أسئلة حول نظرية توازن الردع المقاوم
عندما أطلق الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد
نظرية »التوازن الاستراتيجي« كانت الحرب الباردة بين العملاقين لما تضع أوزارها
بعد... وقد داهم النظام العالمي الجديد بقطبه الواحد، النظرية فأصبحت صفحة من
التاريخ، وغيّب الموت صاحبها من دون أن يتمكن من بناء ما كان يصبو اليه او يتحدث
عنه.
واليوم، تنشأ في سوريا نظرية جديدة، أطلقها
وزير خارجيتها فاروق الشرع ردا على الغارة الإسرائيلية على دمشق، ورددها من بعده،
عدد من المسؤولين السوريين واللبنانيين على حد سواء، الا وهي: »نظرية توازن الردع
المقاوم«.
وأحسب أن هذه النظرية تستمد مبرراتها من
فرضيتين اثنتين، الاولى: »العلاقات الخاصة والمتميزة« بين سوريا وحزب الله وبعض
الفصائل الفلسطينية، والثانية: فرضية الحرب على الوسطاء، التي توفر للفرقاء فرص
خوض تصعيد »محسوب« على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية، من دون الانزلاق الى حرب
اقليمية شاملة.
بيد ان المدقق في »نظرية توازن الردع
المقاوم« يجد أنها تشترك مع نظرية »التوازن الاستراتيجي« في واحدة من أهم ثغراتها،
وأعني به »اتجاهها المعاكس« لرياح التغيير في السياسة والعلاقات الدوليتين...
فنظرية الأسد الراحل جاءت في مختتم الحرب الباردة، ما حرم النظرية وأصحابها من فرص
تجسيدها، فيما نظرية الأسد الابن، تأتي في مفتتح الوضع الدولي الناشئ بعد الحادي
عشر من سبتمبر/ايلول، حيث العالم يضيق ذرعاً»بالمقاومة«، وبالكاد تجد من يقبل
التمييز بينها وبين الإرهاب، ما قد يحرم النظرية من فرصة إبصار النور.
ثم ان »توازن الردع المقاوم« يفترض استمرار
سياسة »حرب الوسطاء«... وفي الحالة السورية الاسرائيلية، فإن المعادلة غير
متوازنة، فدمشق تمتلك الوسطاء فيما اسرائيل تفتقر لهم، ولهذا السبب بالذات، فإن تل
أبيب لن تقبل أبداً باستمرار اللعبة على ذات القواعد القديمة، ولعل غارتها على
دمشق هي اول الإشهار عن نهاية مرحلة »حرب الوسطاء« وعن النية الاسرائيلية لتغيير
ساحة الحرب وميادينها وأدواتها وأهدافها وقواعدها.
إذا، نظرية توازن الردع المقاوم، تأتي في
شروط دولية غير مواتية على الإطلاق... فيما شرطها اللبناني لم يعد كما كان في
السابق، فالإجماع المتحقق حول المقاومة قبل 25 آيار/ مايو 2000 لم يعد قائماً،
وكثير من اللبنانيين يعتقدون أنهم يجرون لخوض حروب الآخرين، لا حربهم الوطنية
التحررية، حرب خلاص الجنوب وتحريره.
والشرط الفلسطيني لنظرية »توازن الردع المتبادل
غير مكتمل ايضاً، فبخلاف لبنان وحزب الله فإن لسوريا تأثيراً محدوداً على فصائل
العمل الوطني والإسلامي الفلسطينية، وليس لها نفوذ جدي يذكر في آليات اتخاذ القرار
الوطني الفلسطيني، والشعب الفلسطيني أعيته سنوات العدوان العجاف الثلاث، والحالة
الفلسطينية تستغيث لاستعادة الهدوء لا للدخول في فصول جديدة من الحرب والمقاومة.
أما المشهد العربي - الإقليمي فحدث ولا حرج،
فمصر غارقة في ضائقتها الاقتصادية، والسعودية في ملفاتها الأمنية المفتوحة...
وإيران في »لملمة« ذيول برنامجها النووي.
يبقى السؤال عن الشرط الأهم لنجاح »نظرية
توازن الردع المقاوم« والمتمثل في »تأمين القلعة«، فالغارة الإسرائيلية على قلب
دمشق تطرح أسئلة عدة حول جاهزية سوريا الدفاعية واقتدارها العسكري، على أننا نفضل
ترك الإجابة على هذه الأسئلة للعسكريين والاستراتيجيين.