حضارة في طريق الانحلال

 

 

 

بقلم  : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

يلوك سماسرة الغرب عندنا نظرية " الحضارة الإنسانية " كجزء من خطتهم في إلحاقنا بالغرب وهم في الطريق إلى ذلك يعملون على محو خصوصية الدين الإسلامي عقيدة وحضارة

 

وهم ينشطون لذلك اليوم بشكل خاص لتمرير خطة تطوير التعليم في البلاد الإسلامية كما تسوقها الإدارة الأمريكية في قيامها على محو خصوصية  الأديان والتركيز على فكرة تلاقي الحضارات في طريق ريادة الحضارة الغربية وهيمنتها

فقد تم اختيار مصر   كما جاء بجريدة الأسبوع بتاريخ 30 \6 \2003 - لتكون البلد العربي الأول لإحداث تغيير تدريجي في مناهج التعليم ثم تليها المملكة العربية السعودية، حيث طلبت واشنطن إلغاء تدريس المذهب الوهابي في المدارس السعودية وإلغاء المدارس السلفية هناك ويري الخبراء الأمريكان أن التغيير سيبدأ من المرحلة الابتدائية بحيث يتم تغيير محتوي المادة الدينية ليطلق عليها مادة 'الأخلاق والثقافة الدينية' بهدف إعطاء صورة إيجابية عن الفضائل الأساسية للديانات الثلاث (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) والتأكيد علي دور كل الأديان في بناء الحضارة الإنسانية، علي أن يمتد التغيير إلي مناهج اللغة العربية خاصة فيما يتعلق بالنصوص والمطالعة الأدبية بعد أن لوحظ أن هذه النصوص بها بعض العبارات التي تحض على كراهية اليهود والأمريكان ، ثم يمتد التغيير إلى التاريخ وذلك بمحو الذاكرة التاريخية لدي التلاميذ والتي تذكرهم بانتصارات الأمة الإسلامية في المعارك والفتوحات الإسلامية ، وتصوير ذلك علي أنه سلوك دموي وغير حضاري وليست له علاقة بالبطولات التاريخية. وأن يتم بدلا من ذلك التركيز علي تاريخ الثورات العلمية في العالم ، والتركيز علي العادات والتقاليد العامة التي كانت سائدة في المراحل الأولي لحياة الإنسان ، ومدي تطور هذه العادات ، مع ترسيخ إيجابيات الحضارة الغربية ودورها الرائد عالميا .

 

وفي تأكيد رئاسي لهذا الاتجاه طالب بوش الإبن في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 23 \ 9\2003 ( بإضعاف الأيديولوجيات التي تصدر العنف في الشرق الأوسط ) في إشارة واضحة لعقيدة الجهاد في الإسلام ، لا يجرؤ على إطلاق مثلها بالنسبة لأيديولوجيته الأصولية المسيصهيونية القائمة على نبوءة القضاء على قوى الشر في معركة هرمجدون بفلسطين ، كما لا يجرؤ على إطلاق مثلها بالنسبة للكيان الصهيوني الذي يمارس قتل الأبرياء والمدنيين ويدمر المنازل على رءوس " المطلوبين " ، ويطرد الفلسطينين ، ويقرر قتل الزعيم ،انطلاقا من تعاليم التلمود والعهد القديم .

 

 ( وفي تأكيد رسمي لجدية الولايات المتحدة في التدخل في الشئون الداخلية لدول المنطقة‏ اعترفت إيلينا رومانسكي المسئولة عن مبادرة المشاركة والديمقراطية بوزارة الخارجية‏ بأن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تغيير المناهج التعليمية في الدول العربية‏.‏
وزعمت أن المبادرة التي طرحها كولين باول وزير الخارجية الأمريكية عن الديمقراطية في الشرق الأوسط تهدف إلي تغيير المناهج بما يؤدي إلي التخلص من الحقد والتحريض علي الكراهية والعنف في المنطقة علي حد قولها‏.‏
ونقلا عن وكالة أنباء الشرق الأوسط قالت رومانسكي‏‏ في تصريحات للصحفيين في أثناء زيارتها الحالية لقطر‏ إن المنطقة والأجيال المقبلة ليست في حاجة إلي مزيد من العنف‏، وأضافت أن الولايات المتحدة ستساعد دول المنطقة علي تغيير كل ما يدعو إلي تعميق الحقد والكراهية في المناهج التعليمية ـ علي حد قولها‏.‏)
ومع إقرار  رومانسكي بصعوبة التدخل في النصوص الدينية‏،‏  مثل القرآن الكريم‏،‏ فقد
ذكرت ( أن الولايات المتحدة تسعي إلي تغيير المناهج التعليمية بما يؤدي إلي تكريس التسامح والإخاء بين شعوبها حسب تعبيرها‏.‏
وتجاهلت رومانسكي تماما أي حديث عن الصراع العربي ــ الإسرائيلي وانعكاساته علي المنطقة‏، وزعمت أن المناهج التعليمية في العالم العربي هي المسئولة عن تراجع معدلات التنمية العربية‏ ، وأن أي نظام تعليمي يسمح بمناهج تدعو صراحة إلي العنف والكراهية لن يكون قادرا علي إعداد أفراد قادرين علي التعامل مع العولمة والنظام العالمي الجديد‏،،.)
مفكرة الإسلام من الإنترنيت 22\9\2003

وبالطبع تجاهلت رومانسكي أن للحب بالضرورة وجها آخر يحميه من أعداء الحب ، وتجاهلت أنني لا يمكن أن أحب الحب إلا أن أكره الكراهية ، ولا يمكن أن أحب السلام إلا أنني أكره الحرب ، ولا يمكن أن أحب الغنى إلا أنني أكره الفقر ، وفي تراثنا أنه لو كان رجلا لقتلته ، ولا يمكن أن أحب الصحة إلا أنني أكره المرض ، ولا يمكن أن أكره المرض إلا أنني أكره السبب فيه ، ولو كان هو اليورانيوم المنضب ، أكرهه إذ يرمي أطفالي ، ليبعث بأكثر من مليون ونصف منهم في العراق إلى القبور ، وأكره البولدوزر الذي يهدم منزلي ليخرج منه " المطلوبين " في لغة الصهاينة ، ولا أنسى أن أكره من رماني به بأحدث الصواريخ أو بأحدث الطائرات أو بأحدث الآلات ، ، ولو كان هو أمريكا المحتكرة لمنتجات الدمار التي أنتجتها حضارتها : حضارة " أسلحة الدمار الشامل " ، التي ما ضربت بها غير شعوب الشرق ، حضارة " الكراهية " التي يزورونها باسم" "الإنسانية" ، وبالجملة فإنني لا يمكن أن أحب ما أحب إلا أن أكره ما أكره من ذلك كله ولو كان هو البرنامج التربوي الجديد ، وإلا أن أكره من يسوقه في بيتي وضميري منتهزا فرصة ضعفي ، ، ولو كان هو السيدة  رومانسكي مسوقة البرنامج الكريه ، مع الاعتذار لشخصها الذي لا أراه في الميزان .  

والتغريبيون  لدينا يتذرعون في خطتهم لترويج هذا التخريب بإسقاط السيادة الوطنية باسم العولمة ، انطلاقا مما يسمى " الحضارة الإنسانية " ،  وهم يفعلون ذلك دون أن يفصحوا أو يعلموا أنهم إنما يرددون كالببغاوات نظريات استعلائية غربية غاربة . 

وترجع فكرة " الحضارة الإنسانية " إلى الفيلسوف الفرنسي " أوجست كونت " (                   ) الذي استبدلها بالدين ، زاعما أن الدين إنما هو من مخلفات المرحلة البدائية أو الخرافية التي تطورت الإنسانية منها إلى المرحلة الميتافيزيقية على يد الفلسفة اليونانية ، ثم تطورت منها إلى " المرحلة الوضعية أو العلمية ، على يد النهضة الأوربية الحديثة ، هكذا في خط تاريخي واحد ممتد نظر إليه تحت وهم أن الإنسانية هي أوربا وأن أوربا هي الإنسانية ،  وعند ما وجد أن الإنسانية لا تستغني بطبيعتها عن الدين زيف في كتابه الأخير شيئا سماه " ديانة الإنسانية " ضمن رؤية شاملة عما يسمى " الحضارة الإنسانية " 

 

وترجع فكرة التطور المستمر في التاريخ  إلى ما شاع بين الناس  في أوربا في المائتي سنة الأخيرة ، - ومن ثم بين  الببغاوات الشرقية -  من " فكرة التقدم " العام ، وما تحمله من فكرة وجود مستقبل زاهر للبشرية دون حاجة إلى الإشارة إلى أية " حياة أخرى " ، وقد شاع ذلك بعد أن تيسر للناس تسخير العالم المادي لصالح الإنسان ، وتدعمت الفكرة بظهور " نظرية التطور"  الحيوي عند دارون ثم الاجتماعي عند هربرت سبنسر .

يقول جون بانيل بيوري (1861 1927 ) صاحب كتاب " فكرة التقدم " الذي   نشره المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 1882 ترجمة أحمد خاكي ص 6 ، 17 - 

( أصبحت فكرة التقدم موضع إيمان في سبعينات وثمانينات القرن السالف ( التاسع عشر ) وربما آمن البعض بها في صورتها القدرية التي تصور البشرية سائرة في اتجاه مرغوب فيه مهما فعل الناس ، أو أغفلوا القيام به ،  ) ص 292

 وغاب عن الببغاوات ما ظهر فيما بعد في  نفس البيئة التي ظهرت فيها فكرة التقدم أنها أي هذه الفكرة لا تتمتع بقوة القانون الطبيعي كقانون الجاذبية على سبيل المثال كما كانوا يظنون ، ولا هي نتيجة مستخلصة من وقائع التاريخ تفرض نفسها علينا كأشياء حتمية كما يقول تشارلز بيرد ( 1874-    1948 م ) - في التمهيد الذي قدمه لكتاب " فكرة التقدم " 

وقصارى القول في نقد فكرة التقدم كما يقول بيوري في كتابه  أنه ( تكون الحركة تقدما إذا كانت مرغوبة ، أو ربما اتجهت اتجاها غير مرغوب وبذلك لا تكون تقدما ، إن هذه مسألة خارجة عن نطاق الاستدلال العقلي وهي من المسائل المتعذر حلها في الوقت الحاضر على الأقل )  ص 30  ، و يذهب إلى أنه من الصعب أن نستخلص نتائج من تجارب الأربعة قرون التي تم التنقيب فيها بنجاح لنتوقعها كنتائج في غضون الأربعة أو الأربعة آلاف قرن التالية ، ( وهكذا يكون التقدم المتواصل افتراضا قد يصح وقد لا يصح ) ص31. 

وينطوي مفهوم  التقدم عند الفيلسوف الأمريكي الشهير وليم جيمس ( 1842 1910 م )  ( على عنصر من المخاطرة المستمرة ، فالتقدم عارض غير يقيني  ، وهو في جوهره مسألة إرادة حيث يحسم الأفراد أمرهم ، ويعزمون على العمل بشجاعة لصالح معتقداتهم الأخلاقية ) ص 132 من كناب " فلسفة التقدم " لدافيد ومارسيل ترجمة د: خالد المنصوري نشر الأنجلو عام 1978 م

 

أما عن فكرة " الحضارة الإنسانية الواحدة " فيفصح الفيلسوف الألماني الشهير أزفلد اشبنجلر 1880 1936( كتاب عبد الرحمن بدوي نشر عام 1982  دار القلم لبنان ) عن بطلانها  في كتابه الضخم الشهير " انحلال الغرب " وعنده أنه لا الحضارة إنسانية ممتدة بامتداد التاريخ ، ولا الحضارة الغربية صالحة للاستمرار في المستقبل القريب 

فمن ناحية الأصل الأول يتبين أن ما يسمى الحضارة الإنسانية  إنما هو حيلة  يستخدمها الغربي ليتخذ ( من حضارته محورا ثابتا يدور من حوله التاريخ ، ومن حضارته الشمسَ المركزية التي منها ينتشر الضوء على كل الوجود  ، محاولا أن  يوهمنا أن تاريخا بعيدا حافلا بالأحداث ممتدا إلى عدة آلاف من السنين كتاريخ مصر أو الصين أو { الإسلام } يمكن أن يركز ويضغط في بضعة حوادث عارضة مشتتة ، بينما تاريخ قريب تافه الأحداث لا يكاد يمتد إلى عشرات قليلة من السنين كتاريخ نابليون ينتفخ ويتضخم كما تتضخم الأشباح فيبدو أحفل من التاريخ الأول بمرات و مرات )

أجل من حق هذا الغربي أن يهتم بتاريخه ولكن ليس من حقه أن يقيم على أساسه صورة للتاريخ العام يصدرها إلينا في برامجنا التعليمية والثقافية ، كما أنه ليس من حقنا نحن أن نبتلع أكاذيبه لمجرد انه يتربع على عرش القوة في العصر الحاضر

وقد ترتب على أكذوبة الحضارة الإنسانية  أكذوبة أخرى ناتجة عنها : تلك هي القول بأن التاريخ العام يسير على خط أفقي ممتد يمثل " إنسانية " واحدة تتقدم باستمرار ، وقد حرص التغريبيون عندنا على دس هذه الأكذوبة  في نسيج الثقافة العامة في البلاد العربية والإسلامية ليسهل عليهم بعد ذلك إقصاء الذاتية الإسلامية وإخراجها من مسار التاريخ والمجتمع والحضارة معا ،  ، وفي هذا التيار انساق نفر من هؤلاء إلى الزعم بما أطلقوه من صياغات حالمة  عن " تقدم الإنسانية " و" التطور " و" التنوير"  و" حرية الشعوب "  و" السيطرة على الطبيعة " والحداثة إلخ ص 98

ويدحض اشبنجلر هذه المزاعم  بتقرير ما هو محل اتفاق من أن الحضارة ككل وجود حيوي : "  كائن عضوي في زمانه وصورته ومدة حياته ، فلا يشك أحد أن شجرة من البلوط مثلا بعد أن بلغت من العمر ألف سنة فإنه لا يمكن أن تبدأ اليوم نفس النمو الذي بدأت به يوم أن نبتت " لابد للكائن العضوي من حد عنده يقف النمو ، وهذا الحد يتوقف على الصورة الباطنة " الذاتية "  للنبات أو الحيوان ، أو التاريخ أو الحضارة ، الأمر الذي لا يسمح بالقول بحضارة إنسانية تستمر في سيرها  في خط  أفقي ممتد وتاريخ عام ، ص 99  وكما يقول جيتة " الإنسانية ؟ كلمة مجردة ، فلم يوجد مطلقا في يوم من الأيام إلا الناس ، ولن يوجد مطلقا غير الناس "

ومن هنا ينتهي اشبنجلر إلى خصوصية الحضارة ، أية حضارة ،  وكونها كائنا عضويا ينتهي عند أجل ، و يضع مكان الصورة العامة للتاريخ مسرحا لعدد كبير من الحضارات العظمى ، تنمو كل منها  بقوة كونية وروح خاصة ذاتية  زرعت في بطن بيئتها التي  هي بمثابة الأم لها ، وترتبط كل واحدة منها بهذه الروح من حيث ما سيكون لها طوال مدة وجودها من تنوع في الفكر أو العلم أو العاطفة أو الفن أو  الحياة أو الإرادة أو الشعور ، ومن نضج أو ذبول ،  ومن نمو وشيخوخة ، وموت أو فناء ص 100 .

هذه الدورة التي تمر بها الحضارة الغربية كما تمر بها كل حضارة وكما يمر بها كل كائن عضوي .. دورة مقفلة لا ارتباط بينها وبين الدائرة الأخرى التي توجد بجوارها أو التي وجدت بعدها أو قبلها ، فليس هناك تأثير متبادل حقيقي بأن يأخذ الكائن الحي شيئا أجنبيا عنه فيدخله في كيانه كما هو بل لابد له إذا كان يريد أن يأخذ شيئا من الخارج أن يحيله إلى طبيعته هو بأن يتمثله ثم يهضمه ، أو بأن يبدعه من جديد ، لأن طبيعة الكائن الحي تختلف عن الآخر كل الاختلاف . ص 127 ، وما يشاهد من تشابه في أسلوب التعبير عن حضارتين مختلفتين إنما هو وهم ، وتشابه في الظاهر،  لا يتعدى إلى الجوهر ، لأن كل حضارة تعبير عن روح ، والروح تختلف بين الحضارة والحضارة الأخرى تمام الاختلاف : في جوهرها وأسلوبها وممكنات وجودها ص 128 . فإذا اشتركت العناصر المؤثرة في حضارتين تقبلت كل منهما هذه العناصر على نحو مباين كل المباينة للنحو الذي عليه تتقبل الحضارة الأخرى هذه العناصر،  لأن كلا منهما لا تستطيع أن تهضم هذه العناصر إلا إذا أجرت عليها عملية معقدة طويلة من التحويل ثم التمثيل ثم الهضم أحالتها إلى طبيعتها ص 128 . أي أن تجري عليه الكثير من التغيير مما يجعله يفقد روحه الأصلية (  وكلما ازداد تمجيد المرء لمبادئ فكر أجنبي ازداد تشويهه لمعناه . فبين أرسطو عند اليونان وأرسطو عند العرب وأرسطو عند القوط في العصور الوسطى فارق لا حد له حتى لا يكاد المرء يجد فكرة واحدة مشتركة حقا بين هذه الصور الثلاث لأرسطو .

 وبين المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية هوة سحيقة من غير الممكن عبورها ) وكذلك الأمر بالنسبة للقانون الروماني : الذي تطرق إلى الحياة في كل من الحضارة القديمة وانتقل منها إلى الحضارة العربية ثم وصل إلى الحضارة الأوربية الحديثة : تحول إلى ثلاثة أنواع من التشريع لا رابطة بينها إلا في بعض الألفاظ والصيغ أما الروح فمختلفة أشد الاختلاف . ص 142

الحضارات إذن تقوم مستقلة عن بعضها البعض تمام الاستقلال كأي كائن حي كل منها تكون وحدة أو دائرة مقفلة على نفسها ليس بينها وبين غيرها من الحضارات غير منافذ من نوع خاص لا تسمح بنفوذ شيء لا يتلاءم وجوهر هذه الحضارة ، وما تسمح به لا تلبث أن تحيله إلى طبيعتها ، وما يتحدثون به عن وجود " حقائق أزلية " أو فتوحات أبدية " للعلم أو للفلسفة إن هو إلا من وهم الخيال . وما يحاولونه من دمج شخصية حضارية لحساب أخرى ما هي إلا محاولات عقيمة ، لا تنتج غير كائن مشوه أو القضاء عليه بالكلية ، أو هي تنتج ما يسميه اشيبنجلر " التشكل الكاذب " الذي يوجد في بعض التطورات الجيولوجية ، حيث طبق اشبنجلر هذه الظاهرة الجيولوجية على تكوين الحضارات فوجد أن هناك حالة مشابهة لها تماما تحدث حينما تنتصر حضارة قديمة على البقعة التي تولد فيها حضارة جديدة انتصارا  يحول بين الحضارة الجديدة وبين التنفس والنمو الطبيعي ، فلا تستطيع هذه الحضارة الجديدة أن تنمي صور تعبيرها الخالصة ، ص144

وهذه في رأينا هي النتيجة البائسة التي سوف تلاقيها بعض صورالحضارة الغربية التي تحاول الانزراع ببعض قيمها السلبية في جسم الحضارة الإسلامية عندما تحاول الاستخفاف ببعض المقدسات الإسلامية ليتحول على سبيل المثال - إلى رفض لمجموع الحضارة الغربية في كل صورها ، ، كما أنها هي النتيجة المؤسفة التي أخذت تلاقيها عندما تحاول زرع قشرة حضارية استهلاكية في بعض مشيخات الخليج مثلا - بينما الباطن ما يزال يرزح تحت تقاليد قبلية موروثة مما قبل ظهور الحضارة أصلا ، كما أنها هي النتيجة المؤسفة عندما أخذت تحاول زرع مبدأ تداول السلطة عن طريق الانتخاب بينما الباطن ما يزال متخما بتقاليد الوراثة القبلية  والفرعونية والملكية فإذا به يلوي ذراع " الجمهورية"  المستوردة لتصبح وراثية تحت أعين " المتفرجين " .

ويؤكد اشبنجلر تباين المفاهيم الأولية  في تصور كل من حضارة وأخرى : في الفن والتصوير والألوان  ، والموسيقى وآلاتها ، و المباني وهندساتها، والطبيعة  والفيزياء والكيمياء والعناصر ، والدين والألوهية والتوحيد والتسليم والإيمان ، والإلحاد ، والروح والنفس ، والذات والجسم والأخلاق والفضيلة والقيم ، والإرادة ، والفلسفة  والميتافيزيقا ،  ومصطلحاتها كالهيولى والصورة والجوهر والزمان والمكان والكتلة والحرارة والعلم ص 185 ( فليس العلم حقائق خالدة لا تتأثر بطبيعة واضعيها والحضارة التي نشأوا فيها ، فإنما العلم كالدين سواء بسواء ، يقوم على عقيدة آمن بها العلماء إيمانا ، لأنها صادرة عن روح الحياة التي يحيون فيها . إن كل علم يقوم على يقين باطن ، وكل الاعتراضات التي وجهتها العلوم الطبيعية ضد الدين تصيب هذه العلوم نفسها ) وإذا كان كل دين يقوم على عقيدة معينة فكذلك كل فيزياء تقوم على عقيدة فيها تعبير عن الرمز الأولي للحضارة التي صدرت عنها هذه الفيزياء ، فالفيزياء الغربية تقوم كلها على عقيدة واحدة هي القوة ، والقوة في الفيزياء الغربية كمية أسطورية لم تصدر عن التجربة العلمية ، وفرضتها فرضا ، فليس في غير هذه الفيزياء أي الغربية -  يتم التعبير بالعـَرض بعد إزاحة الجوهر ، حيث نجد القوة المغناطيسية في المجال المغناطيسي تحل محل حجر المغناطيس ، وأن طاقة الإشعاع تحل محل الأجسام المشعة ، وأن كل الظواهر الفزيائية والحيوية هي صورة من الحركة قابلة للتحول بعضها إلى بعض ، وفي كل هذه التحولات تظل كمية العمل الميكانيكي ثابتة إلخ ص 210 212- 220

فتاريخ كل حضارة إذن كتاريخ الإنسان أو الحيوان أو الشجرة سواء بسواء ، والثغرة التي يدخل منها ما يسمى التاريخ العام ينحصر في ترجمة حياة هذه الحضارات ، من حيث  دورات الحياة المتشابهة التي تمر بها كل منها - كما يمر الأفراد - بين دورات خاصة بالطفولة والشباب والشيخوخة  أو بالربيع والصيف والخريف والشتاء .

 فللحضارات جميعا دورات تسير عليها  ، فإذا استطعنا أن نعينها بالنسبة إلى واحدة استطعنا أن نعينها بالنسبة إلى بقية الحضارات ، كما يكون من المتيسر أيضا أن نتنبأ بما سيجري للحضارة الموجودة الآن على الأرض وهي الحضارة الأوربية الأمريكية

ويحدد اشبنجلر مراحل هذه الدورات أو هذا السياق الذي من خلاله يحكم بانحلال هذه الحضارة

إذ يمتد هذا السياق من المرحلة الأولى في اللحظة التي تستيقظ فيها روح كبيرة تنفصل عن الحالة الروحية الأولية للطفولة الإنسانية ، ثم تنمو في تربة بيئة تظل مرتبطة بها ارتباط النبتة بالأرض التي تنمو فيها ، ثم تموت حينما تكون الروح قد حققت جميع ما بها من إمكانات : على هيئة شعوب ، ولغات ، ومذاهب دينية ، وفنون ، ودول وعلوم ، ومن ثم تعود إلى الحالة "الروحية الأولية الفطرية "  ص 102

وتصل الحضارة إلى مرحلة الانحلال عندما تفقد قواها الحيوية ، إما باختناقها تحت تأثير روح أخرى أقوى منها وأخصب ، وإما لأنها بلغت غايتها وحققت صورتها النهائية ، ولم يعد في استطاعتها أن تعلو على الحد الذي وصلت إليه ، بأن حققت في الخارج كل ما تحتوي عليه من إمكانات باطنة ، عندئذ ينضب دمها ، وتتحطم قواها ، ويتحجر كيانها ، فتصبح " مدنية " بعد أن كانت " حضارة " .  ولكن هذا لا يعني فناءها نهائيا ، بل تظل قادرة على البقاء ربما لقرون  ،  كما تبقى الشجرة التي استنفدت عصارتها سنوات طوالا ، تظل تمد فيها أغصانها التي أصبحت فريسة للسوس ، أو كما يبقى الشيخ في أخريات أيامه غير قادر على الإنجاب أو العطاء . ص 103

وإذا كانت الحضارة ككائن عضوي تمر بدورات : الطفولة والشباب والنضج والشيخوخة ، فيمكن القول بأنها باعتبارها كائنا زمنيا تمر بأطوار الربيع والصيف والخريف والشتاء ، ولكل دور من هذه الأدوار من الخصائص ما للفصول السنوية التي تناظرها من خصائص ، أو ما لأدوار حياة الإنسان المناظرة لها من خصائص ، فالحضارة الغربية ( الأوربية الأمريكية ) بدت في أول أمرها في فجر العصر الروماني القوطي حوالي سنة 900 م طفلة لم تشعر بعد بقواها ، ولكنها كانت  تؤذن بنمو فذ سريع ، فزكت وترعرعت ، وهكذا رفت عليها روح الربيع ، فأشاعت فيها قشعريرة " الإبداع " والحياة المليئة ، وأصبح كل شيء يوحي بميلاد روح جديدة ، ص 104  وكلما نمت واقتربت شيئا فشيئا من صيفها تحددت ملامحها ، واستقرت  خصائصها التي تعبر عنها ، فإذا ما وصلت إلى قمة تطورها وحققت كل ما فيها من إمكانات واستنفدت قواها الخالقة بدأت تدخل دور شيخوختها وانتقلت من حالة " الحضارة " بمعناها الدقيق إلى حالة " المدنية " : فينطفئ النور الذي كان متوهجا بها من قبل شيئا فشيئا ، ولا يرسل غير شعاع  فيه من القوة الحقيقية أقل مما يدل عليه المظهر ، ثم تشعر روح الحضارة حينئذ بالحنين إلى طفولتها الأولى ، وأخيرا وبعد أن أصبحت منهوكة القوى خالية من العصارة قد نضب منها دم الحياة تفقد الحضارة الرغبة في الوجود 105 فتظهر فيها مشاكل الشك المتزايد في قيمة العلم ، وانحلال الفن ، وتضخم المدينة على حساب الريف ، وهبوط النسل ، ومشكلة الزواج  ، والأزمات العنيفة في أوضاع العمال ، والنظم النيابية ،  وموقف الفرد بإزاء الدولة ، ومشكلة الملكية إلخ  ص 120

ويذهب اشبنجلر إلى أن روح الحضارة في أدوارها الأولى -  ربيعها وصيفها -  روح دينية وليس في مقدورها أن تكون غير دينية ، وإن كان في إمكانها أن تلهو بالدين عن طريق الفكر  ، والإلحاد إنما يأتي كظاهرة مرتبطة بزمان محدود في تطور الحضارة تعبيرا عن عقلية استنفدت كل إمكانياتها الدينية وأصبحت فريسة اللاعضوي  ( المادي ) ص 222 وهو يأتي في دور المدنية منذ ابتداء هذا الدور أي دور المدنية وينتسب إلى المدن الكبرى ، ولكل حضارة نوعها الخاص من الإلحاد ص 223 ، وثمة ظاهرة دينية أخرى  تشاهد في كل الحضارات عندما تمر بنفس المرحلة في سيرورتها الخاصة : هي ظاهرة الإصلاح الديني ، ومعناها رجوع الدين إلى طهارة فكرته الأولى وصفائها ، ، وليس من الضروري أن تنتهي حركة الإصلاح الديني إلى قيام أديان جديدة ، وهي إذن حركة عقلية توجد في دور انتقال " الحضارة " إلى " المدنية " على وجه الخصوص أو قبل ذلك بقليل

(1) وهنا نصل إلى الظاهرة الأولى لانحلال الحضارة الغربية : من حيث إنه إذا بلغت المدنية آخر دور من أدوار نضوجها وأصبحت خارجة من التاريخ ظهرت فيها نزعة دينية جديدة ثانية يسميها اشبنجلر باسم " التدين الثاني " ، كما تستهويها حينئذ نزعة دينية صوفية غامضة يشوبها شيء من الجزع العقيم ص 105 - 106،  واشبنجلر المتوفى عام 1936 كان يرى أن الحضارة الغربية لا زالت بعيدة عن هذا الدور ، إذ لم يشاهد انبعاث المسيحية الصهيونية في أوربا وأمريكا بوجه خاص بعد وفاته بوقت قليل ،  وهو يصف هذا الدور بما يكاد ينطبق حرفيا على هذه الظاهرة الصهيونية المسيحية ، حيث يرى " أنها تمتاز بالتقوى  الخالية من كل إبداع وكل طرافة " فلا شيء يـَبنى ولا فكرة تـُنمِّي،  وكأن سحابة تخرج من البيئة مظهرة الصور القديمة الغامضة المترددة في أول الأمر ، الواضحة الصريحة قليلا فيما بعد " لأن الدين البدائي يعود من جديد فيغمر الشعور الديني كله ، ويفرض نفسه على الناس في صورة تجمع بين أخلاط عدة من الأديان البدائية الفطرية ، وتعود بعودته الفوضى الأولية التي تحيا فيها كل حضارة قذف بها خارج تيار التاريخ ، إلى حيث ترقد  في ناووس الطبيعة اللاعضوية . ص 225

وإذا كان هذا الوصف لهذه الظاهرة يكاد ينطبق تمام الانطباق على المسيصهيونية الجديدة بما أحيته من التفسير الحرفي لنبوءات العهد القديم والعهد الجديد فإن اشبنجلر يضع بذلك في أيدينا العلامة الأولى على انحلال هذه الحضارة  ، وبخاصة إذا ضممنا إليها قيام الكيان الصهيوني على أساس هذه النبوءات ، وأيضا إذا ضممنا إليها هرولة الاتحاد الأوربي أخيرا إلى الوقوف بالصف عندما نص في دستوره الجديد بعد قرون من العلمانية -  على أن المسيحية هي الإطار الثقافي الذي يتميز به الاتحاد ، ويشكل أساس الهوية الأوربية  ، وحيث قام الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان بالإشراف على هذه الصياغة بهذا الدستور، وكان هو أحد المعترضين على قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي لأنها دولة إسلامية لما تؤدي إليه من إخلال  بالهوية الأوروبية. . حسب تعبير الأستاذ أحمد عباس صالح في مقاله بجريدة الشعب في 5\7\2003

وكما جاء في النشرة اليومية لقناة الجزيرة بتاريخ 25\8\2003  : لقد شدد البابا يوحنا بولص الثاني ( اليوم ) مجددا مطالبة الكنيسة بأن يشير دستور الاتحاد الأوروبي إلى التراث المسيحي لأوروبا. وقال البابا خلال صلاة الأحد في مقره الصيفي بكاستيل غاندولفو على مسافة ثلاثين كيلو متر جنوب شرق روما "إن الكنيسة على قناعة بأن إنجيل المسيح الذي شكل عنصر لحمة بين الشعوب الأوروبية على مدى قرون، ما زال في يومنا هذا مصدر قيم روحية وأخوة لا ينضب".وأضاف أن الإقرار بذلك هو مكسب للجميع وأن اعترافا صريحا في المعاهدة (دستور الاتحاد الأوروبي) بجذور أوروبا المسيحية يصبح الضمانة الرئيسية لمستقبل القارة. وكان البابا  قد دعا لتعديل مقدمة الدستور الأوروبي في أكثر من مناسبة بما لا يغفل الناحية الدينية للمسيحية

 


هكذا دسوا فينا العلمانية وبعد أن اطمأنوا إلى ما قامت به من تصفية دمائنا أعلنوها دينية : في الولايات المتحدة ، وأعلنوها دينية في الاتحاد الأوربي ، ومهدوا لذلك بأن أعلنوها دينية في الكيان الصهيوني

وإذا كان هذا التدين المفاجئ الزائف المكون من أخلاط من الأديان البدائية الفطرية حسب تعبير شبنجلر ص 224- والذي يأتي في دور المدنية المتأخرة من أدوار الحضارة ظاهرة انحلال فيها حسب ما ذهب إليه  فإنه يضيف إليه ظواهر أخرى تنبت أيضا في دور خريف الحضارة أو شتائها .

 

(2) إذ يتوقع اشبنجلر نهاية الحضارة الغربية من حيث ما وصلت إليه من  سيادة الروح العلمية التي هي بطبعها لا تتفق مع روح الحضارة ،  فروح الحضارة كروح الفنان سواء بسواء هي شيء يريد أن يتحقق ، أما الروح العلمية المنطقية المجردة من الإحساس فظاهرة متأخرة محدودة الأفق مؤقتة تنتسب إلى الأدوار الأخيرة الناضجة جدا في حضارة من الحضارات ص 86 ، وهو يقصد بكونها تنتسب إلى الأدوار الأخيرة الناضجة أنها تنتسب إلى دور الانحلال

 

(3) ويتوقع اشبنجلر نهاية هذه الحضارة من حيث حولت الوسائل إلى غايات

وقد تحقق ذلك فيما سماه مأساة سيادة العقل ، وهو يقصد بذلك البحث العقلي الدائم عن العلية أو السببيية ، إذ أن إدمان ذلك في سلسلة الأسباب يترتب عليه في المجرى الوسط  أن يصبح كل سبب نتيجة ، وكل نتيجة سببا ، ثم يترتب عليه أن يصبح كل غاية وسيلة وكل وسيلة غاية ، ومن ثم تتحول الوسائل إلى غايات ص 287 ولعل أعنف صورة لهذا النوع من المآسي تلك التي نجدها في ميدان الاقتصاد  .

  ففي ميدان الاقتصاد تحول النقد المفترض كونه وسيلة إلى غاية ، ص 288 ، وبسيطرة النقد أصبحت الملكية ثروة تقدر بكمها لا بكيفها ، وليست مجموعة خيرات بل استثمارا لخيرات ، وتحول السوق القديم الذي كان في الريف مركز حياة إلى سوق مالي في المدينة يسكن فيه النقد ، وتتبادل فيه الأموال بطريقة تجريدية بواسطة الأوراق المالية ، وبعد أن كان التاجر وسيطا فحسب يصبح سيد الحياة الاقتصادية كلها ، ولما كان في الواقع مغتصبا للإنتاج لا صاحبه الأصيل نرى اعتماده في نجاحه الاقتصادي يقوم كله على المداهنة والمكر وتلفيق الأكاذيب  ونشر الإشاعات ، ثم يرتفع النقد إلى مرتبة السيادة المطلقة حينما تنشأ المدينة العالمية ويصبح الاقتصاد اقتصادا عالميا يسوده النقد ، وبعد أن كان الإنسان ثريا لأنه قوي ، يصبح قويا لأنه ثري بالنقد  293 ، والشاهد في هذا التطور بوجه عام أن النقد بعد أن كان وسيلة لغاية هي الخيرات أصبح هو نفسه الغاية بل وغاية الغايات التي تقاس بها كل قيمة .

 

(4) ومثل هذا التطور نراه في شيء آخر هو الآلة ، التي كانت  وسيلة - بل اسمها لا يدل على شيء آخر غير هذا - فأصبحت  غاية استعبدت القوى الروحية التي أبدعتها

وللعجب فقد كان هذا التطور خاصا بالإنسان ، ذلك أن أسلحة الحيوانات المفترسة كلها أسلحة طبيعية أما قبضة يد الإنسان  المسلحة بأداة ركبتها واختارتها فليست طبيعية بل صناعية ، ومن هنا بدأت بوادر التعارض بين الصناعة والطبيعة ، وبين سيطرة الإنسان وسيطرة الطبيعة ، وكل صناعة في الواقع قد قصد بها إلى تحدي الطبيعة ، وكان لابد من الكفاح مع الطبيعة ، وقد كان هذا الكفاح في الحضارة اليونانية من أجل التأمل {  وكان في الحضارة العربية من أجل استخدام ما سخره الله أصلا للإنسان وهذا ما لم يفهمه اشبنجلر بخصوص هذه الحضارة } وكان في الحضارة الغربية من أجل إخضاع الطبيعة للإرادة الإنسانية ، وهذا ما لم يحدث في حضارة من قبل سواء على مستوى الأمل أو على مستوى الإنجاز الفعلي ،

أخيرا حدث ذلك - جزئيا بالطبع - ولكن على نطاق واسع ، فقد صمم الناس والقادة  في هذه الحضارة على النضال ضد الطبيعة ، وتوجيهها والسيطرة عليها ، مهما كلفهم ذلك من ثمن ، فاندفعوا في هذا التيار ينافسون الطبيعة حتى استطاعوا أن يبدعوا كونا صغيرا لا يخضع إلا لإرادة الإنسان هو الآلة ، ثم شهد التطور انقلابا هائلا في علاقة الإنسان بالطبيعة ، وذلك بفضل اختراع الآلة البخارية وما بعدها ، فإلى ذلك الحين كانت الطبيعة تؤدي خدمات أما الآن فقد وضع في عنقها النير ، وصارت كالإماء يقاس عملها بقوة الأحصنة البخارية ، وامتدت حمى النشاط إلى  كل شيء ، فأصبحت كأنها قوة شيطانية زلزلت الأرض ، لكن إبليس ما لبث أن كشف عن نفسه في الآلة ، فثار هذا المخلوق على خالقه مع التحفظ على هذا التعبير -  واستعبده ، وكما ثار الإنسان من قبل على الطبيعة وحاول استعبادها فإن الآلة قد أصبحت غاية خالصة بعد أن كانت وسيلة ، وتحكمت النزعة الآلية في كل شيء في هذه الحضارة ،  وخضع كل ما هو حيوي للآلة ، واستحال العالم الطبيعي إلى عالم صناعي قد خلا من الروح والحياة ، بل أصبحت المدنية نفسها وهي المرحلة الأخيرة من الحضارة آلة تفرض نفسها على كل شيء ، وأصبح التفكير بواسطة الأحصنة لا بالقوة الروحية ، وبعد أن كانت السيادة في الحياة الاجتماعية لطبقة النبلاء الممثلين للدم والجنس أصبحت في أيدي طائفة من أصحاب الأعمال الصناعية والمهندسين والصناع في المدن الكبرى ، وأصبحت قيمة الكم المعيار لكل شيء ، فزالت القيمة الفردية وفقدت الشخصية ، وصار الطابع المثالي للإنسانية هو طابع سائق الآلة المستعبد لها في الوقت نفسه، و قام التوتر شديدا بين مديري الأعمال ومنجزيها حتى أصبح يهدد بكارثة .فكان ذلك إيذانا بتمام الانحلال .

وكمثال يوضح  قيادة الآلة للإنسان وليس العكس ما ذكره تشارلز فرانكل في كتابه " أزمة الإنسان الحديث "  ص 202 بقوله ( إن القرار الذي يعين موعد ومكان وكيفية إحداث تغيير تكنولوجي هو في الحقيقة قرار اجتماعي يؤثر في أنواع هائلة من القيم ، ومع ذلك فهذه القرارات تتخذ فيما يشبه الفراغ الاجتماعي ، فالتجديدات التكنولوجية تحدث بانتظام من أجل التسهيلات التكنولوجية ، دون أي وسيلة مقررة لتقدير نتائجها أو ضبطها ، أو على الأقل تخفيف أثر صدمة هذه النتائج ) ص 202: ( إن القرارات الخاصة بكيفية استعمال التليفزيون أو عدم استعماله قد اتخذها كلها تقريبا قوم ضاقت رقعة مسئوليتهم وانحصر أفق تفكيرهم ضمن بضع قيم قليلة منتقاة ، فالثوريون الحقيقيون هم المهندسون ، وهذا وإن كنا نقوله باعتزاز لكننا ننسى أن نضيف إلى ذلك أنه لو جاءنا هؤلاء على أنهم مخططون اجتماعيون لاعتبرهم الكثيرون منا طغاة ، فالمهندسون والصناعيون الذين يتخذون القرارات الخاصة بالتغييرات التكنولوجية يملكون قوة ضخمة تؤثر في نوع حياتنا وأحوالها ، مع أنهم لا يعرفون أنهم يملكون هذه القوة ولا يهمهم أن يستخدموها ، وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت الكثيرين من الرجال والنساء يشعرون بأنهم في أيدي أشخاص يحركونهم كما يشاءون ، ولكنهم لا يعرفون هؤلاء الأشخاص ولا يمكن السيطرة عليهم )  ص 203

وبالأحرى لأن هؤلاء الأشخاص لا يدركون كنه ما يترتب على جهودهم من قرارات .

 

(5 ) وإذا كان لابد من اعتراف بعبقرية هذه الحضارة فعبقريتها الأكبر التي لا يشبهها فيها حضارة قط هي أن الحضارات التي بادت كان يأتيها دمارها على حد علمنا - من حيث قصرت في الشروط التي نهضت بها ، ونحن هنا أمام ظاهرة متميزة : أمام حضارة يأتيها أمر الله من حيث مواصلتها الشروط التي نهضت بها ، وعلى الأخص في التقدم العلمي ( المتمرد على الدين ) :

 إن التقدم  فيما أصبح يسمى  " هندسة العقول " تارة  و" هندسة الشخصية " تارة أخرى كما يقول  جون ج تايلور  في كتابه " عقول المستقبل " ص 41-42 ترجمة الدكتور لطفي فهيم العدد 92 من سلسلة عالم المعرفة التي تصدر بالكويت : أصبح يبشر بتطورات يقول عنها : ( لاشك أنها سترى النور خلال القرن القادم { الواحد والعشرين } إذ سيكون ممكنا ظهور عرائس متحركة إنسانية بزرع أقطاب كهربية في المراكز الحركية للحاء المخ ، فإذا أمكن للمخرج أن يتحكم في النبضات الكهربية عن طريق الراديو إلى ممثل زرعت في رأسه هذه الأسلاك فإن مسرحا للعرائس المتحركة الحقيقية سيظهر إلى الوجود .. . ومن غير المعروف الآن ما ذا ستكون اتجاهات الناس نحو شخص زرعت في رأسه الأقطاب الكهربية ، ومع تطور الثورة العقلية قد تتغير آراء الناس ويقبلون على الأشخاص ذوي الأقطاب الكهربية المزروعة ويصبح قبولهم في المجتمع أمرا عاديا شأنهم شأن الأشخاص الذين عرف عنهم أنهم يتعاطون المخدرات )!! وسيكون من الممكن توجيه التنبيه الكهربائي لأجزاء معينة من لحاء المخ ليصبح الشخص عدوانيا ، أو وديعا ص 50  !! ولكي نجعله معتمدا على نفسه بعد ذلك لا يستدعي الأمر سوى تسليمه جهاز الترانزستور الذي يوصل التيار الكهربي وبه مفتاح " ضد العدوان " يضغط عليه عندما يحس بقدوم النوبة ، ومن الممكن إجراء عمليات استئصال لأجزاء من اللحاء يمكن بها أن يعيش المرء  حياة هادئة !!  ص 51 .

يقول المؤلف ( إن هذه التطورات تؤدي بنا إلى تصور رؤى مشابهة لما أورده  جورج أورويل المؤلف الروائي الإنجليزي في روايته المعروفة " 1984" عن الناس المبرمجين ، إلا أن هذا يبدو غير محتمل لعشرات السنوات المقبلة ، وعلى أي حال فإن التغير لن يكون دائما ، ومع ذلك فقد تنشأ مشاكل قانونية إذا استخدمت هذه الأجهزة المصغرة في السلوك العدواني ، فلنفرض شخصا يعاني من نوبات عدوانية حادة فإذا سمح له بالاختلاط بالناس وهو يحمل مثل تلك الأجهزة فمن سيكون مسئولا إذا عطب الكومبيوتر أو غيره من المكونات وارتكب الرجل أو المرأة عملا إجراميا أو ارتكب جريمة قتل ؟ هل سيكون المسئول صناع تلك الأجهزة أو الجراح الذي قام بعملية غرسها أم الشخص نفسه ؟ وكيف نعاقبه على فعلته ؟ ) ص 54

ويقول  ( يحمل المستقبل في طياته توسعا كبيرا للعقل وامتدادا للخبرات العقلية يفوق تلك التي يخبرها العقل في حالته الطبيعية ، فسيكون الإنسان في المستقبل أقرب بكثير إلى العرائس المتحركة ويثور السؤال هل سيكون دمية حية أم سيكون أقرب إلى الآلة مما هو عليه الآن ؟  ..  يبدو أنه سيسير في طريق التحول إلى آلة ) ص 43

يقول المؤلف : ( لقد حملتنا الثورة العقلية إلى بداية عصر هندسة الشخصية ، فمنذ فترة أمكن إدخال تعديلات كثيرة على الشخصية ، وهذه الشخصية التي يعتريها التغيير سواء المؤقت أو الدائم يمكن اعتبارها المقابل العقلي الثابت للمظهر الجسماني الثابت الذي يحفظ للشخصية شكلها المستمر من يوم إلى يوم ويضفي على الشخصية واحدية تميزه عن كافة البشر الآخرين ، وهذه الشخصية نفسها هي التي ينتابها التعديل بمختلف وسائل الثورة العقلية وهي تتم اليوم بنفس السرعة التي تؤدي بها جراحة التجميل إلى تغيير مظهر الشخص الجسماني الخارجي ) ص 57   

فأية هندسة ؟ وأية شخصية ؟  وأية آلة بشرية سيتحول إليها الإنسان ؟ وأية مهزلة ؟ وهل من الممكن عمليا أن نتوقع أن يقوم المجتمع بتغيير بنائه الأخلاقي والجزائي استجابة لطموح علمي شديد التسارع أخذ يعمل أو يعبث في مجال ما يسمى " هندسة الشخصية " ، وليصبح أسيرا بعد ذلك بيد القائمين على هذه العمليات الجراحية والعقاقيرية من أطباء وعلماء لا ندري أية قيم يؤمنون بها أو يعملون في خدمتها غير شهوة التقدم العلمي التكنولوجي الذي يتحرك ثوريا بينما أن القيم هي بطبيعتها إذا لم تستقر فإنها تتلوث  ؟

يقول فيرنر هايزنبرج عالم الفيزياء الشهير في كتابه " المشاكل الفلسفية للعلوم النووية " ترجمة الدكتور أحمد مستجير إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1972 : ( الناحية الرهيبة في وجودنا الحالي وأنا لا أذكر فقط المصادر الجديدة للطاقة التي سيطرت عليها الفيزيقا والتي يمكنها أن تجر إلى خراب لا يمكن تخيله - فهناك احتمالات جديدة للتدخل في الطبيعة تهددنا في حقول كثيرة ، ولو أنه من الصحيح أن الوسائل الكيميائية لتحطيم الحياة لم تستعمل في الحرب الماضية فلقد اكتسبنا في البيولوجيا أيضا كثيرا من التبصر في عمليات الوراثة ، وفي تركيب جزيئات البروتين الكبيرة ، حتى أصبحت إمكانية الإنتاج الصناعي للأمراض المعدية قائمة ، بل ربما كان هناك ما هو أكثر شرا ، فإن التطور البيولوجي للإنسان قد يوجه نحو طريق انتخاب معين ، وأخيرا فإنه من الممكن التأثير على الحالة الذهنية والروحية للناس ، وهذا قد يقود إذا أجري علميا إلى تخريب ذهني رهيب لكتل بشرية ضخمة ، إن لدينا الآن الانطباع بأن العلم يخطو على جبهة واسعة نحو منطقة يمكن أن يتوقف فيها فناء أو بقاء حياة البشرية كلها على عمل عدد قليل من مجاميع صغيرة جدا من الناس ، ولقد نوقشت هذه الموضوعات حتى الآن في الجرائد بشكل صحفي وعاطفي ، ولم يعرف الكثير من الناس للآن الخطر الرهيب الذي يتهددهم نتيجة للتطورات العلمية ) ص 122

 

(6) يقول الكاتب أبو خلدون في جريدة الخليج 6\9\1995تحت عنوان( اقتلونا ولكن بشرف : في 21 يوليو 1969 قدم الدكتور هنري كيسنجر بوصفه مستشارا لشئون الأمن القومي في إدارة نيكسون دراسة إلى الكونجرس الأمريكي بعنوان " النمو السكاني في العالم الثالث حطر على الأمن القومي للولايات المتحدة " وأخطر ما في هذه الدراسة التي ساهم في إعدادها برينت سكوكروفت في إدارة ريجان ، وكان مساعدا لكيسنجر في إدارة نيكسون هو أنها تقول : " عن طريق تحديد النسل والمجاعات والكوارث الطبيعية ينبغي على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تخفيض العدد عن طريق الحروب والأوبئة "

والأخطر من ذلك ما نشره ليندون لاروش مرشح الرئاسة الأمريكية عن المستقلين في مجلة يصدرها بعنوان " إيسيكيوتيف "إنتليجنس ريفيو " من أن الولايات المتحدة طلبت من منظمة الصحة العالمية تطوير فيروس يساعد على تخفيض عدد السكان ، وكانت النتيجة أن دخل لاروش السجن لمدة 15 سنة .

وتزامن تقدم علم هندسة الجينات في الولايات المتحدة مع طروحات كيسنجر وسكوكروفت واتجاهات الكونجرس ، وفي تقرير قدمته هيئة العلاقات العامة إلى مجلس العموم البريطاني عام 1987 جاء أن العالم الأمريكي روبرت جالو لم يكن يقول الحقيقة عندما زعم أنه اكتشف فيروس الإيدز وإنما هندسه وراثيا .

ويقول التقرير أن روبرت جالو أدخل الفيروس مع لقاح الجدري الذي جرى إرساله إلى أفريقيا لكي يقال إن المرض أصله أفريقي ، كما جرى إدخال فيروس الإيدز مع لقاح التهاب الكبد الوبائي الذي يصيب الشواذ .

وفي شريط فيديو علمي موثق صدر عام 1987 الدكتور روبرت ستريكر : إن الفيروس الذي يسبب سرطان الدم لدى البقر وفيروس آخر اسمه " شيب فيسنا " الذي يصيب الخراف إذا دخلا نسيجا بشريا يتبادلان جينات معينة تحدث طفرة ينجم عنها فيروس مشابه لفيروس الإيدز ، وهذا مافعله روبرت جالو في مختبراته .

وياروبرت جالو وياكيسنجر ويا سكوكروفت ويا كل أمريكا اقتلونا ولكن بشرف )

 

تلك صرخة كاتب تبين كيف تتفاقم المشكلة من حيث إن كتلا بشرية كبيرة ومعها المسيطرون  على الحكم  كما يقول فرينر هايزنبرج ( تعمل بلا وعي وبتحامل أعمى ، فإذا ما أعطيناهم المعرفة العلمية فمن الممكن أن يتحرك العالم إلى موقع تصفه كلمات الشاعر شيلر : " الويل لمن يهبون نور السماء للأعمى ، إنه لا يلقي له ضوءا ، إنما يحرق الأرض والمدائن ويملؤها سوادا " ) ص 123 ، والأعمى هنا هو الحضارة التي قامت أصلا على العلمانية . 

 

(  6 ) ولابد من أن نسجل هنا أنه لقد غاب عن اشبنجلر التنبؤ بما سوف تصير إليه خطة هذه الحضارة في السيطرة على الطبيعة من الكارثة البيئية التي تسير إليها الإنسانية سيرا حثيثا ، من حيث لا تستطيع لها دفعا ، وبحيث تؤدي إلى جعل كوكب الأرض حرفيا - غير صالح لسكنى الإنسان ، وفقا لما يقرره خبراء البيئة والحضارة ، الأمر الذي نجده ملخصا جامعا فيما كتبه آل جور  نائب رئيس الولايات المتحدة في التسعينيات في كتابه عن " الأرض في الميزان " ، وهذه هي الحفرة النهائية لقاع التدهور الذي تنجر إليه  هذه الحضارة والتي تجر إليها البشرية معها .

 

تلك هي الأعراض الخطيرة المؤذنة بمقتل شبه حتمي ، تلك التي تعاني منها الحضارة الأوربية الأمريكية ، وهي أعراض بارزة واضحة يكاد المرء  يلمسها بيديه ، انتبه إليها بعض المفكرين والفلاسفة  والفيزيائيين الكبار ، إلى أن أودعها اشبنجلر في كتابه الضخم  " انحلال الغرب "

 

لهذا  تعالت الصيحات من كل مكان ضد الآلية ، وبأن النزعة الآلية في تصوير الوجود يجب أن ترفض ، أو أن تعدل بنزعة روحية على أقل تقدير ، فاتجه البعض إلى صور الحياة البسيطة ، ونادوا بالعودة للطبيعة ، وأخذوا  يمارسون الألعاب الرياضية بدلا من الحركة الطبيعية التي تركت للآلة  ، وأصبح منظر المدينة الكبرى يثير في نفوسهم كراهية وجزعا ، وانصرف أصحاب المواهب المبدعة إلى التفكير النظري ، ثم جاءت موجة هائلة من المذاهب التي يسودها اللامعقول والخوارق ، فطغت على الحياة الفكرية ،  وشاعت روح اليأس

ولكن هذه الصرخات وتلك الصيحات تحولت إلى أصداء .

 

وفي تقديري انه إذا كان لابد من لصق وصف الإنسانية بهذه الحضارة فإنني استسمح اشبنجلر في أن نعطيه  لها من حيث ما أعدته للجميع من دمار بمشروعها الحضاري التليد ، كما أنها استحقت وصف العبقرية  مرتين : مرة لأن مقتلها يأتيها من موطن تقدمها ، ومرة من حيث إن هذه النهاية التي لم تحدث على هذا النحو  لحضارة من قبل  كامنة في كونها قد عاشت كحضارة خاصة ، ولكنها عندما انتهت جرت معها الجميع .

 

وأخيرا فهل هي أمراض قابلة للعلاج أو لإعادة التأهيل :؟

على العكس من ذلك فإن  فلسفة اشبنجلر وصلت في نهايتها  إلى أن العذاب الذي تعانيه هذه الحضارة الأوربية الأمريكية اليوم ليس عذاب أزمة طارئة لابد من أن تزول يوما ، وإنما هو عذاب كارثة هائلة بها سوف تنتهي مأساتها الطويلة الدرامية الرائعة -  ص 305 ككائن عضوي كان لا بد له من شيخوخة ظهرت ، ومن نهاية أشرفت  .

 

وختاما فإنني أرجو ألا أكون قد أثرت غضب وربما حقد - التغريبيين في بلادنا دروايش هذه الحضارة ، وببغاواتها من أصحاب الأسماء الكبيرة والصغيرة ، فإن لم يكن ذلك كذلك فإنني أرجو ألا يكون غضبهم غيرة عليها بقدر ما هو خشية من انبعاث الحضارة التي قطعوا جذورهم عنها .