بين حصارين استثنائي وعامّ.. تشرين الأول 03/73

 

 

 

 

بقلم :عدلي صادق

 

في مثل هذه الأيام، قبل ثلاثين عاماً، كان أبطال القوات المسلحة المصرية، قد نجحوا، في عبور العائق المائي، واقتحام خط بارليف وإحكام سيطرتهم، علي الضفة الشرقية لقناة السويس. وكان إخوتهم، من رجال القوات المسلحة العربية السورية، وفي اللحظات نفسها، يتقدمون، بالروح نفسها، في الجولان. في تلك الأيام الرائعة، عبرت الأمة، عائقاً معنوياً، يفصل بين إحساسها بالعجز، ووعيها بممكنات القوة، وبعناصرها وبراهينها!

لا نريد تكرار بعض ما كُتب وقيل، عن تلك الحرب. وأظنني قرأت معظم ما نُشر عنها بالعربية، وبعض أهم ما كُتب بالإنكليزية. غير أن كل ما قيل، كان يؤكد علي عنصر المفاجأة العربية ببدء الحرب. ومن المفارقات، أن ما قيل عن عنصر المفاجأة، كان يستحث استغراباً، في داخلي، عن حيثيات وانطباعات عشتها شخصياً، قبل الحرب بأربعٍ وعشرين ساعة. وكلما سمعت الكلام المتكرر، عن عنصر المفاجأة، قدرت الحاجة الي أن نستثمر الأداء الأمني والعسكري، الشجاع والعلمي، للحديث عن غفلة أمنية للعدو، الأمر الذي من شأنه، أن يرفع مستوي الثقة بالنفس، عندما تنشأ إرادة الفعل العربي، ويكون العزم. غير أن الحديث عن عدم وجود عنصر المفاجأة، ببدء العمليات، يمكن أن يؤدي ـ كذلك وبتنظير مقلوب ـ الي رفع الثقة بالنفس، وبقدراتنا العربية، في حال توافر إرادة القتال.

كنا محاصرين، في غرفتنا الكبيرة، في سجن بئر السبع الصحراوي. وكنا، من خلال ما نسمع، قد أدركنا مسبقاً، أن السجن يقع علي مقربة من تجمع كبير للدبابات. وأننا علي مقربة من قاعدة جوية ضخمة. وكانت غرفة السجن، هي العزل داخل السجن نفسه، لعدد ممن تتهمهم إدارة السجن، بالتحريض علي الإضراب، وهم بمثابة قادة الفصائل في المعتقل. وكنا قد بدأنا قبل عدة شهور، إضراباً تصاعدياً، للمطالبة بتحسين شروط الحياة الإعتقالية. امتنعنا عن استقبال ذوينا، بهدف تحريكهم وإسماع رسالتنا. وامتنعنا عن الحلاقة، وأوقفنا عمل العاملين في المنجرة، والمحددة، والمخيطة، والمصبغة، وغيرها من المرافق، وكانت قضيتنا تتفاعل. وفي يوم الجمعة، الموافق 5/10/1973 أبلغنا ضابط السجن المناوب، أن المدير يطلبنا للتفاوض، علي أن يخرج من كل غرفة، ممثل عن السجناء فيها. وفهمنا، بعد ذلك، أنهم كانوا يريدون استثناء غرفة العزل، من المباحثات، وحل الموضوع مع قيادة بديلة من ممثلي الغرف الأخري، لينتهي موضوع الإضراب، ويبقي المحرضون علي حالهم في غرفة العزل. وكان طبيعياً، أن يرفض إخوتنا ورفاقنا، في سائر الغرف، في الأقسام الأخري، أن يخرجوا، بدون ممثل عن غرفتنا، التي تقع في قسم خالٍ من السجناء، وتفصله عن الأقسام الأخري، مسافة بعيدة، وتخلو الغرف الكبيرة الثلاث فيه ـ بخلاف غرفتنا ـ من السجناء!

وعندما لم يجدوا إلا إبلاغنا بالمشاركة، طلبنا أن يكون تمثيل غرفتنا، من شخصين، لا من شخص واحد. وكان ذلك بناءً علي رغبة الرفاق في الجبهة الشعبية الذين أرادوا إخراج ممثل عنهم، بهدف الالتقاء بممثلي الغرف، لكي يتحقق الاتصال الجبهاوي باغتنام هذه الفرصة. ووافق مدير السجن، وأبلغناهم، بأن الشخصين جاهزان (أحد الرفاق من الشعبية وأنا) فردوا أن الموعد بعد صلاة الجمعة مباشرة!

بعد الصلاة، فوجئنا بأن الجندي السجّان، يغلق الأبواب بالأقفال، مثلما يكون الإغلاق في المساء. كان إغلاق النهار، عادةً، بالمفتاح فقط، لأن الفتح والإغلاق، يتكرران كثيراً طيلة اليوم. وبذلك الإغلاق غير المعتاد، وصلتنا الإشارة الأولي الغريبة، في ذلك النهار!

انتظرنا أن يطلبونا لموعد اللقاء بمدير السجن، فلم يطلبوا. ثم سمعنا بداية ضجيج محركات. وما أن غرُبت الشمس، حتي كادت الأرض أن تتزلزل، بفعل ضجيج المحركات، كأنها وراء الجدران. وما أن توغلنا في الليل، حتي بدأ أزيز الطائرات بكثافة وتواصل، وبتنا علي يقين، بأن حرباً قد اندلعت. وكان أحد السجناء اليهود، مكلفاً بإحضار آنية الطعام لنا. سألناه عما يجري، فقال بلغة التوقع أو الاستنتاج، بأن حرباً قد اندلعت علي الحدود اللبنانية. وفي صباح يوم السبت 6/10/1973 لم تتغير طريقة الإغلاق الكامل للغرفة، بالأقفال، ولم ينقطع الضجيج. وأمضينا يوم السبت كاملاً، علي هذه الحال. وفي ظهيرة يوم الأحد، كان تغيير المناوبة، وكان موعد مجيء الضابط، من أصل يهودي عراقي، الذي يتمتم، ويعد الصفوف، ويكتب في مفكرته، باللغة العربية. وعندما فتح الضابط، ميكروفون السجن، لكي يبلغنا بأنه قد بدأ عملية العد، لكي نُهييء أنفسنا، كان الرجل، لحظتها، يستمع الي نشرة الأخبار بالعربية، من إذاعة إسرائيل، فقفزت الي الميكروفون، جملة واحدة، تقول أنه تم استدعاء قوات الإحتياط علي إثر محاولة المصريين، عبور قناة السويس أمس.. ثم انقطع صوت الراديو!

فهمنا الإتجاه العام للأحداث، لكننا ذُهلنا من كلمة أمس بحكم سماعنا لصوت الحرب، منذ ظهيرة يوم الجمعة. وجئنا بأطلس مدرسي، كان متوافراً في الغرفة، وبدأنا في التحليل. ولا أبالغ أننا، في جلسة جماعية للتحليل، تخيلنا أن يكون تقدم القوات المصرية، بعمق عشرة أو خمسة عشر كيلو متراً، شرقي القناة، بتغطية حائط الصواريخ المضادة للطائرات. لم نكن ندري أن شيئاً يحدث، في الوقت نفسه، في الجولان. واستمر ضجيجهم، مع استمرار صمتنا، الي أن مرّ عشرون يوماً، حتي فوجئنا بوصول بعض الإخوة، منقولين من سجن آخر. كان من بينهم المرحوم محمد حسان (أبو حسان) الذي هتف فور دخوله الي الغرفة:عندي نشرات الأخبار.. كاملة!

التففنا حول المرحوم أبو حسان الذي بدأ يقرأ ملخصات، لنشرات أخبار، بأثر رجعي. وكان الرجل، صاحب صوت جهوري، ويحب البلاغة والخطابة، فأتحفنا بأخباره، وفقد معظمنا توازنه، لفرط السعادة. وأحسسنا بانتصار كرامتنا!

كنا، في ذلك اليوم، في حصار استثنائي داخل الحصار، الذي يمثله السجن الكبير، بمعايير السجون. واليوم، بعد ثلاثين سنة، تمر الذكري، وأنا في خانيونس المحاصرة، داخل الحصار العام، في الوطن، الذي أضحي سجناً كبيراً!

مرت ثلاثون سنة، كلما كان يقال خلالها، أننا فاجأناهم باقتدار، أحسست بأن أبطال القوات المسلحة العربية، هاجموهم في وضح النهار، وعندما كانوا يتوقعون، وباقتدار أعظم. وربما كان عنصر المفاجأة، بالمعيار الاستراتيجي، أي أنهم عرفوا بأن الحرب وشيكة، قبل أربع وعشرين ساعة فقط، قبل بدء العمليات، في حين أنهم يحتاجون الي أسبوع ـ مثلاً ـ قبل بدئها! لم نفقد الأمل، في أن ينفتح الباب، لُبشري، مثلما انفتح قبل ثلاثين عاماً. والي أن تأتي بشارة النصر والحرية والاستقلال، لن يرهقنا الحصار، مثلما لم تكن ـ آنذاك ـ قد أرهقتنا السجون!