الإسلاميون في موريتانيا من رحاب المساجد الي ميدان السياسة

 

 

 

بقلم : سيد أحمد ولد باب *

 

قبل الرابع من مايو 2003 كان التيار الإسلامي بكل مكوناته بعيدا عن السياسة وكل مشتقاتها منشغلا بالدعوة والتربية والعمل الخيري من بناء المساجد إلى رعاية الأيتام ومساعدة المحتاجين

 

 

هذا إذا استثنينا وجودا محدودا لجماعة "الإخوان المسلمين " داخل بعض الأحزاب السياسية وهو رغم محدود يته ظل كافيا لإسماع صوت التيار الإسلامي وتحديد مواقفه من أهم القضايا المطروحة علي الساحة السياسية داخل البلد أو خارجه

لكن الإحتقان السياسي الذي شهدته البلاد أخيرا والإعتقالات التي شنتها الحكومة داخل صفوف التيار الإسلامي دفعت بهذا الأخير إلي الواجهة من جديد ليصبح حديث الساعة في موريتانيا وأحد أهم القوي السياسية المناوئة للنظام الحالي

 

 

*- من هم الإسلاميون

في بلد كموريتانيا عرف أهله بالتدين وإحترام شعائر الإسلام والإعتزاز به دينا وهوية- يكون إطلاق صفة الإسلاميين علي مجموعة من الناس فيه نوع من الإجحاف بالأخرين لكني هنا أعني بالإسلاميين الجماعات العاملة في الحقل الإسلامي والتي تشمل حاليا كلا من( الإخوان والتبليغ والسلفية) ويجمع بين الثلاثة العمل للإسلام ووحدة المنطلق والهدف وإن أختلفت الطرق والإجتهادات كما أن إستهدافهم من قبل النظام في وقت واحد جعل التقارب بينهم أكثر من ذي قبل ويعتبر الإسلاميون من أهم القوي السياسة في موريتانيا فهم يحظون بثقة عالية لدي الشركاء السياسيين وبشعبية مقدرة إذ يسيطرون علي طلاب الجامعة والثانويات ونقابة التعليم العالي ونقابة التعليم الثانوي ناهيك عن المحاظر والمعاهد والمساجد

ويمتلكون شعبية مقدرة داخل أوساط الشباب والنساء بالخصوص

*لمذا قرر الإسلاميون دخول السياسة

تتداول الأوساط السياسية في موريتانيا الآن كلمة لأحد المقربين من ولد الطايع قالها للجمهوريين معلقا علي أحد زملائه الذي أتهم الإسلاميين بعدم الإخلاص في الدعوة وأن حقيقتهم بانت للجماهير "فهاهو محمد الحسن يمارس السياسة بعد ما ظن كثير من الناس أنه لها من القالين "فقاطعه زميله قائلا " محمد الحسن رجل سيسه النظام وأمرته الجموع " فهذه الكلمة من جمهوري وقت صفاء تختزل كثيرا من معان الحقيقة وإن لم تكن كافية لتبرير موقف الإسلا ميين

فالحملة الأخيرة والتي أستهدفت منابع التدين وحاصرت الدعوة إلي الله وشملت قادة التيار الإسلامي لا شك أنها عجلت بمثل هذا االقرار إلا أن الموقف الذي أتخذه التيار الإسلامي يعود لعدة أمور منها :

*من المعلوم أن التيار الإسلامي من القوي الأولي التي حاولت الإستفادة من المسلسل الديمقراطي الذي أعلن عنه في بداية التسعينات وحاولوا تشكيل حزب سياسي يحمل إسمهم ويعبرون من خلاله عن أفكارهم إلا أن النظام حرمهم من حقهم في الوجود القانوني تمشيا مع رغبة داخلية في إقصاء الصوت الإسلامي ومطالب خارجية معلومة ومفهومة

كما أن المواقف الخطيرة والتي أتخذها النظام الموريتاني سواء ماتعلق منها بالوحدة والوطنية أو العلاقات الخارجية أو محاولة القضاء علي الهوية الإسلامية للبلد فرضت علي التيار الإسلامي وهوالقوة الشعبية الرئيسية أن تكون له مواقف قوية من كل هذه الأمور وقد ترجم ذلك بالفعل في تجمعات ومظاهلرات حاشدة كانت الجامعة والمساجد ميدانا لها مما دفع به إلي الواجهة لينال نقمة نظام دأب علي إسكات المخالفين .

كذلك خلال السنوات الأخيرة وبعد تزايد شعبية التيار الإسلامي وخاصة بين الطلاب والمثقفين بدت الحاجة ماسة الي إطار قانوني يوحد شتات الصحوة ويعطي للإسلاميين كغيرهم الحق في المشاركة السياسية وهو ما بدي من المستحيل في ظل النظام الحالي الرافض أصلا لأي صوت إسلامي لاسيما إن كان من المعارضين .

كما أن الهم الداخلي بات يؤرق مضاجع الإسلاميين والمتأمل للإتفاقية الأخيرة التي وقعوها مع محمد خونه ولد هيدالة يدرك ذلك بجلاء .

*موقف الإسلاميين وإنعكاساته علي الساحة السياسية

ظل الإسلامييون طيلة إحدي عشر سنة موزعين بين الأحزاب السياسية عن قصد في بعض الأحيان وعن غير قصد في أحيان كثيرة حيث كان لهم وجود سياسي داخل المعارضة ووجود شكلي داخل الحزب الحاكم بينما ظلت غالبية التيار الإسلامي تقف موقف المحايد إلا أن الأحداث الأخيرة جعلت الإسلاميين يراجعون موقفهم من كل القوي السياسية التقليدية (الموافق منها والمعارض)

وقد حمل الإسلاميين مطالبهم الخاصة بهم وبعد نقاش طويل مع بعض المرشحين للرئاسة وقع الإسلاميون إتفاقية مع محمد خونه ولد هيدالة جاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على نبيه الكريم

قال الله تعالى: ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)) وقال تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) وقال تعالى: ((وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) ..

انطلاقا من الموافقة المبدئية التي أبداها المرشح السيد محمد خونه بن هيداله على المطالب التي تقدم بها ممثلون عن الساحة الإسلامية نصوغ بنود الاتفاقية التالية:

1- يتعهد الإسلاميون بدعم شامل للمرشح السيد محمد خونه بن هيداله في الانتخابات الرئاسية 7 نوفمبر 2003 وذلك طبقا لبرنامجه المعلن.

2- يشارك الإسلاميون إلى جانب الأطراف الأخرى التي تبنت أو تتبنى مستقبلا نفس الموقف في تحالف سياسي تنبثق عنه قيادة مشتركة يتمتع الإسلاميون فيها بالتمثيل المناسب.

3- يشتمل برنامج المترشح على النقاط التالية:

- صيانة وحماية الوحدة الوطنية والوقوف في وجه كل ما من شأنه إثارة النعرات والفتن العرقية والفئوية والقبلية والجهوية والطائفية،- وتسوية الملفات العالقة في مجال حقوق الإنسان بصفة ترضي الجميع.

- ترقية الفئات الاجتماعية ماديا ومعنويا

- وضع سياسات اقتصادية واجتماعية لمحو مخلفات الرق ولتكافؤ الفرص بين المواطنين

- الصرامة في التسيير الإداري والمالي والحرص على العدل بين المواطنين

- العمل على عودة الدولة للقيام بواجباتها في المجال الاجتماعي واتخاذ كافة الإجراءات التي تحول دون الآثار السلبية للنهج الليبرالي في الاقتصاد.

- إعطاء موريتانيا مكانتها اللائقة في المحافل الدولية وربطها أكثر بمحيطها العربي والإفريقي والإسلامي.

- عودة موريتانيا إلى المنظمة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا

- مراجعة النظام التربوي بهدف إعطاء اللغة العربية المكانة التي تناسبها بصفتها اللغة الرسمية في البلاد،- وللرفع من مكانة التربية الإسلامية مع الاهتمام باللغات الأجنبية.

- القيام بإصلاحات دستورية بهدف توسيع فضاء الحريات الفردية والجماعية وتعزيز مكانة الشريعة الإسلامية ليظل الإسلام دين الدولة والشعب ولتبقى الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للقانون في كافة المجالات.

- فتح المجال أمام إنشاء الأحزاب السياسية وتوفير جو من الحريات السياسية والنقابية والإعلامية،- وفي هذا الإطار السماح للإسلاميين كغيرهم بإنشاء الأحزاب وإصدار الصحف.

- إعادة الترخيص القانوني للمؤسسات التي أغلقت مؤخرا في إطار الحملة على الإسلام

- إلغاء قانون المساجد

- إقامة حكومة ائتلاف انتقالية تمثل فيها كل الأطراف السياسية التي كانت مشاركة في التحالف.

يتعهد الطرفان بتنفيذ بنود هذه الاتفاقية

والله على ما نقول وكيل

 

انواكشوط بتاريخ: 29 جمادى الثانية 1424 الموافق 27 غشت 2003

المرشح الرئيس محمد خونه بن هيداله

عن الإسلاميين فضيلة الشيخ وقد وقع هذه الإتفاقية عن التيار الإسلامي محمد الحسن ولد الددوالخارج لتوه من سجون النظام وبذلك يكون الإسلاميون بمختلف توجهاتهم قد قرروا دخول الساحة السياسية لأول مرة بشكل جماعي ولا شك أن قرارا كهذ ا ستكون له إنعكاسات مهمة وذلك لسببين :

-لثقل الجماعة التي أتخذته سياسيا

-ولدقة الظرف الزماني المتخذ فيه مثل هذا القرار

ومن أهم إنعكاسات قرار الإسلاميين مايلي :

*إضافة نوعية للساحة السياسيةالمعارضة وذلك لما يتمتع به الإسلاميون من مصداقية وشعبية قوية لا سيما بعد الأحداث الأخيرة

*كما خيب أمال الحزب الحاكم والذي سعي من خلال ضرب التيار الإسلامي إلي إرباكه قبيل الإنتخابات و هو مالم يتم بل عاد الإسلاميون إلي الساحة السياسية دون أن تؤثر عليهم الأحداث تأثيرا ذا بال

*كما أن موقف الإسلاميين غير موازين القوي لصالح محمد خونه ولد هيدالة بعد ما كانت التوقعات القديمة تشير إلي فوز أحمد ولد داداه وهو ما أثار حفيظة بعض أنصاره والذين رأوا في إنسحاب بعض عناصر التيار الإسلامي طعنة في الظهر في وقت حرج .. ورغم كل هذا يظل الوقت مبكرا لتقييم مدي نجاعة موقف الإسلاميين .

 

------------------------------------

* مسؤول الإعلام سابقا في الإتحاد الوطني لطلبة موريتانيا