من يحرج من ... ؟!
بقلم : أحمد أبو زينة
(1)
كثيراً ما يوجّه السؤال لقيادة فصائل
المقاومة الفلسطينية ، و تحديداً حماس و الجهاد الإسلامي ، حول هدفهم من المقاومة
و سقف مطالبهم و تطلّعاتهم ، و في معظم الحالات ، يوجّه هذا السؤال ليس بقصد معرفة
إجابة الحركتين على السؤال و تبين موقفهما ، بل بقصد إحراجهما و حشرهما في زاوية
ضيقة ، على اعتبار أنه سؤال محرج و إجابته صعبة ، فهل ستتم الإجابة بأن سقف
المطالب هو تحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر ؟ و عندها سينطلق الاتهام فوراً
بأن هذا الكلام غير واقعي و غير عمليّ ، كما يحاول أن يقنعنا بذلك "الواقعيون"
، أو الوقوعيون كما سمّاهم البعض ، أم أن الإجابة ستكون بالاكتفاء بتحرير الأراضي
المحتلة في حزيران 1967 ، و هو ما سيحرِج الحركتين أمام موقفهما الشرعي و التاريخي
و أمام جماهيرهما التي لا تؤمن بهذه الحدود مطلباً للتحرير و إنهاءً للصراع ؟
(2)
خطر في بالي الحديث في هذا الموضوع عقب
برنامج حواريّ على إحدى الفضائيات العربية ، ركّز فيه أحد المسؤولين الفلسطينيين
على هذه النقطة . و نودّ بداية أن نسأل أصحاب الطرح "الواقعي" المتمثّل
في حلّ إقامة الدولة الفلسطينية في حدود عام 1967 ، هل هذا الطرح و هذا الحل ، على
رداءته و ظلمه ، ممكن الآن ؟ بكلمات أخرى هل يمكن لحكومة يمينية متطرفة مثل حكومة
شارون ، أو حتى أية حكومة (إسرائيلية) أخرى ، أن تقبل بدولة فلسطينية كاملة
السيادة في حدود عام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية ، مع تفكيكٍ كاملٍ لكافة
المستوطنات في الضفة الغربية و قطاع غزة ؟ نعتقد أن أحداً لن يردّ بالإيجاب على
هذا التساؤل، فإن كان الأمر كذلك لماذا يطلب من حماس و الجهاد إعلان موقف يتضمّن
التنازل و البيع المجاني لثلاثة أرباع فلسطين التاريخية، هكذا و بلا أي ثمن أو
مقابل ؟ ما الفائدة التي ستجنيها الحركتان بل و الشعب الفلسطيني بتسجيل موقف
متخاذل كهذا ؟ ... لا شيء على الإطلاق .
(3)
بالطبع سيخرج علينا بعض العباقرة ، و يقولون
لنا حتى لو كان هذا الحل – حل الدولتين - غير قابل للتحقيق ، فلا بأس من إعلان
الفلسطينيين قبولهم و تمسّكهم به من باب إحراج (إسرائيل) و مطالبة المجتمع الدولي
بالمساعدة في تحقيق ذلك الحل ، على اعتبار أنه مقبول من الأسرة الدولية كونه يضمن
أمن (إسرائيل) و وجودها . لكننا نتساءل: ألم تكن هذه الحجج تردّد منذ زمن طويل
بدون أية فائدة عملية تذكر ؟ فلا (إسرائيل) تعرّضت للإحراج و لا المجتمع الدولي
تحرّك ساكناً تجاه مساعدة الفلسطينيين في تحقيق هذا الحل .
و هذا ما يجعلنا نوقِن أنه على فرض أعلن كلّ
الفلسطينيين ، و ليس فقط حماس و الجهاد ، اعترافهم بـ (إسرائيل) و تعهّدوا بضمان
أمنها ، ثم دعوا المجتمع الدولي لإنصافهم و إقامة دولتهم ، فإن شيئاً لن يتغيّر ،
ذلك أن عدم تحرّك أحد من الأسرة الدولية لنصرة الفلسطينيين و معاقبة (إسرائيل) مثلاً
، ليس سببه عدم وضوح الرؤيا بأن الفلسطينيين هم ضحايا الاحتلال و أن (الإسرائيليين)
هم المحتلون المعتدون ، إنما السبب في ذلك هو نفاق المجتمع الدولي و حرصه على
مصالحه بالدرجة الأولى و الأخيرة ، و ليذهب الفلسطينيون إلى الجحيم .
(4)
نخلُص من ذلك كله أن من هو متنازل مجاناً عن
كثير من الحقوق و بائع لها دون مقابل ، هو من يجب أن يكون محرجاً أمام نفسه و أمام
شعبه ، و هو من يجب أن يداري وجهه من سوء ما يطالب به ، و ليس من يتمسّك بالحقوق
المضيّعة نتيجة الهوان و الانهزام الذي سكن العديدين للأسف الشديد ، و أصبح أبطاله
في هذا الزمن الرديء هم الواقعيون و هم الحريصون على "المصالح العليا" للشعب
الفلسطيني في مقابل أصحاب "الشعارات و الأجندات الخاصة" المتمسّكين
بالذاكرة و المبادئ و الحقوق ...... !! .