من منهم لم يكذب؟!
أزمة حقيقية نعيشها في قضايانا.. بل حتى
تعيشها الإنسانية معنا.. وهي أزمة ناتجة عن ان كل حكام هذا العالم.. كلهم.. أصبحوا
يمتهنون الكذب.. وأصبح الكذب طريقهم إلى تحقيق أهدافهم وأهداف عصاباتهم التي
تشاركهم السلطة، وأصبحوا يستعملون كل القوة التي تتيح لهم مناصبهم تحريكها في قمع
كل من يعارض كذبهم أو يعلن عن اكتشافه..
وهذا يبدأ بالإدارة الأمريكية.. ويتبعها رئيس
وزراء بريطانيا.. ويمر بعدد من الدول الأوربية مثل اسبانيا وإيطاليا وانتهاء
باليابان واستراليا مرورا بكل الدول العربية في طريقه..
وقد أصبح شعار كل هؤلاء الحكام، في مواجهة
شعوبهم: «لا يهم ان يحترمونا.. ما داموا يخافوننا»..
وفي أكثر الدول ديموقراطية، أصبح الشعار: «لا
يهم ان يصدقونا.. ما داموا يتركوننا نفعل ما نريد.. ويدفعون لنا الضرائب!!»
لا أدري لو جاء ماكيافيللي إلى زماننا هذا..
ماذا سيفعل..
نعرف ان كتابات هذا الرجل.. وبالتحديد في
المطارحات والأمير.. تعلم السياسيين المحترفين على أعلى المستويات.. الفنون
التطبيقية للمناورة والمراوغة والكذب.. وبشكل تفصيلي.. من اجل تحقيق غاياتهم
الشخصية والنجاح عن طريقها للثبات في الحكم.. وتدمير خصومهم ومعارضيهم.. وهو الذي
تتركز نصائحه وتوجيهاته لهم أساسا على ان الغاية تبرر الواسطة..
توضع كتب ماكيافيللي تحت مخدة كل الحكام..
ينهلون منها دروسا خصوصية دون معلم.. ولكن هذا الرجل الحقير.. او استاذ الحقارة
والفساد.. لو جاء اليوم لتعلم من حكام هذا العالم الجديد.. ما سوف يجعله قديسا إذا
قورن بأي حاكم منهم..
وتعتبر المسألة العراقية، ومسألة أسلحة
الدمار الشامل، المحك الذي كشف كذب كل هؤلاء مجتمعين، ورغم انكشاف الكذب في هذه
المسألة وفشل الإعلام الرسمي في تغطيته، فإن أحدا لم يعتذر أو يحاسب أو يتراجع،
بسبب الشعارين الذين ذكرتهما أعلاه..
وبسبب كبر الكذبة المعلقة بالعراق.. تمتلئ
الصحف يوميا، ولأول مرة في التاريخ، بالحديث عن كذب السادة الذين تتيح القوانين
للصحفيين الحديث عن كذبهم.. (يبقى الحديث عن كذب السادة العرب محظورا بحكم
القانون)
الإدارة الأمريكية متمثلة ببوش وزمرته.. باول
ورامسفيلد وكونداليزارايس ومسؤولي المخابرات المركزية وبريمر.. كلهم كذبة.. حتى
أصبحت أمريكا، لو جمعنا ما قيل عن كذب عصابة بوش الحاكمة، دولة معلمة للكذب.. وكل
ما تنفذه من أعمال أصبح ينطلق من ذلك.. في فلسطين وأفغانستان والعراق وبقية
المنطقة العربية.. ويحاول الإعلام الأمريكي حماية ذلك او التعتيم عليه..
بلير البريطاني المنشأ الأمريكي التابعية..
أصبح مرجعا للكذب في بلاده.. حتى يمكننا ان نقول بعد اليوم.. «أكذب من بلير».. ومع
ذلك يخرج كل يوم علينا.. بإصرار عجيب.. على حماية قراراته التي بناها على ذلك
الكذب المفضوح..
والحقيقة انني كنت افضل ان يقال.. «أكذب
من.....» على ان يترك الفراغ ليملأ في كل بلد عربي باسم مسؤول الإعلام الرسمي
فيه.. على الأقل.. (وهذا أعلى منصب عربي يمكن أن أذكره في مقال) وسقطت حجج مساندة
التدخل في العراق.. ولم يتحرك الكذبة في إسبانيا وإيطاليا ليعتذروا عن مساندتهم
للعدوان الأمريكي البريطاني.. وإن بدأ تحرك صغير في الدانمارك.
أما عنان والبرادعي وإن لم يكونا ضمن فئة
الحكم في العالم.. فإن الكذب كان جزءا رئيسيا في كل كلمة قالاها.. لتشكل غطاء
للإدارة الأمريكية.. في عدوانها على العراق..
الحكام العرب.. لا أستطيع ان أقول عنهم
شيئا.. لأن إنجازاتهم العظيمة لأمتهم منذ خمسين عاما.. تغفر لهم الكذب.. ولأن
قوانينهم تحميهم من أية مساءلة.. ألم يفتتوا الوطن العربي ويثبتوا فيه أسس التقسيم
والإقليمية.. ويخسروا الأرض.. ويسلموا مقدراتها للأجنبي.. ويتخلوا عن السيادة
العسكرية عن أراضيهم.. ويتفقوا على تصفية المقاومة في أية أرض عربية.. ويجعلوا
بترولهم منهلا لكل ناهب.. ويزوروا كل أنواع الانتخابات.. ويجعلوا الوطن العربي
مباحا لكل أنواع العدوان.. ويضللوا شبابهم عن قضاياه الرئيسية.. وينشرون الفساد..
ويميزوا أهله ويرفعوا من شأنهم.. ويجعلوا السجون ممتلئة بمن يشكك بأية كلمة
يقولونها.. إلخ.. ورغم كل ذلك فإن كل جيوشهم لم يعد لها إلا واجب واحد.. ينحصر في
حمايتهم وحماية كذبهم.. وإعلامهم ينحصر واجبه في تحويل إنجازاتهم المذكورة أعلاه..
إلى أغان وأهازيج وطنية..
وماذا يريد الشعب العربي منهم أكثر من ذلك..
لقد قال لي أحد الخبثاء.. «إن التعامل مع
هؤلاء الناس يجب ان يبنى على ما نعرف من نواياهم ومن اخلاقياتهم.. ومن برامجهم
الإستراتيجية غير المعلنة.. لا ان يبنى على ما نسمع من افواههم..» وأنا أخاف من
ترديد ما قال.. ولكنني أؤيده همسا..
والمساحة لا تكفي لسرد نماذج من الكذب..
ولكنني واثق من أنكم تعرفون عن ذلك أكثر مما أعرف...