تفاقم حالة الضعف الامريكي

 

 

 

بقلم :منير شفيق

 

التنقاضات التي عصفت في علاقات امريكا بالدول الكبرى الأخرى، عدا بريطانيا، قبيل العدوان الامريكي على العراق ما زالت قائمة، وان خفتت حدتها، ومال قادتها الى تهدئة الصراع ومحاولة التفاهم على معالجة الوضع الجديد الذي نشأ في العراق. ولكن من دون ان تعود المياه الى مجاريها كما كانت عليه قبل مجيء ادارة بوش الى السلطة، او في الأقل، قبل مرحلة الاعداد الامريكي العلني لاقتحام العراق بالقوات المسلحة.

 

الذي ساعد على دخول تلك العلاقات مرحلة اقل توتراً، او مرحلة هلامية ضائعة بين محاولة التفاهم واستمرار الاختلاف، جاء بالدرجة الاولى من جانب ادارة بوش نفسها بسبب فشلها في العراق بعد ان تصاعدت المقاومة المسلحة ضدها واتسعت المقاومة السلمية التي تطالب بأنهاء الاحتلال فوراً، وفي اسرع وقت. فلو سارت الأمور في العراق وفقاً لحسابات البنتاغون لاستمرت ادارة بوش في ادارة ظهرها الى هيئة الأمم، وعدم الاكتراث بالدول الكبرى الأخرى وتقزيم أدوارها.

 

هذا الفشل في العراق رافقه فشل امريكي فلسطينياً وعربياً وايرانياً فلم تتحقق نظرية احجار الدومينو التي توقعت أن تنهار سوريا ولبنان وايران وفلسطين بعد تلقي «الدرس العراقي». وانتظرت من السعودية ومصر وسائر الدول العربية الأخرى ان تقبل بالاملاءات الامريكية بلا تحفظ، وفي مقدمتها التسليم بمطالب شارون منها، وبوضع خناجرها في ظهر حركات المقاومة في فلسطين. ثم طارت ادراج الرياح كل محاولات الادارة الامريكية لتنفيذ ما يسمى «خريطة الطريق»، وابتداء اشعال الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني.

 

وخلاصة، هذا الفشل في أهم النقاط التي استهدفتها الحرب دفع ادارة بوش ان تلجأ الى مجلس الأمن وتطلب مساعدة الدول التي سبق واستبعدتها وقللت من شأنها مثل فرنسا والمانيا وروسيا. ومن ثم تكون الأجواء التي تتسم بمحاولة التفاهم بين امريكا وتلك الدول قد تشكلت في ظروف التراجع الامريكي وتصور الدول الأخرى، ان بامكانها الافادة من هذا التراجع وعند مساومات جديدة في مصلحتها.

 

ولكن ليس من السهل ان يحدث ما تتوقعه روسيا وفرنسا والمانيا لأن التراجع الامريكي ما زال في نطاق المناورة والاحتيال وليس التسليم. لأن التراجع يجب ان يمتد الى الاستراتيجية نفسها وهذا لم يحصل حتى الآن. الأمر الذي يفسر ما يجري في مجلس الأمن من صراع حول المشروع الامريكي المقدم من أجل اشراك دول اخرى للتخفيف من النزف الذي تعاني منه قوات الاحتلال ليصبح احتلالاً باسم وجود قوات متعددة الجنسية تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، مع بقاء القرار الفعلي بيد القيادة الامريكية الميدانية العسكرية والسياسية. وهو ما لا يجب ان يمر او ينطلي على تلك الدول.

 

على ان المسألة الاساسية التي يجب ان تلحظ هي ضعف الموقف الامريكي، بالرغم من استمرار عنجهيته ومحاولته استعادة زمام المبادرة المفقودة.

 

وهذا الضعف لا يقتصر على علاقات امريكا الخارجية وانما ثمة ازمة آخذة في التفاقم ضد الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش وادارته داخل الولايات المتحدة نفسها: هبوط تواصل في شعبيته، عجز وصل الى خمسماية مليار دولار في الميزانية، انزعاج شعبي من النزيف الامريكي في العراق، فضائح تمتد من تزوير وثائق اسلحة الدمار الشامل الى الصفقات المالية المتعلقة بالعقود العراقية الى فضيحة كشف عملية الـ«سي آي ايه» العاملة في البيت الابيض.

 

هذا الضعف هو ما التقطته الساحة الفلسطينية ويفسر انتقالها الى الهجوم السياسي واصرارها على مواصلة مقاومة الاحتلال.