بقلم : باسل حسين
لعل من نافلة القول ، عرفت العقود
الأخيرة، ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي ، اهتماما متزايدا بموضوع الغرب والإسلام . ودأبت وسائل الإعلام الغربية على
الاهتمام بالإسلام والمسلمين. فعلاوة على ما
ينشر في الصحف والمجلات بمختلف اللغات الأوروبية، وبصورة متواصلة تكاد تكون يومية،
عقدت وتعقد، في مختلف جهات أوروبا وأميركا، ندوات في الموضوع نفسه، تناولت قضايا
محدودة في الإسلام كمسألة علاقة الإسلام بالحضارة الغربية، وموضوع المرأة، ووضع
الأقليات غير المسـلمة في البلاد الإسلامية، واتهم الاسلام فيها غالبا بالتعصب
والدعوة إلى كره الأجنبي .
وقد تطور الأمر في هذا الموضوع ليندرج تحت ما أسماه
صمويل هنتينغتون بـصراع الحضارات الذي يعني به، أساسا، الصراع بين الحضارة
الغربية، الأوروبية الأميركية، والحضارة الإسلامية والكونفيشيوسية، وهو الصراع
الذي يتركز عنده على محور الغرب والإسلام ويجعل منه الصراع الرئيس الذي سيسود في
المستقبل ، ضمن سياسة تستهدف اقناع المجتمع الغربي، بوجود تناقض صارخ مع الاسلام ،
فرددوا مقولة ان الاسلام هو الخطر الجديد القادم نحو البلدان الغربية من الشرق.
ولا شك ان في هذه الطروحات
الكثير من التضليل والقليل من الحقائق والموضوعية. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا الاسلام؟ وما المقصود بالاسلام؟
هل المقصود الدول أم الشعوب أم الثقافة والحضارة؟ولماذا لا يتجه الحديث الى
المسيحية والبوذية واليهودية حين يطرح موضوع الحداثة وصدام الحضارات او حوارها؟
هذا التخصيص نحو دين واحد يحمل على الشك في مدى الموضوعية والتجرد الذي تطرح به
المسألة.
والاكثر من ذلك مدعاة للاسف
، ان تناول المسألة الاسلامية من قبل الغرب او العلاقات بين الاسلام والغرب صارت
اليوم مشحونة بدلالات غامضة تجمع بين قلق الحاضر والخوف من المستقبل، وتستعيد في
أحيان كثيرة معطيات ذاكرة تغمرها تصورات حول حوادث تاريخية معينة، الحروب الصليبية
مثلا، تصورات امتزجت فيها الحقيقة بالوهم والواقع بالمتخيل والخوف بالرغبة،لتأخذ
اشكالا بشعة وغير علمية امتدت في وسط التعصب الاعمى الى التطاول على الرموز
الاسلامية والعقائد الى درجة وصل معها التطاول على النبي الاشرف سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم ،اذ عمد اليميني المتشدد جيمي سوجارت الى التطاول على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقال عن
المصطفى الأمين كلاما اقل ما يمكن وصفه بانه مريع، واصفا النبي بانه ((ضال)) انحرف عن طريق الصواب ،وطالب سوجارت بطرد جميع طلاب الجامعات المسلمين
الأجانب في الولايات المتحدة، كما طالب أيضا بالتمييز ضد المسافرين المسلمين في
المطارات وتعقبهم، ووصفهم تهكما بأنهم يرتدون ((حفّاضات أطفال على رؤوسهم)) وأدلى بات
روبرتسون القائد اليميني المتشدد المعروف بتصريحات لاحدى المحطات الامريكية
التلفيزيونية وصف فيها المسلمين
بأنهم أسوأ من النازيين، كما وجه إساءات بالغة للإسلام والمسلمين في برنامج
تلفزيوني أذاعته قناة فوكس الأمريكية
وصف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ((كان مجرد متطرف ذي عيون متوحشة تتحرك
عبثا من الجنون (..) لقد كان سارقاً وقاطع طريق(..) وتقول أن هؤلاء الإرهابيين يحرفون
الإسلام !! إنهم يطبقون ما في الإسلام.
وذهب بات روبرتسون بعيدا عندما اعتبر ان الإسلام ((خدعة هائلة))، وأن القرآن هو سرقة دقيقة من الشريعة اليهودية)).وينبغي الاشارة
هنا ان (بات روبرتسون) كان يرافق المجرم (ديان) وزير الدفاع الصهيوني
عندما دخل الضفة الغربية عام 1967.
في حين اتهم رجل الدين
اليميني المتشدد جيري فولويل في برنامج ستون دقيقة الأمريكي الرسول الكريم بأنه ((إرهابي))،
وقال: أنا أعتقد أن محمد كان إرهابياً. لقد قرأت كتابات لمسلمين ولغير مسلمين،
(لكي
أقرر) أنه كان رجلاً عنيفاً، رجل حرب.
واضاف:
((في اعتقادي...
المسيح وضع مثالاً للحب، كما فعل موسى، وأنا أعتقد أن
محمد وضع مثالاً عكسيا))ً. وفولويل هذا هو صديق للرئيس بوش، ويُقال أنه التقى مع بوش بعد
تطاوله هذا. والجدير بالذكر ان جيري فالويل هو (غير اليهودي) الوحيد في العالم الذي حصل من إسرائيل
على ميدالية (جابوتنسكي). كما انه كان يرافق شارون أثناء غزوه لبنان في دبابته.
اما القس البروتستانتي جيري فينزاكد وخلال
المؤتمر السنوي للمعمدانيين قال (( ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يمارس الاستغلال الجنسي للاطفال فهو اتخذ 12 زوجة آخرها في
التاسعة من العمر)).
وكان القس فرانكلين غراهام
ابن الممثل بيلي غراهام أول من دشنّ
هذه الحملة ، وهو المقرب من الرئيس بوش، حيث اعتبر حينها الاسلام ديانة الشر لانه
يدعو الى قتل الكفرة من غير المسلمين.
وفي تصريح جون آشكروفت وزير
العدل الاميركي الحالي الذي اعتبر فيه ان الاسلام دين يطلب فيه الله منك ان ترسل
ابنك لكي يموت من أجله، والمسيحية ايمان يرسل الله فيه ابنه لكي يموت من اجلك
لدلالة على مدى سيطرة الصهيونية المسيحية في الغرب وعلى قيادتها لهذا التوجه.
وبناء عليه، عدت بعض الاصوات
المنصفة ومؤسسسة كير الاسلامية في الولايات المتحدة بأدانة هذه الهجمة ضد الاسلام
وطالبت الرئيس بموقف يدين هذه التصريحات الارهابية والعنصرية اذا كان صادقاً في
مقولة التسامح خاصة ان هؤلاء والتيار الديني اليميني عموماً مقرباً من الرئيس وهو
غالباً ما يتحدث بلغتهم ومع ذلك بقي بوش صامتاً.
ولا بد لنا ونحن نتناول
مقولات اولئك الحاقدين ان نتذكر قول الله عز وجل الذي لا ينبغي أن نقدم عليه أي
قول { ودّوا لو تكفرون كما
كفروا فتكونون سواء}النساء الاية{89}
وقوله تعالى{
قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر}آل عمران{118}.
وللمؤرخ اليهودي البريطاني
برنارد لويس اطروحة مشابهة في مسألة الصدام الحتمي بين الاسلام والغرب في مقالته
الشهيرة "جذور الغضب
الاسلامي معيداً فيها أسباب هذا
الصدام الى عناصر سياسية وحضارية وديموغرافية، ولاعتبار المسلمين كياناً حضارياً
صاغ علاقته بالغرب بالسخط والعنف والحقد واللاعقلانية.
وفي جانب آخر من هذا التوجه
حاورت صحيفة "لوموند" الكاتب اليهودي "ماكسيم رودنسون"
المتخصص في تاريخ الديانات .. وقد سئل هذا الرجل عن ضرورة الفصل بين
من يصف الإسلام بالتسامح ومن ينسب إليه العنف .. فما كان جوابه إلا أن قال: "إن النص
القرآني يتضمن كثيرا من المتناقضات ..
في أقدم الآيات يبيح القرآن شرب الخمر ، لكن آيات أخرى
جاءت فيما بعد فحرمته ، لذلك التجأت الكتب القديمة للمسلمين إلى تأسيس نظرية
الناسخ والمنسوخ .. هل هذا تناقض؟ أجل ، لأن الله غيّر رأيه".وبعد أن استشهدت "جوزيت آليا" بوصف "رودنسون" للإسلام
بكونه دينا غريبا مخيفا يرهب العالم والحداثة ، دعت بكل حرارة في خلاصة مقالها إلى
تحالف دولي يضم كل المثقفين المسلمين المعتدلين ، ليقاتلوا القرآن كافة ، وقالت بالحرف: "عليهم أن يظهروا كيف يزكي القرآن
العنف، عليهم أن يعتبروا أن النص القرآني ما هو إلا إنتاج بشري يحتوي على أخطاء
جسيمة في الأخلاق والتاريخ والعلوم ، إنه نص بني على مبادئ متجاوزة" أما الكاتب
والفيلسوف "جان بيار فرايسيف"
فقد قال في مناظرة بعنوان "القرآن والعنف" ((هل القرآن يتناقض مع روح حقوق
الإنسان؟ والجواب هو: نعم ، لأنه يبني أنواعا من الفروق والتمييز بين الناس: فالمؤمنون
يستحقون الحياة وللكافرين القتل والهلاك ، كما للنساء الهجر والضرب ، في القرآن
حوالي 700 كلمة تدور حول العقاب والعذاب والتدمير)).
هذا السيل من النهج الفكري
والمبرمج تجاه الاسلام والمسلمين يحمل في دلالاته اشياء عدة ، لاسيما وانها تتبع
في تناولها للإسلام أسلوب يتسم بالعداء والتهجم.وهو رأي وجد له صدى حتى في داخل المجتمع الغربي من قبل بعض من
المنصفين ،ولاشك أن في الغرب بعض الأصوات المعتدلة التي تحاول أن تنظر إلى
العلاقة بين الإسلام والغرب نظرة موضوعية ، ومن هؤلاء أساتذة جامعيون ومفكرون
وسياسيون ، إذ نبهت إلى ذلك نشرة تصدر عن معهد هارتفورد اللاهوتيHartford
بمقالة بقلم رئيس مكتب الاهتمامات النصرانية الإسلامية
القس مارستون سبايت Rev.Marston Spight حيث ذكر
القس أن انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والماركسي يثير تساؤلا : هل يصبح الإسلام
الشبح الجديد ؟ وقد جاء في المقال :"لم تعد قوة العالم الشيوعي تشكل تهديداً كما كانت في الماضي
وذلك نتيجة للأحداث الصاخبة والمدهشة في أوروبا الشرقية ، وهكذا وجد الأمريكيون
الذين كانوا يسهبون في الحديث عن الخطر المفترض من الشيوعية، وجد هؤلاء أنفسهم
فجأة محرومين من موضوعهم المحبب …
وقال القس :"
والسؤال الـذي يطرح نفسه هل تختار العناصر (الإعلام) التي تتولى تحذير
الشعب الأمريكي من الخطر مجموعة أخرى من البشر لوضعها أمام الجمهور على أنها تهديد
لأمريكا والعالم؟ إن الصورة السيئة التي يصوَّر بها الإسلام في وسائل الإعلام
الأمريكية تثير انتباه بعضنا إلى جعل الإسلام الشبح الجديد.وفي دراسة بحثية صادرة في الولايات المتحدة وجد من خلال 350 عنواناً من الروايات الشعبية، انتشرت منذ سنة1970 لغاية 1997، انه تم تصوير الاسلام والمسلمين بصورة مؤثرة،
وتبرزهم بوصفهم إرهابيين، ومتوحشين وشهوانيين، وفاسدين، الخ.. وتقول هذه الدراسة إن هذه الكتب تغطي 80% من مجموع الكتب
ذات الطبعات الرخيصة والبيع السريع، وتباع هذه الكتب في غير المكتبات مثل
المطارات، ومحطات القطار، والصيدليات، والمتاجر العادية، وباعت الصحف المنتشرين في
المدينة، وحتى في محطات بيع الوقود، لتصل الى الجمهور الواسع فتأثر فيه.
صفوة القول ان منهجية
التطاول على الاسلام هي منهجية قائمة بفعل الدعم غير المحدود للصهيوينة المسيحية
التي وصعت نفسها في خدمة الكيان الصهيوني ولا لحاجة للتأكيد من أن الاسلام من حيث
المبدأ، ليس ضد الدول الغربية، وليس ضد أي مجتمع بشري، فجوهر الدعوة الاسلامية،
انها ضد الظلم والفساد والعدوان، من أية جهة شرقية أو غربية اسلامية أو غير
اسلامية، فالدين الالهي لا يكره الاخرين لا في الرأي ولا في الدين والاعتقاد، وهو
يعتبر العنف من الكبائر، فمن قتل نفساً بغير حق، فكأنما قتل الناس جميعاً، وهو
لايجيز القتال إلا لرد الظلم والدفاع المشروع.