بقلم : د.نورة السعد
nora_23@anet.net.sa
"تختلف الرؤية الإسلامية للأسرة عن
الرؤية الغربية باختلاف الموقف من الدين، والعلاقة بين الرجل والمرأة التي تحكمها
الرؤية الاسلامية كما تبنى على اختلاف الموقف من الدولة وطبيعة السلطة داخلها، فهو
اختلاف معرفي وسياسي لا يمكن فهمه بمعزل عن النظرية السياسية في كلا
الرؤيتين".
هذا ما وضحته الأستاذة هبة رؤوف عزت في
تحليلها لهذا المنظور..
وقد بدأت في استعراض مهم لما يعتري معظم
الكتابات عن الأسرة في مجتمعاتنا الاسلامية وما ينتشر في الكتب الاكاديمية ايضا عن
تاريخ الأسرة فترى أن غياب إدراك الابعاد المهمة في الرؤية الاسلامية للأسرة كمبدأ
الشورى مثلا وهو قيمة تربوية داخل البناء الأسري تنتقل بالتنشئة الاجتماعية
للأبناء ويتعلمونها كسلوك يمارس داخلها وخارجها في المجتمع المسلم.. غياب هذا
الإدراك الواعي أدى إلى تحليل بعض هذه الكتابات للأسرة في ضوء مفهوم الأبوية Ptriarchya والذي يختلف في ميزان
الأسرة المسلمة عن (مفهوم القوامة).
فالأبوية تعني في أصلها اللغوي (حكم الأب)
وتعود في جذورها كمفهوم إلى الحضارة الرومانية، حيث كان رب الأسرة يملك السلطة
المطلقة على كل من تحت ولايته من البنين والبنات والزوجات وزوجات الأبناء، وكانت
هذه السلطة حكراً على الرجال فقط، وكانت تشمل النفي والبيع والتعذيب، ويمكن إدراك
هذا التصور لسلطة الأب داخل الأسرة من اشتقاق كلمة الأسرة Familia ذاته حيث كان عند الرومان الحقل
والبيت والأموال والعبيد، أو التركة التي يتركها الأب والزوج للورثة وبذلك كانت
المرأة جزءاً من ثروة الرجل. وقد استخدم مفهوم (الأبوية) في الكتابات الحديثة بنقد
سيطرة الأب داخل الأسرة وكان الانجليزي (روبرت فيلمر) في القرن السابع عشر أول من
استخدم هذا المفهوم (نموذج الأسرة الأبوية) المستخدم الآن وبكثرة ولا يخلو منه أي
كتاب في علم الاجتماع العائلي!! استخدمه في تحليله لنظم الحكم، حيث رأى ان
الحكومات المستبدة هي التي يعامل فيها الحاكم رعاياه كما يعامل الزوج زوجته
وأولاده، وهو الطرح الذي انتقده (لوك) كاقتراب لتحليل الظاهرة السياسية وإن لم
يعارض سلطة الأب داخل الأسرة.. ثم شاع استخدام هذا المفهوم خاصة في الكتابات
الماركسية، كما انه يعد (مفهوماً محورياً) في نقد الاتجاه النسوي لسلطة الرجل
وبنية الأسرة والمجتمع.
إن العديد ممن يتحدثون عن الأسرة في المجتمع
المسلم يستخدمونه دون الرجوع إلى جذوره او الى تصحيح مماثل يقتضيه النسق المعرفي
الاسلامي لمناقشة هذه القضايا الأسرية.. وحالياً يرتبط استخدام مفهوم الأبوية
بالغرب بتيارين رئيسيين: (تيار العلمانية) الذي رأى في الدين الدعامة الأساسية
لتبرير الممارسة الأبوية للرجل وإضفاء الشرعية عليها، حيث ان الرب ذاته - كما
يقولون - سلطوي وأبوي، كما استخدم هذا المفهوم (التيار الماركسي) في نقد هيداركية
المجتمع والدولة ورأى انها كلها أبنية أبوية، الدولة والاقتصاد والأسرة متخذاً من
الشيوعية نموذجا مثاليا لكل هذه المستويات، أي أن (الأبوية) كمفهوم يقترن في
الاستخدام المعاصر برفض الدين ونقض الدولة، ويتعارض ذلك مع الرؤية الاسلامية التي
تحكم بالشريعة وتؤمن بوجوب ترتيب للادارة السياسية يختلف في ضوابطه ومعاييره عن
فهم الرؤية الغربية للدين والدولة على حد سواء.
وكما توضح أيضا الأستاذة هبة ان بعض الكتابات
العلمانية لم تفطن إلى بعد الشورى في الأسرة المسلمة فجعلت المقابلة بين (الأسرة
الممتدة الأبوية) الاستبدادية و(الأسرة الصغيرة) الديموقراطية.. رغم أن (الرؤية
الاسلامية للأسرة) تكفل من خلال (الشورى وامتداد الأسرة) ضمانة أكبر في عدم تجاوز
اي من الزوجين حدوده.. وهي أسرة وضع المرأة فيها افضل بالضبط الاجتماعي الأوسع في
أحيان كثيرة من علاقة ثنائية بحتة يكون (الصراع) فيه نتيجة القهر أو الانفعال وهدم
الأسرة.. والأداة القانونية هي وسيلة حل النزاع الأساسية، اذ لا تترك المسائل
الخلافية لميزان القوة داخل الأسرة الصغيرة.. فالأسرة الممتدة بالأهل والأقارب
أكثر قابلية للديموقراطية من الأسرة الصغيرة النووية في ظل التحديث والتي لم تترك
لها سلطة الدولة ودخولها، كحكم في النزاعات بين الأفراد أية قوة أو فعالية تذكر..
وفي نهاية تحليلها عن هذه العلاقات داخل
الأسرة تقول ان المجتمع الاسلامي الذي ينشد تحكيم الشريعة واستعادة قيمه السياسية
ونظام حكمه الشورى، عليه أن يدرك ان هذا يستلزم بالضرورة تأسيس قواعد للممارسة
الداخلية في بنيته بمستوياتها المختلفة (ومنها الأسرة) تستعصي على الفساد
والانحراف والاستغلال.. إذ أن فساد التكوينات الاجتماعية التأسيسية هو الذي يؤدي
إلى ضعفها واختراقها وتؤكد الأستاذة هبة أن الأسرة في الرؤية الاسلامية (نموذج
مصغر للأمة) تحكمها الشريعة وتدار بالشورى ويشبه عقد الزواج فيها عقد البيعة، ويتم
اللجوء فيها عند النزاع الى الآليات نفسها على مستوى الأمة وهي الصلح والتحكيم،
وان ظلت هناك اختلافات بحكم شخصية وفردية العلاقات على مستوى الأسرة وطبيعتها
المتميزة.. هو ما يجعلها محضناً للقيم الاسلامية ويؤهلها للقيام بمسؤولياتها في
مجالات عديدة في الأمة..
** ما قد يغيب عن البعض منا هو ضرورة عدم
محاكمة التشريع من خلال ضعف السلوك وسوء التطبيق والجهل الحقيقي بجذور منطلقاتنا
الاسلامية في كل جزئية تخص حياتنا المجتمعية.. سواء على مستوى (المفاهيم) التي لا
نؤصلها اسلامياً ولا على مستوى (التوجه) الذي قد يغيب الحقائق الاجتماعية لمعنى
(الحياة الآمنة لكل فرد ولكل اسرة في المجتمع)..
ولهذا ضروري عند من يستعرض قضايا الأسرة مثلا
أو المرأة في المجتمع.. أن يستخدم الأدوات المعرفية للتحليل وفق النسق الاسلامي
ولا يستثمر مفاهيم غربية لها جذورها التاريخية المختلفة والمتناقضة تماماً مع
الواقع المجتمعي (الاسلامي) والحديث هنا ليس عن (النسق العلمي التكنولوجي) الذي
يخدم العلوم الطبيعية وليس القضايا الأسرية والقيم فيها وفي المجتمع.
اتكاءة الحرف:
قيل: لا تجالس عدوك فإنه يحفظ عليك عيوبك
ويماريك في صوابك.