بقلم :د.محمد مورو
بعد كل ما فعلته وانفقته امريكا فيما تسميه
الحرب على الارهاب، فان المحصلة الواضحة والمرئية رأى العين هى الفشل الامريكى
الذريع، فعلت امريكا ـ واسرائيل باعتبارها وكيلا امريكيا وذيلا امريكيا ـ كل شئ من
اجل تحقيق هدفها، استخدمت كل انواع السلاح والجنود، القنابل الذكية والغبية، غزت
دولا واحتلتها افغانستان ـ العراق ، ضغطت على دول اخرى وحصلت او لم تحصل على
ماتريده من اجراءات ومعلومات وشخصيات وسياسات، انفقت مئات المليارات من الدولارات،
اشترت اقلاما وادباء، انشأت اذاعات،استخدمت آلة اعلام جبارة، غيرت مناهج التعليمى
فى بعض الدول، بل واعتدت على هامش الحريات الفردية ذاته داخل امريكا..
فعلت كل شئ واى شئ والمحصلة هى الفشل الذريع،
ذلك لان الارهاب ليس مافيا بل تعبير عن احتجاج شعوب وعقائد وحركات وامم ضد الهيمنة
والغطرسة والاستكبار والنهب، قد يكون التعبير عن ذلك صحيحا 100% او خاطئا، او بنسب
متفاوتة، ولكنه فى النهاية تعبير عن وجدان وعقائد ومصالح وبالتالى فلا يمكن القضاء
عليه لان ظروفه الموضوعية التى افرزته لاتزال موجودة، وما لم تكف امريكا واسرائيل
عن القمع والنهب والاحتلال والغطرسة والاستكبار ـ وهذا مستحيل بالنظرالى طبيعة
الاشياء ـ فان الارهاب لن يتوقف حتى لو تم القضاء على كل عناصره ورموزه المعروفة
حالياً.
بصرف النظرعن الرأى فيما يقوم به هذا
الارهاب، فانه لايزال قويا وفاعلاً ففى افغانستان التى غزتها القوات الامريكية
ولاتزال بها، وبعد عامين من الضرب بالقنابل والصواريخ ملايين الاطنان ، فان الملا
عمر واسامة بن لادن لايزالان حيين يرزقان، ولاتزال طالبان والقاعدة تنفذان عمليات
ضد الوجود الامريكي، وضد القوات التابعة للامم المتحدة، وضد حكومة قرضاي، بل تم
ضرب منزل شقيق الرئيس قرضاى فى قندهار، وعلى حد تعبيراحد المتخصصين فى شئون
الارهاب جوهان جونترانا رئيس وحدة ابحاث الارهاب بمعهد دراسات الامن والاستراتيجية
فى سنغافورة ومؤلف احد الكتب عن تنظيم القاعدة فان الولايات المتحدة قد حققت اكبر
فشل عسكرى فى الحرب على الارهاب، وانها لاتزال محتاجة الى المزيد من الموارد
والجنود للاستمرار فى تلك الحرب ، ناهيك عن نتيجتها لان النتيجة لن تكون مرهونة
بعدد الجنود او كمية الاموال المنفقة ولكن بتغيير ظروف موضوعية وهو امر صعب او
مستحيل كما قلنا من قبل لاسباب موضوعية تتصل بطبيعة التركيب والتوجهات الداخلية فى
بنية الاستكبار العالمى الامريكى الصهيوني، منذ عام 2001 مثلاً وبعد غزو
افغانستان، فان المقاومة لاتزال موجودة فى افغانستان، وحدثت عمليات منسوبة الى
القاعدة فى افريقيا ضد فندق اسرائيلي، وفى الدار البيضاء بالمغرب، وفى الرياض
بالعربية السعودية مايو 2003 ثم فى مدينة جاكرتا عاصمة اندونيسيا ومن قبل فى مدينة
بالى بأندونيسيا ايضا، وهناك من ينسب عمليات التفجيرات ضد السفارة الاردنية فى
بغداد، وضد مقر الامم المتحدة فى بغداد ايضا لجماعة انصار الاسلام المتأثرة بتنظيم
القاعدة، وهكذا فان تنظيم القاعدة لايزال يعمل رغم كل ما حدث من حرب ومطاردة بل
ومساعدات معلوماتية وامنية من دول مثل مصر والسعودية والمغرب والسودان، بل ومن
سوريا وايران وغيرها.
من جانب آخر فان اسرائيل ـ وامريكا بالتالى ـ
قد فشلت فشلاً ذريعا فى تحقيق هدفها فى اثارة حرب اهلية فلسطينية بين الفصائل
المجاهدة والسلطة، بل ولم تستطع امريكا ان تقنع احداً بجدية خريطة الطريق المزعومة
مع كل الممارسات الصهيونية والسكوت او الموافقة الامريكية، وفشلت اسرائيل ايضا ـ
وبالتالى امريكا فى القضاء على المقاومة، او تحقيق الامن لنفسها مع الجدار الواقي،
والاستحكامات العسكرية الضخمة والاستخباراتية الاضخم، وممارسة القتل والاغتيال ونسف
البيوت واعتقال الناشطين، ويبدو كأن المقاومة شجرة مباركة كلما قطعت منها جزءا
نبتت آلاف الاجزاء بسرعة ملائكية او سحرية مباركة، ولعل استمرار العمليات
الاستشهادية منذ صعود ابى مازن رئيس الوزراء الاسرائيلى وتوقيع الهدنة وخاصة عملية
القدس فى 2003/8/19 هو خير دليل على ذلك وغيرها طبعا من العمليات.
وفى جانب ثالث ـ فان المقاومة العراقية
تتصاعد وتتجذر يوما بعد يوم لدرجة انها اصبحت الاعظم والاشمل، فهى عمليات يومية
متنوعة وجريئة ومستمرة ومنتشرة، والنعوش الحاملة للجنود الامريكيين من قتلى وجرحى
تعود يوميا الى واشنطن مما يهدد الداخل الامريكى نفسه بل ويجعل مصير الرئيس
الامريكى نفسه بين العراقيين وليس الامريكيين حتى انه يمكن ان يقال ان العراقيين
الذين لم يحصلوا حتى الآن على حق اختيار رئيسهم او حكومتهم هو انفسهم الذين
سيختارون الرئيس القادم للولايات المتحدة وبريطانيا ايضا!! ورامسفيلد مثلاً الذى
كان يصر على تجنب اى محاولة تدخل دولية فى الشأن العراقى ويعبر عن ذلك علنا بقوله
ان من خاض الحرب هو الذى سيقرر مايحدث فى العراق، هو نفسه الذى راح يستجدى الدول
الاخرى الاوروبية والآسيوية بل ودول الاتحاد السوفيتى السابق والكتلة الشرقية السابقة،
بل والدول العربية لكى ترسل جنودها للعراق لكى تحل محل جنوده والرئيس الامريكى
وافق على اشراك الامم المتحدة، وبعد ان كان يتبجح ويتباهى بالانتصار السريع فى
العراق راح يدافع عن نفسه وعن استمرار القوات الامريكية فى العراق، ولولا مصالح
شركات امريكية كبري، ولولا مصالح عدد كبير من رموز الادارة الامريكية، ولولا ضيق
افق وصلابة اليمين الامريكي، لتم الانسحاب من العراق على غرار الانسحاب الامريكى
من لبنان عام 1983 بعد مصرع 230 امريكيا على اثر عملية استشهادية ضد مقر قيادة
القوات الامريكية مشاة البحرية فى بيروت ، وكذلك الانسحاب من الصومال بعد التنكيل
بجثة احد الجنود الامريكيين امام شاشات التليفزيون العالمية ولكن العراق بها
بترول، وامريكا الآن بها حكومة اصولية!! ليس المستنقع فى العراق فقط فى عدد الجنود
الذين يسقطون كل يوم قتلى وجرحي، ولكن ايضا فى نجاح المقاومة العراقية فى ضرب
امدادات النفط بصورة شاملة عن طريق التفجيرات المستمرة والكبيرة والمتنوعة لأنابيب
النفط، وهى من الامتداد بحيث يستحيل عمليا حراستها على طول امتدادها ـ اللهم الا
بتكاليف عالية وباهظة ـ وهكذا فان المقاومة العراقية نسفت المردود الاقتصادى
والاستراتيجى للاحتلال الامريكى للعراق، وبالتالى فان محصلة غزو امريكى للعراق بـ
160 الف جندى وحوالى 200 الف اخرين فى القواعد المساعدة، وعشرات الالاف من الحلفاء
بريطانيا ـ استراليا ـ بولندا ـ جورجيا.. الخ وتكاليف زادت على مائة مليار دولار،
هى الفشل الامريكى الذريع.