وهل الجرأة تحتاج إلى دعوة!!

 

 

 

بقلم : إبراهيم بيتموني

 

 

 

دخلت انتفاضة الأقصى، التي نعتبرها استمراراً لانتفاضة أطفال الحجارة عامها الرابع، رغم المؤامرات الشرسة التي حيكت ضدها، والمحاولات الجادة التي بذلت من قبل مختلف الجهات الرسمية الأوروبية والعربية، (إرضاءً للإدارة الأميركية) من أجل إجهاضها ووضع حد لأعمالها البطولية التي قضت مضاجع الصهاينة على مدى ثلاث سنوات، لم يتمكن خلالها شارون الضليع بشتى أنواع الإجرام التي يتقنها ومارسها علي الفلسطينيين، من إخماد جذوتها رغم تعهده في بيانه الانتخابي الأول بأنه سيقضي على الانتفاضة خلال مائة يوم من استلامه لرئاسة الحكومة الصهيونية، وسيضمن السلامة للصهاينة بما اكتسبه من خبرة في سيناء وصبرا وشاتيلا وغيرها من المعارك التآمرية التي خاضها ضد العرب!!

 

ومن المعروف أن الزيارة التي قام بها شارون إلى باحة الأقصى في 28 سبتمبر 2000 كان الهدف منها إفشال مفاوضات السلام التي كانت تجري بين أيهود باراك رئيس وزراء صهيون آنذاك، ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في كامب ديفيد.

 

هذه الزيارة التي خطط لها شارون وساهمت بإفشال مفاوضات السلام بين ياسر عرفات وأيهود باراك عجلت أيضاً بوصول شارون إلى السلطة وبفوزه الساحق على أيهود باراك.

 

وبسبب هذه الزيارة التي أوصلت شارون إلى السلطة، والتي وفرت له ممارسة العنف والإرهاب ضد الشعب الفلسطيني، الذي فُرض على مقاومته اتباع أسلوب الاستشهاد في الرد على جرائم شارون وقطعان المستوطنين تلك الجرائم التي طالت تجريف الأراضي الزراعية وتفجير المنازل واغتيال القيادات الفلسطينية وقتل النساء والأطفال بذرائع متابعة وملاحقة الاستشهاديين في مقابل بناء المستوطنات والتهام الأرض الفلسطينية تدريجياً وبحجج واهية وآخرها بناء جدار الفصل العنصري الذي التهم مئات الكيلومترات من الأراضي الفلسطينية.

 

ورغم الإرهاب الذي مارسته القوات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، استطاع هذا الشعب المناضل الصمود ثلاث سنوات في مجابهة الجنود الصهاينة المتمترسين داخل الحصون الفولاذية الأميركية، والحصار المضروب حوله عربياً وعالمياً لكي يحرمه من الحصول على الإمدادات العسكرية والمساعدات الإنسانية!!

 

أي أن الشعب الفلسطيني عاني كما عانت مقاومته الوطنية خلال السنوات الثلاث الماضية، ما لم يعانه أي شعب آخر (خلال التاريخ الحديث) يخوض معركة حريته لينتزعها من المستعمر الاستيطاني الذي تدعمه أكبر قوة في العالم مادياً وعسكرياً، وفي ظل إهمال وتعتيم دولي، وصمت عربي مشبوه عن كل ما ترتكبه الصهيونية من جرائم غير إنسانية بحقه على مدى نصف قرن أو يزيد.

 

هذه المعاناة التي تعرض ويتعرض لها الشعب الفلسطيني أكسبته الخبرة المتميزة في معالجة الأمور السياسية والعسكرية والاقتصادية ومنحته القدرة علي التحمل والصبر والتعايش مع واقع مرير تزداد مرارته سوءاً مع الأيام بسبب تراجع المواقف العربية وتقصيرها في دعم الشعب الفلسطيني الذي أصبح يدافع عن الوجود العربي.

 

والسؤال المتداول والمطلوب الإجابة عليه الآن بعد هذا التوضيح.. من أين بدأت وإلى أين ستنتهي وماذا حققت القضية الفلسطينية من كسب وخسارة منذ عام 1948 وحتى الآن؟

 

وببساطة يمكن الرد على هذه الأسئلة وفق المعطيات التالية:

 

1 - قبل الانتفاضة:

 

آ - بدأ الصراع بين الصهيونية والعرب على أساس قومي ولذلك طرح شعار الصراع العربي الصهيوني رغم محاولات كثيرة بذلت آنذاك من أجل جعل الصراع إسلامي صهيوني بسبب قدسية المكان المتنازع عليه.

 

ب - تنازعت الحكومات العربية على قيادة الصراع ضد الصهيونية، وانشغلت في صراعاتها على القيادة، وتخلت عن مهامها الأولية في مجابهة الصهيونية.

 

ج - تنازع الحكومات على قيادة الصراع ضد الصهيون، فرض عليها إنشاء ودعم فصائل مقاومة فلسطينية تابعة لها، عملت على دعمها إعلامياً ومنحها ما تريد مادياً إرضاء لقياداتها لتدعي أن من يرعاها يساعدها على تحرير الأراضي المقدسة، ولكن سرعان ما أصبحت هذه الفصائل أشبه بدمى تحركها الحكومات العربية لمصالحها وحسب الضرورات السياسية التي تتعرض لها، ولتوفر لها الغطاء الوطني داخلياً وعربياً!!؟

 

د - استغلال القضية الفلسطينية لصالح القيادات العربية في إخماد كل شأن داخلي تتعرض له ويؤثر على بقائها على رأس الحكم.

 

وبسبب هذه الخلافات فشلت القيادات العربية في إدارة الصراع العربي الصهيوني لمصلحة القضية الفلسطينية وتعرت مواقفها أمام شعوبها التي بدأت تتهمها حتى في وطنيتها.

 

2 - بعد الانتفاضة ورغم أنني كُنت ممن عارض اتفاق أوسلو بسبب اعتقادي أن هذا الاتفاق حََّول الصراع مع الصهيونية من صراع عربي صهيوني إلى صراع فلسطيني صهيوني وهذا سيسيء إلى القضية الفلسطينية برأيي ويمهد للصهيونية الاستفراد بالسلطة الفلسطينية ويجعلها تخضع لاملاءاتها، ولكن العكس كان هو الصحيح للأسباب التالية:

 

أ - تحررت الفصائل والقضية الفلسطينية من الوصاية العربية الفاشلة التي كانت مفروضة عليهم خلال ما يقارب من النصف قرن والتي لم تتمكن خلالها القيادات العربية من تحقيق أي كسب لصالح القضية الفلسطينية.

 

ب - إجماع مختلف فصائل المقاومة على أهمية المقاومة المسلحة ودورها في معركة التحرير.

 

ج- فشل الحكومة الصهيونية في زرع بذور التفرقة بين فصائل المقاومة والسلطة الفلسطينية وإدراك مختلف القوى الفلسطينية لخطورة هذه اللعبة الصهيونية وبالأخص السلطة الفلسطينية التي أصبح رئيسها غير مقبول عند الصهاينة ومن ثم الأميركان وفرض عليه الحصار والإقامة الجبرية رغم أنه الرئيس المنتخب من قبل الشعب الفلسطيني. وهذا يؤكد تخلي الإدارة الأميركية حتى عن الساسة المعتدلين في الوطن العربي.

 

د - تعرية الموقف الصهيوني الرافض للسلام وبشكل قاطع أمام الرأي العام العالمي لا سيما بعد رفض شارون الالتزام باتفاقية أوسلو التي لم تعيد حتى الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

 

هـ- التأكيد على أن المصالح الأميركية الصهيونية المشتركة هي الأساس في قرارات الولايات المتحدة الأمريكية في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وقضايا الشرق الأوسط.

 

و الخسائر التي تكبدتها الصهيونية لاسيما خلال السنوات الثلاث الماضية والتي تفوق بكثير ما خسرته في حروبها مع الجيوش العربية، وأكدت فشل منطق القوة التي لا تهزم.

 

هذه النتائج التي بدت واضحة من خلال تراجع الاقتصاد الصهيوني وطلبات الهجرة المعاكسة وحالة القلق التي يعيشها الصهيوني على أرض أصبح يدرك أنها ليست أرضه، أليست كافية لكي تمنح بعض الجرأة للحكام العرب وتفرض عليهم اتخاذ مواقف أكثر رجولة في محاكاتهم مع الأمريكيين لاسيما في المواقف المرتبطة بالمصير العربي!!

 

بعد هذه المقارنة المرئية على أرض الواقع هل نستطيع أن نستغني عن المقاومة ونعتمد على ما تقدمه لنا الصهيونية من فتات، أم نتمسك بالمقاومة ونعتبرها السيف المسلط على رقاب الصهاينة والورقة الأهم في مفاوضات السلام حتى نستعيد كامل حقوقنا رغم أننا نتمنى أن تدرك الولايات المتحدة والصهيونية أننا رواد سلام ولسنا طلاب استسلام وما يحصل على أرض فلسطين والعراق إنما هو ردة فعل ودفاع عن الوجود.

 

سؤال موجه إلى القيادات العربية التي تريد أن توحي لشعوبها بأنها غير قادرة أو مؤهلة على مجابهة القدرات العسكرية الأمريكية الصهيونية، وأنه لابد من التسليم بما يريده الأمريكيون في المنطقة!!

 

ومهما كانت الإجابة أو الرد فإن الفعل على أرض الواقع هو الذي سيحدد مصير الاستعمار والمبررين لتصرفاته والتعامل معه من أجل استقرار الأمن العربي!!