عاصفة في حزب العمال البريطاني

 

 

 

بقلم : ابراهيم العبسي

 

ربما لم يسجل الشعب البريطاني اهتماما زائدا بمتابعة الاحداث والتطورات السياسية التي تجري في العالم، وحتى في بلاده، منذ الحرب العالمية الثانية، كما يفعل هذه الايام، فبعد انتفاضة لندن يوم الاحد الماضي والتي شهدت تظاهرة جماهيرية حاشدة وضخمة وغير عادية بالمقاييس البريطانية والعالمية، تأييدا للانتفاضة الفلسطينية وهي تدخل عامها الرابع وتنديدا باستمرار الاحتلال والعدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني، واحتجاجا على المشاركة البريطانية في غزو العراق واحتلاله، يتابع الشعب البريطاني، لا سيما الاحزاب والقوى السياسية والثقافية وقائع جلسات المؤتمر السنوي لحزب العمال المنعقد في لندن. وعلى الرغم من استبعاد الملف العراقي من جدول اعمال المؤتمر، ومحاولة غولدن براون وزير المالية البريطاني، المرشح الأول لخلافة بلير، لتجاوز هذا الملف والحفاظ على ما اسماه بالمبادىء الاساسية للحزب، ودعم الطبقة العاملة التي حاول مغازلتها واستمالتها بوعود اقتصادية ومعيشية مغرية، الا ان خلافات وانقسامات واصطفافات حادة، فرضت نفسها سواء على اعضاء المؤتمر او على اعضاء الحزب العاديين. خارج اروقة المؤتمر الذين التفوا بالمئات مطالبين باستقالة بلير وحكومته وسحب الجيش البريطاني من العراق، على خلفية مشاركتهما - بلير وحكومته - في غزو العراق واحتلاله.

الملف العراقي اذن، كان حاضرا بقوة في هذا المؤتمر رغم المحاولات المستميتة لابعاده، من قبل بلير واعضاء حكومته والمؤيدين لسياسات هذه الحكومة. اذ تحولت بعض الجلسات وفق مصادر اعلامية عمالية معارضة، الى محاكمة سياسية عنيفة للسيد بلير وحكومته، لا سيما من اولئك الاعضاء الذين عارضوا الحرب قبل اعلانها، وازدادت معارضتهم لها بعد افتضاح أمر التقارير الاستخبارية الملفقة التي تقدمت بها الحكومة لمجلس العموم حول امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتهم النائب العمالي الجماهيري جورج غالوي، الى جانب الجناح المعارض للحرب داخل كتلة النواب العماليين، أو خارجها من اعضاء المؤتمر والمشاركين فيه. وذهب بعضهم حد المداخلة الغاضبة مطالبا بلير وحكومته بكشف الحقائق كاملة أمام الرأي العام البريطاني مهما كانت هذه الحقائق مؤلمة وجارحة، حفاظا على سمعة الحزب ومصداقيته وجماهيريته. غير أن رئيس الوزراء البريطاني بدا غير مكترث لهذه الأصوات، مواصلا دفاعه عن سياساته وفخورا باشتراكه في الحرب ضد العراق، والاطاحة بصدام حسين، متجنبا الحديث عن اسلحة الدمار الشامل العراقية كما اعتاد ان يفعل قبل الحرب وبعدها، ومتجاهلا اكذوبة »الخمس والاربعين دقيقة« التي اختلقتها التقارير الاستخبارية البريطانية وادعت فيها قدرة صدام على احداث دمار شامل في العالم في غضون هذه الدقائق، الامر يعني رفض بلير للاستقالة والاستمرار في نفس السياسات التي فجرت الشارع البريطاني.

وهكذا يقف حزب العمال البريطاني عند منعطف خطير، قد يطيح بمستقبله السياسي والحزبي في الساحة البريطانية. ويتمثل هذا المنعطف، وفق تحليل بعض المراقبين السياسيين والعالمين بمجريات تطورات الاحداث العاصفة في الشارع البريطاني، في خيارين لا ثالث لهما، اما الاحتفاظ ببلير وحكومته وبالتالي استمرار تدهور سمعة الحزب وشعبيته لدى الرأي العام البريطاني المحتقن والغاضب، مما يعني المقامرة بمستقبله الحزبي والسياسي، وربما تفككه وانقسامه، واما الاطاحة ببلير من رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة وتنصيب حكومة جديدة برئاسة وجه جديد معتدل، وقادر على تصحيح المسار السياسي للحزب بما ينسجم مع مطالب الغالبية العظمى من الشعب البريطاني، وحفاظا على تماسك الحزب ومستقبله السياسي.

اما محاولة الالتفاف على هذين الخيارين التي تصدرها وزير المالية غوردن براون، في دعوته بالتمسك بالمبادىء الاساسية للحزب وتقديم الدعم للطبقة العاملة البريطانية، فلن يكتب له النجاح، ذلك ان براون هو احد اهم صناع القرارات والسياسات في حكومة بلير، التي يرفض الشعب البريطاني مجرد تغيير جلدها ولغتها، والابقاء على جوهر مواقفها السياسية المرفوضة من الشعب.

وحتى ينجلي غبار العاصفة التي تشتد وتتصاعد داخل اروقة المؤتمر، يلتزم الشعب البريطاني، رغم محاولات بلير وحكومته اخمادها، يلتزم الشعب البريطاني الصمت، ويكتفي بالمراقبة والمتابعة، ليقول كلمته الأهم بعد انتهاء المؤتمر. اما السكوت على الحزب والصفح عنه، اذا ما استجاب لمطالبه وأقال بلير من رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة، واما اسقاط الحزب الذي يتحمل مسؤولية السياسات الخرقاء لحكومة بلير، على حد تعبير بعض الصحف البريطانية الاسبوعية المعارضة، والأقرب الى الحس الجماهيري.