

كما تغذي الفئات المسيطرة على مواقع القرار، الشارع بالإشاعات وتضخم الأمور إلى درجة كبيرة، تجعل حتى قطاعا هاما من انصاف المثقفين والمتعلمين، يقفون إلى جانبها، عندما تشيع أن هناك أعداء للوطن يهددون أمنه، وأن هؤلاء الأعداء موجودون في الداخل، لأن هذه الفئات تصور من يخالفها بالرأي وكأنه عدو للوطن بأجمعه، أي أنها تصور مصلحتها وكأنها مصلحة الوطن.. وتسيطر على الإعلام من أجل النجاح بهذه المهمة، كما تحرم الآخرين من منابر الرأي بالقوانين التي تسنها لتقزيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، بل حتى أنها توجه تهما بتهديد أمن الدولة إلى من يخالف المسؤولين بالرأي، وتحولها إلى تهمة جنائية لا سياسية حتى تحرمهم من حقوقهم.. بل تستعمل كل إمكانياتها لتلفيق التهم لهم، بعد أن تشن عليهم حملة إعلامية مركزة، وتجعل سكان الوطن المخدوعين يقفون إلى جانبها حتى في اختراق الدستور..

أما بالنسبة للتاريخ، فإن تزويره هو ابسط القضايا، وإذا بالتاريخ يبدأ منذ انفصال الوطن عن الوطن الأكبر، وإذا بالأمجاد المزورة تملأ كل أغاني الوطن..

وفي نقاش بيني وبين أحد المحامين الإقليميين حول بعض ممارسات الحكومة غير الدستورية مع قوى المعارضة المؤيدة للانتفاضة، كان رأيه (حتى وهو محام) أن هذه الممارسات مبررة لأن المعارضة زادتها.. وهذا يبين القدرة على التضليل التي تجعل محاميا يقبل بمخالفة الدستور فقط لأنه إقليمي!!

إن الأوضاع التي توجدها الحكومات الإقليمية، تعرض البلد إلى أشد أخطار الفتن، وهو ما يضعفه ويزيد من إذعانه للعدو الخارجي، وخصوصا لأن الحكومات تملك السلطة والإعلام ولا تهمها اصوات الآخرين وتتمتع بحماية الخارج، ولا تحترم الديموقراطية وحقوق الإنسان في البلد التي تحكمه، والذي لا تراه إلا بمنظار مصالحها.. ومصالح تحالفاتها..

إنه السلخ الكامل عن الوطن العربي.. رغم عدم وجود أية موارد أو مقومات غير المساعدات الخارجية، التي إذا انقطعت لأي سبب تكون نتيجتها الجوع والعطش.. رغم أن العراق صامد في وجه حصار العالم كله.. بل ويقدم المساعدات للآخرين.

الأخطار الناتجة عن مواقف رجال الأعمال الإقليميين

رجال الأعمال وأصحاب المصالح الراسمالية، هم أشد الناس خطرا في مسألة الإقليميةٌٌٌٌٌ.. لأن هؤلاء لا يرون وطنهم إلا من خلال أموالهم، ومصالحهم وبنوكهم ومصانعهم وشركاتهم، مستعدون أن يصبحوا إقليميين حتى في بلد هم ليسوا منه.. ويدعون حرصهم على مصالحه.. وخير مثال مجموعة المطبعين في الأردن، والذين يتمسكون بعلاقاتهم بشركائهم الصهاينة حتى وهم يقتلون أهلهم، والكثيرون منهم لم يعودوا ينتمون إلى المدن التي انحدروا منها، بل أصبحوا يدافعون عن أمن مصطنع وهيبة موهومة، حتى لو أدى الحفاظ على هذا الأمن المزيف إلى قتل وتشريد اهلنا في الوطن المحتل جميعهم..

إن هؤلاء لا يهمهم من العراق إلا ما يحيل عليهم من صفقات، ولا يهمهم من فلسطين إلا المناطق المؤهلة والشراكة مع الصهاينة من أجل التصدير إلى أمريكا.. حتى لو أدى هذا إلى ابتلاع الغول الصهيوني لكل اقتصاد الأردن.. وكما نرى حاليا، ورغم قيام كل القوى الإنسانية في العالم ضد شارون والعدوان الصهيوني الهمجي والمذابح في جنين ونابلس، فإن أي واحد من هؤلاء المطبعين، ومن رجال الأعمال المشتركين في مشاريع مع الصهاينة، لم يحاسب نفسه أو يتراجع، بل إن لسان حالهم يقول: «كم أتمنى أن يقضي شارون على كل الشعب الفلسطيني المقاوم، وعلى العراق الصامد، لتنجح مشاريعنا». وفي العادة فإن معظم هؤلاء يحمل جنسيتين، إحداهما امريكية أو اوروبية، تمكنه من اللجوء في حالة الطوارئ إلى بلد الجنسية الثانية التي يحملها..

ويعمل هؤلاء على التعاون مع العدو في المجالات المختلفة، في المدن الصناعية، ويشترون الأراضي لصالحه، ويرسلون العمالة الأردنية للعمل مكان جنوده المتفرغين لقتال أهلنا..

الأخطار الناتجة عن مواقف كبار العشائريين

لا يختلف اثنان بأن العشائرية بصورتها الخاطئة تتعارض تعارضا كاملا مع تطور ونمو أي وطن في ظروف ومعطيات الألفية الثالثة..

ويشكل بعض شيوخ العشائر ووجهائها، صيدا ثمينا للحكومات الإقليمية.. وقليلون هم هؤلاء الشيوخ الذين لا تهمهم عطايا ومنح الحكومات والمسؤولين المختلفة. أما غالبية العشائريين، فإنهم مستعدون أن يعملوا المستحيل من أجل ألا تذوب شيختهم في إطار قومي. والمعروف أن المناطق العربية المحيطة بالأردن ذات طابع قومي، أي أن العشائر فيها غير مستقرة وغير فاعلة، وليس لها حكم ذاتي كما هو الحال عندنا حيث تجول وتصول ولها أعراف بقوة القانون.. وهذا يدفع الشيوخ إلى الخوف من الإهمال والتلاشي ضمن اية حالة من حالات التوحد مع المحيط العربي.. فيعملون على أن يبقى البلد ضعيفا منفردا اقليميا مهما كان الثمن، وهذا بحد ذاته خطر حقيقي كما بينا سابقا..

والحكومات الإقليمية أو غير القومية، تتعامل مع هؤلاء بذكاء يضمن ولاءهم، ومن المعروف ان ولاء شيوخ العشائر يضمن ولاء أغلب افراد عشيرته.. وهنا تكمن لعبة التعبئة، فمن أجل الشيخ، تقاتل العشيرة كلها، فإذا أخذ شيخ ما موقفا ضد فئة معينة في المجتمع، تقف العشيرة كلها وراءه.. لتحاربها، وهذا ما يحصل فعلا في حالات كثيرة.. والوطن هو الضحية.. وأبناء العشيرة ايضا هم الضحية!!

اٌلإقليميون الجدد والانتهازيون والغوغاء

خلال أيام من مؤتمر سان ريمو، الذي قرر ما اتفق عليه المستعمرون في اجتماعات سايكس بيكو، بدأت فئة كبيرة من الانتهازيين بطرح شعارات تحقق للمستعمر اهدافه، ونمت هذه الفئة مع الزمن.. وتتكون هذه الفئة اليوم من انصاف مثقفي الطبقة الوسطى، وسماسرة الأراضي وموظفي الإعلام وكثير من موظفي الدولة الرسميين المسجلين على البطالة المقنعة، او الموظفين في بعض المؤسسات الهامة ضمن موال الكوتات التي تعطى لشيوخ العشائر وكبار الموالين للحكومات، أو المستفيدين من المكرمات والمنح إلخ...

ويعيش هؤلاء حالات من الفراغ السياسي والعقائدي يملؤونها بالدفاع عن شخصية البلد الإقليمية ويتحدون بهذه الشخصية كل الشخصيات العربية التاريخية.. وتصبح مواقفهم هذه هي عقيدتهم التي يتسلحون بها في مواجهة الأمة كلها، رغم انهم جميعا يتسابقون للحصول على (جرين كارد) أمريكي بمجرد ان يحصلوا على فيزا بواسطة احد الأقارب..

وهؤلاء يشكلون فعلا حطبا جاهزا للاشعال في أية فتنة أو أية حالة من حالات الصراع بين المعارضة القومية وبين التوجهات الإقليمية في السلطة في هذه الدولة او تلك!

وينضم إلى هذه الفئات، الغوغاء التي لا تفهم شيئا، والتي نراها واضحة في هتافاتها حتى ضد عقيدتها الدينية في ملاعب كرة القدم، أو في التظاهرات التي تنظم ضد المسيرات ذات الطابع القومي أو الإسلامي! (مثل الهتافات التي تقول: «ان القدس يهودية!)».

التناقض بين قبول التوطين والإقليمية

تشير المؤشرات السياسية إلى أن العدو الصهيوني وأمريكا والغرب عموما، بالتعاون مع العرب القابلين للكيان الصهيوني، سيسعون إلى توطين اللاجئين في الأردن، وأن هناك أطرافاً قبلت ذلك، وبدأت حتى بالتأسيس له، (حزمة الأمان الاجتماعي والاهتمام بالمخيمات)

وهناك سؤالان رئيسيان ينتجان عن ذلك:

الأول: كيف يمكن ان تقبل أطراف عرفت بتعزيز التوجهات الإقليمية، بالتوطين وتهجير مزيد من الفلسطينيين إليها لحل المأزق الصهيوني؟

والسؤال الثاني: ما الذي سيحصل إذا حصل ذلك، وكيف سيمكن السيطرة على الفتن التي سيوقدها مؤيدو هذه الجهات الإقليميون في المستقبل؟ ام انها مطلوبة؟.