كرة الثلج التي صنعها بوش

 

 

 

بقلم : مالك العثامنة

 

في إشارة سابقة، أسلفنا بالقول أن الحزب الديمقراطي الأمريكي والذي يحاول لملمة ذاته المبعثرة في أرجاء فوضي الوطنية الأمريكية ينتظر الفرصة المناسبة للإنقضاض علي خصمه الجمهوري، وهذه الفرصة يجب أن تتوفر فيها شروط الوقت الملائم، والقوة الكافية، والتبريرات المنطقية أمام الرأي العام.

وبانتظار تلك الفرصة كان الديمقراطيون يكمنون في مواقعهم متربصين لها، والجمهوريون يتغولون في السياسة الأمريكية (داخليا وخارجيا)، وآخر ضرباتهم القاسية كانت محاولة غزو أهم معاقل الديمقراطيين في أمريكا، والمقصود هنا ولاية كاليفورنيا ذات التاريخ الراديكالي الحافل، والواجهة الغربية للقوة الأعظم، والتي كانت علي الأغلب تدير ظهرها للساحل الشرقي حيث مركز المال والقرار، فقرر الجمهوريون ترشيح الممثل الهوليودي الأسطوري نمساوي الأصل آرنولد شوارزنغر، لمنصب حاكمية الولاية وهو ترشيح يحمل في طياته إسقاطاته الضخمة في عوالم السياسة الأمريكية الداخلية، وتسانده آلة إعلامية ضخمة استطاع الجمهوريون السيطرة عموما عليها بتحالفات وصفقات معقدة ومتشابكة بين اليمين المسيحي ـ الصهيوني النافذ جدا داخل الحزب الجمهوري، وأصحاب فكرة المشروع الامبراطوري، وأرباب الشركات العملاقة عابرة القارات.

حرب العراق الأخيرة، والتي كلفت الموازنة الأمريكية فاتورة خرافية، كانت مسوغاتها التي ساقها الرئيس وإدارته في الداخل الأمريكي أكبر من أن يقف ضدها الديمقراطيون، وفي ظل حمي وطنية أعقبت أحداث سبتمبر الدامي، كانت الحرب علي الإرهاب كافية لتمرير قرارات استراتيجية قد تصل إلي إرســــال قوات أمريكية بل واحتلال طويل المدي يســـتنزف البشر والأموال.

الشعب الأمريكي ابتلع كبسولة الأمن القومي الأمريكي ، واطمأن إلي مسوغات بوش وإدارته، وساند الحرب التي اعتقد مخلصا أنه يذهب إليها ليخلص العالم من شرور نظام دكتاتوري يمتلك أسلحة دمار شامل، وصواريخ بالستية قادرة علي عبور القارات واختراق سكينة شوارع أمريكية بسهولة، وأكد الرئيس الأمريكي في أكثر من خطاب علي وجود هذه الأسلحة حتي وقع في المطب البريطاني، وفي مفارقة بالغة السخرية، يواجه بوش قصة فضيحة تشابه ما يواجهه رفيق الحرب توني بلير في لندن.

جوزيف ويلسون، دبلوماسي أمريكي أوفد في مهمة التأكد من حكاية ربما نقلها مرتزق عراقي عن صفقات يورانيوم بين النيجر والنظام السابق في بغداد، وحين اكتشف الدبلوماسي الموفد رسميا أن الحكاية لا صحة لها، وكتب تقريره بذلك، أصر صقور الحرب في الإدارة علي إغفال ما تأكد منه ويلسون، ووضعوا في فم الرئيس حشوة من الكذب نطقها أمام العالم والشعب الأمريكي، ولأن كرة الثلج لا بد أن تكبر حين تنحدر نزولا، فإن خبراء الرئيس حين تضايقوا من ويلسون سربوا اسم زوجته الجميلة، والتي تعمل عميلة سرية لجهاز الاستخبارات المركزية، فكانت الكارثة..

بالنسبة للأمريكي، يصبح الأمر علي النحو التالي:

(أنا أدفع الضرائب للحكومة، من أجل تنفيذ سياسات تراها الحكومة مناسبة لمصلحتي وشؤون حياتي، وأنا أنتخب الحكومة التي تعمل علي ذلك، وأعارض الحكومة التي تكذب علي، وبوش قال لي أن العراق لديه أسلحة ستدمرني خلال دقائق، ولأنه الرئيس فلا بد أنه صادق، لكن الآن يتبين لي أنه كذب علي، والمشكلة الأكبر أنه عرض حياة موظفة سرية في جهاز يعمل علي راحتي وأمني للخطر، بهدف انتقام من موظف رسمي آخر قال الحقيقة، إنها لعبة قذرة، ولا بد أن أبحث الآن عن الحقيقة، لأنني أدفع فاتورة كل هذا الهراء)!!

الديمقراطيون، التقطوا كرة الثلج، وهم الآن يبحثون عن المرتفعات المناسبة لدحرجتها عليها، كي تكبر وتكبر إلي حد لا يمكن لأحد أن يوقف الكرة، التي ستزيح في طريقها كل من يحاول ذلك.