أيام صعبة في ضوء معادلات أميركية جديدة تلتزم فقط مصلحة تل أبيب
بقلم :جورج علم
يعود رئيس وكالة المخابرات المركزية
الأميركية جورج تينيت الى المنطقة على وقع الخطوات الرامية الى اقرار مشروع قانون
محاسبة سوريا في مجلسي النواب والشيوخ، وتقتصر مهمته على ترتيب <<خريطة
طريق>> جديدة للعلاقات الأميركية السورية، تأخذ بعين الأعتبار الوضع الجديد
للسياسة الأميركية في المنطقة والتحديات الجدية التي تواجهها سواء في العراق، أو
في فلسطين، أو في علاقاتها مع الدول العربية خصوصا تلك التي كانت تصنّف بالدول
الحليفة أو المتعاونة.
وكانت الأجواء السائدة سواء في الأمم
المتحدة، أو في الفاتيكان، أو في روسيا وهي المحطات التي شملتها جولة وزير
الخارجية والمغتربين جان عبيد الأخيرة توحي بأن المسارين مستهدفان بثوابتهما، بعد
الخطاب الذي القاه كلّ من الوزيرين عبيد، وفاروق الشرع أمام الجمعية العامة للأمم
المتحدة، وان الأسلوب الذي اعتمد سواء من حيث الشكل أو المضمون لم يعد مقبولا من
قبل الأدارة الأميركية. واستطرادا اسرائيل. لأنه لم يراع المستجدات التي طرأت على
الأوضاع في الشرق الأوسط، ولم يأخذ بعين الأعتبار الوضع القائم في العراق، أو في
فلسطين، والتحديات التي يواجهها الدور الأميركي، والتي بدأت تنعكس سلبا على ادارة
الرئيس جورج بوش في الداخل. وتوقعت الجهات المتابعة أن تبادر هذه الأدارة بالتكافل
والتضامن مع اسرائيل، <<على تغيير قواعد اللعبة>> للحد من الخسائر
البشرية والمادية والمعنوية التي تتكبدها واشنطن في العراق، وآرييل شارون،
وحكومته، في فلسطين. وظهر هذا التوجه قويّا بعدما فشلت الرباعية الدولية في
نيويورك من اعتماد <<رافعة>> جديّة وعملية لأنقاذ خريطة الطريق من
المأزق الذي تواجهه، فجاء بيانها الختامي بمثابة ضوء أخضر للأدارة الأميركية( لم
تكن بحاجة اليه أصلا) كي تتصرف لأعادة ترتيب أوراقها، وأولوياتها في المنطقة بما
تراه ملائما للحدّ من خسائرها المتلاحقة والمتمادية.
وتقضي <<قواعد التغيير>> كما
تشير تلك الجهات، بتوسيع <<نافذة>> الحوار مع سوريا من جهة، وبزيادة
الضغوط والمضايقات من جهة اخرى للتجاوب مع ما تصفه واشنطن ب<<أولويات
مصالحها الأمنية والسياسية>>، مع التأكيد بأن قواعد اللعبة ستبقى منضبطة،
وأن التطورات لن تندفع بأتجاه الحرب الشاملة، مهما زادت الضغوطات والمداخلات حدّة
.
وكان الوزير عبيد قد واجه في محطاته الثلاث
أسئلة محرجة للغاية، كالأستفسار مثلا عن الأمكانات التي تملكها كل من سوريا ولبنان
للدفاع عن هذه الثوابت في ظلّ الغياب المخيف للأمم المتحدة ودورها الفاعل في
المنطقة، وفي ظلّ تفاقم سياسة التفرد الأميركية، بعد الحرب على العراق، وما يترتب
عليها من نتائج ومضاعفات مكلفة، خصوصا وأن الجهات المتابعة كانت ترى أنها لا تملك
أجوبة مطمئنة وسط هذه الأجواء الأقليمية الدولية السائدة. أما المغزى من تلك
الأسئلة هو معرفة ما اذا كان لبنان وسوريا سيتجاوبان مع هذا النمط التغييري، أم أن
اسلوب الترهيب والترغيب المتبع لا بدّ من أن يؤدي الى المواجهة في نهاية المطاف.
محطة موسكو كانت متميزة بعد الشيء، بمعنى أن
الروس قلقون، وأن الساحة اللبنانية قد تتحول الى ساحة تسديد الحسابات، ومع ذلك فان
قراءتهم للتطورات الأخيرة لاتختلف كثيرا عن تلك التي يقدمها الأوروبيّون بمعنى أن
قانون محاسبة سوريا سيبقى وحتى اشعار آخر ورقة ضغط، وأنه لن يضيف جديدا على العلاقات
السورية الأميركية التي تعاني ومنذ وقت طويل، فتورا، وتشكيكا متبادلا، وشبه قطيعة
على مستوى تبادل الخدمات، والأستثمارات، وخلاف ذلك. حتى العلاقات السياسية كانت من
<<الند للند>>، ولم تكن يوما حميمة، أو عادلة، أو منصفة، بقدر ما كانت
متأرجحة بين هبوط وارتفاع وفق تطورات الظروف ولعبة المصالح... والدليل أن سوريا قد
قدمت بأعتراف الأدارة الأميركية خدمات جلّى في مكافحة الأرهاب، وهناك العديد من
النماذج عن تصريحات ايجابية مرحبة بالتعاون السوري، ومنسوبة الى مسؤولين كبار في
هذه الأدارة، فهل يعقل أن يصبح هذا <<الأعتراف>> في خبر كان، ويصبح
البديل عنه الأتهام والمحاسبة؟.
أما وقد بدأت الأمور تندفع بأتجاه التصعيد،
من الغارة على مخيم <<عين الصاحب>> الى قانون محاسبة سوريا.. الى
تهديدات من هذا الجانب أو ذاك.. فأن ردة الفعل اللبنانية السورية بقيت عند حدود
التمسك بالحقوق والثوابت، والرهان الأستراتيجي على السلام العادل والشامل، وعند
قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وعند مبادىء مؤتمر مدريد، وخصوصا مبدأ الأرض
مقابل السلام، وهذا يعني برأي الجهات المتابعة أن أي حوار سيديره جورج تينيت أو
غيره من المسؤولين في الأدارة الأميركية، سينطلق من هذه المبادىء الثوابت، أي من
حقّ لبنان وسوريا في استعادة أراضيهما المحتلة، وفي المضي قدما بمفاوضات جدية تقود
الى سلام قابل للحياة والأستمرار، وأن ماتريده الأدارة الأميركية لنفسها كي يستتب
لها الوضع في المنطقة لا يمكن أن يتحقق عن طريق تغييب الحقوق وشطبها من سلّم
الأولويات، ولا عن طريق القوة لفرض واقع جديد يرضي آرييل شارون حدود مطامعه
ومطامحه نحو شرق اوسط جديد وفق مواصفات اسرائيلية أميركية استيعابية تسلطية.
ولعل هذا الهاجس تحديدا هو الذي دفع بالأمين
العام للأمم المتحدة كوفي أنان، بايفاد مساعده تيري رود لارسن على وجه السرعة الى
المنطقة حاملا رسائل تحذر من مغبة هذا التوجه، وتدعو الى التعاطي مع الوقائع
بروية، وحكمة، وبعد نظر لتلافي المهاوي أو المطبات المكلفة، وهذا أيضا مادفع ببعض
الرباعية الدولية الى التحرك لاستيعاب الامور قدر المستطاع.
ويأتي التحرك الدبلوماسي اللبناني السوري
المكثّف باتجاه الدول الكبرى، وباتجاه الأمم المتحدة، للتأكيد على المواقف
الثوابت، ولشرح حقيقة ما يحصل على الأرض ووراء الكواليس في محاولة لتوضيح كامل
جوانب الصورة، ولأشراك المجتمع الدولي ودعوته لتحمل مسؤولياته في هذه المرحلة
المصيرية التي تجتازها المنطقة، وهي مرحلة مفخخة أميركيا واسرائيليا ومفتوحة على
كل الأحتمالات.
وأظهرت المشاورات الدبلوماسية الأولية أن
الدول التي استشيرت أوحت بما يمكن وصفه ب<<الحوار المبتور>> بمعنى أن
تينيت أو غيره يريد حوارا حول دفتر شروط يحمله ويقضي بالتفاوض مع سوريا أوغيرها
بما يريح ادارته في العراق دون أن يزعج اسرائيل، أي دون أن يلامس المطالب السورية
اللبنانية المحقة، أي أن يوازي ويوازن بين وقف التصعيد في العلاقات الأميركية
السورية بقدر ما تتجاوب دمشق مع مطالبه المدرجة تحت عنوان مكافحة الأ رهاب.
ان هذه المعادلة اذا ما تأكدت صحتها لن تقود
الى مخارج وسط بقدر ماتقود الى المزيد من التعقيدات التي قد تجعل المنطقة على شفير
انفجار كبير هو انفجار تراهن عليه دول كبرى تدعو علنا الى عقد مؤتمر دولي جديد حول
الشرق الأوسط، وهو لن يعقد مع الأسف الا اذا دفعت سياسة التفرد الأميركية المنطقة
الى زلزال كبير.