تحويل القِبلة
بقلـم : محمـود
شنب
بحفنة أفلام باهتة لا ترقى لمستوى
الحدث ، وبخطاب لا جديد فيه لم يتغير من مضمونه سطرًا واحدًا منذ أكثر من عشرين
عامًا ، وبعرض فنى ومسرحى بعيد عن الواقع ، ووسط سعادة مصطنعة تستنزف الجهد والوقت
والمال .. تحتفل مصـر الرسمية فى كل عام بأعظم انتصار إسلامى على اليهود فى العصر
الحديث .... لا مزايا لمن عَبَر وما زال حيًا يطحنه الفقر والمرض والغلاء وضياع
الأبناء ، ولا احترام لشهيد قضى نحبه على أرض أقامت عليها الدولة من بعده مدن للهو
ومصايف لأشباه العراة وقرى سياحية للغرباء ، ثم الطامة الكبرى المتمثلة فى
"شرم الشيخ" ودورها الريادى فى حل قضايا بنى صهيون .
هذا هو حالنا فى كل أكتوبر .. لا قفزة
جديدة نحو ما يخدم قضايانا .. لا جديد فى التسليح وامتلاك أسباب القوة التى صارت
لغة العصر ، ولا مساندة لحق عربى أو إسلامى ، بل تخلى عن كل المبادئ والثوابت ،
ولا كسر لأنياب الخونة والعملاء فى الداخل بل مزيدًا من التمكن والاستعلاء ،
ومزيدًا من الانبطاح بدعوى التعقل ، ومزيدًا من الانفتاح بدعوى التقدم ، ومزيدًا
من التقوقع بدعوى الحكمة ... ثم مزيدًا من الفقر والقهر والتخلف والجهل وعدم
التأثير فى الأحداث إلا سلبًا .
مصـر الآن ـ وفقا لواقع فرض نفسه ـ
تعيش تاريخها الأسود الحقيقى ، وسوف يحاسبنا الله جميعًا عما يحدث الآن ـ كل على
قدر طاقته ومسئوليته ، وعلى قدر نطقه وصمته وتأييده ورفضه ، وربما لن ينجو منا غير
من يعيشون الآن خلف جدران السجون ممن أرادوا الإصلاح فقيدت السلطة حركتهم وقمعتهم بالحديد
والنار !!
إن كل تفريط اليوم يقابله إهدار دم
شهيد ، وكل خسارة يخسرها الإسلام الآن تعنى إنقاص جزء من مُـلك الصحابة وجهد
التابعين ..
لنا أن نتخيل وزر قوم هدموا ما بناه
رسولهم الكريم ...
لنا أن نتخيل وزرنا ونحن صامتون أمام
كل شئ .. صامتون أمام جرائم الحكام .. وصامتون أمام جرائم اليهود دون عجز منا أو
ضعف ...
لنا أن نتخيل حدود الدولة الإسلامية
فى عهد الصحابة .. وحدودها الآن فى عهد أصحاب الجلالة والفخامة ...
لنا أن نتخيل الكفار الآن وهم يرتعون
فى كل بلاد الإسلام بما فيها السعودية ، وقد حرم الله عليهم الإقتراب منها ، فما
بالنا وقد سكونها ؟!!
أى هوان هذا الذى نعيشه .. وأى ضياع
هذا الذى ألفناه ؟!!
لو كنا قطيع من الأغنام لعمى غبار
السير عيون الخونة والأعداء .. لو كنا أسراب من الجراد لصم طنين الحركة آذان
الغزاة ولدمرنا الأخضر واليابس وأفسدنا عليهم الحياة .
تركنا البوسنة فالتفتوا للشيشان ،
وتركنا الشيشان فالتفتوا إلى أفغانستان ، وتركنا أفغانستان فالتفتوا إلى العراق ..
واليوم تـُهَدَد سوريا وإيران ولبنان ، ومصر تعيش فى أمان الرقود وسلام الشجعان ،
وتصمت صمت الطفل المقهور الذى لا حول له ولا قوة ..
تركنا الأهل فى فلسطين وكأنهم ليسوا
عرب أو مسلمين ..
أصبح لا شئ يهم الحكام ولا يثير
حفيظتهم طالما ظلت كراسيهم فى الشرق وأموالهم فى الغرب ..
الكعبة الشريفة صارت على مرمى حجر من
الأعداء ، وقبر رسولنا الكريم أصبح على مدى البصر .. ولا شئ يحركنا أو يقلقنا وكأن
انتصارات أمريكا تصب فى صالح الإسلام !!
إلى هذا الحد صِرنا جبلات وأموات نأكل
كالأنعام ونشرب كالدواب ونصب اللعنات على بعضنا البعض ، وأمام أمريكا يبلع كل
مسئول لسانه ويثبت فى مكانه ويقف أمام الكلب بوش وكأنه يقف فى الصلاة .. لا حركة
ولا خروج عن النص !!
فى بلادنا العامرة تحول الحاكم إلى لص
، وتحول الكامل إلى نـُص ، وانكمش النصف إلى ربع ، وتحول الربع إلى حجر ، وتلاشى
الحجر فى التراب ..
فى بلادنا تحول الأسد إلى كلب ،
والكلب إلى قط ، والقط إلى فأر ، والفأر صار فأر أجرب يعف عليه الذباب ..
لم تعد لنا أنياب .. لنا ذيول وقرون
وكروش وبطون ، ولنا عيون نشاهد بها جرائم اليهود ونقول "لا حول ولا قوة إلا
بالله" ..
نعم .. لا حول ولا قوة إلا بالله ،
ولكن هل ظلمنا الله .. هل خلقنا من غير موارد وثروات .. هل جعلنا فى منطقة زلازل
وبراكين .. هل خلقنا من غير أفئدة وعقول .. هل نحن قِلة ؟!!
لا ... لقد صرنا من الكثرة بحيث أصبح
حكامنا يطالبوننا بتحديد النسل ... نعم نحن كـُـثر ولكن كغثاء السيل .
صدقت يا سيدى يا رسول الله ... لا
توجد أمة على وجه الأرض أخبرها الله بما سوف يحدث لها ثم فعلت عكس ما اُمرت به ..
غير أمة الإسلام !!
لا توجد أمة إحتوى كتابها على كل
أخبارها ثم نكصت عهدها ونقضت غزلها ووالت عدوها .. غير أمة الإسلام !!
لا توجد أمة أطلعها الله على عدوها
إلا أمة الإسلام ، وعلى الرغم من ذلك سعينا لنقيم مع العدو سلام !!
سلام مع اليهود يا أصنام ... سلام مع
اليهود أولاد الحرام ... سلام مع القتلة والزناة وصُناع الظلام ....!!
حقـًا .. إن الطيور على أشكالها تقع
... نصادق بوش وشارون وبلير ، ونعادى أسامه والظواهرى وصدام ..
نحاصر العراق ، ولا نحاصر إسرائيل ...
نحارب التدين ، ولا نحارب التسيب ... نحارب الفضيلة ، ونحث على الرذيلة ...
قنواتنا صارت قنوات بغاء ، وإعلامنا صار إعلام عهر ، وتعليمنا صار تعليم زيف ..
تضربنا إسرائيل بالحذاء ، فنبالغ فى
الإنحناء ... ويتركنا بوش ويمضى مع كلبه ، فنسير خلف الكلبان دون هدى أو بيان ..
يسافر رئيسنا إلى أمريكا يوم السبت
ليقابله بوش يوم الأربعاء ... ويسافر شارون إلى هناك ، وينتظره بوش فى المطار ..
ماذا بقى يا تنابلة السلطان ؟!!
ماذا بقى يا هدمة القرآن ؟!!
ماذا بقى يا من حاربتم الله ورسوله
وسعيتم ـ كاليهود ـ فسادًا فى الأرض ؟!!
ماذا بقى يا خُدام الكفره وعُباد
الفسقة الفجره ؟!!
وأنت يا شعب "الضاد" أين
التضاد ؟!!
أين التمرد والعصيان ؟!!
لقد ظهرت الوجوه على حقيقتها وسقطت
الأقنعة .. فلِما الانتظار ؟!!
ينتظر كل منا فعل غيره ، وغيره ينتظر
فعل غيره ، ولا أحد يريد أن يضحى ..
تركنا الأبناء يُطاردون حتى فى
المساجد ويُقتلون فى المنازل والشوارع ، ويتسور عليهم عسكر الخونة الأسوار ، وقد
أبى الكفرة أن يفعلوا ذلك مع رسول الله ليلة الهجرة خشية أن ينالهم العار ..
ونحتفل بأكتوبر !!!!!!!!
أى أكتوبر هذا يا مصرى وقد أصبح
اليهودى يعيش معك فى الدار .. فى غذاء يوسف والى وتعليم حسين كامل وإعلام صفوت
الشريف وثقافة فاروق حسنى ؟!!
يجب أن تحتفل إسرائيل بأكتوبر أشد مما
نحتفل !!
أكتوبر الذى عرفناه كان إنسان قبل أن
يكون معركة ، وكان حق قبل أن يكون زيف ، وكان فِكر قبل أن يصبح عمل ..
لقد ظهرت الحقيقة المرة وأثبتت الأيام
أن معركة العبور كانت وسيلة عظيمة لهدف غير عظيم وضعه السادات فى مخيلته ولم يُطلع
عليه أحد حتى تمكن وفعل ما أراد .
كان علينا أن نحمى أكتوبر من الخونة
... إن الشئ الثمين يجب أن يظل بعيدًا عن أصابع اللصوص ، ونصر العاشر من رمضان كان
أعز ما حققه المسلمون فى هذا الزمان ..
كان يمكن أن نبنى عليه ونضيف إليه ...
لا أن نجعله أداة زيف وواجهة باطل لعملاء أمريكا وإسرائيل !!
حتى التسمية كانت خطأ ، فالمعركة كانت
معركة بين المسلمين واليهود ، وكانت فى شهر الانتصارات الإسلامية فى يوم العاشر من
رمضان ، ومن العبث أننا صرنا نحتفل بها طبقا للتقويم الميلادى والغربى .
عبرنا ونحن صائمون وقائمون وراكعون
وساجدون لله رب العالمين ، ولما نصرنا الله ظللنا على نفس الحال ـ صائمون وقائمون
وراكعون وساجدون ولكن لبوش ورابين .. حدث ذلك بعد أن حول السادات القبلة وجعلها فى
اتجاه واشنطن ، وجعل المعركة "لعبة" وجعل 99% من أوراق اللعبة فى يد
أمريكا .
ذهب إلى مَن كنا نحاربهم ، وصادق من
كنا نعاديهم ، وقال : ( لتكن حربنا هذه آخر الحروب ) ناكرًا كل ما جاء فى الكتاب
والسُنة بخصوص اليهود وموالاة الكفار ، وظل على عهده إلى أن سلم المنطقة تشطيب
مفتاح لكل من أمريكا وإسرائيل ، ثم وضع فى السجون كل من خالفه الرأى ، واحتفى به
الغرب واختارته أمريكا ضمن أشيك عشر رجال فى العالم وهو الميكانيكى الذى لم يعرف
النور وجهه أبدًا .
لقد ترك كل فضيلة بعد حرب أكتوبر ،
وفعل من الرذائل ما لم يخطر على قلب بشر ، وكأنه كان يرد الجميل إلى الشيطان وليس
إلى الله الذى نصرنا وأعزنا على اليهود الكافرين .
بعد نصر أكتوبر لم نستطع إحتواء
إسرائيل .. إسرائيل هى التى احتوتنا عن طريق أمريكا ، ثم احتوت المنطقة عن طريق
مصر !!
إسرائيل هى التى فرضت شروطها علينا
بعد 73 وليس بعد نكسة يونيو 67 ، فبأى حق نحتفل وقد أصبحنا على هذا الحال ؟!!
هل يحق لدكتور حصل على أعلى الشهادات
الدراسية ونال أرفع الأوسمة والشهادات العلمية ثم انتهى به الحال إلى أن أصبح
سكيرًا وعربيدًا وزير نساء .. هذا الدكتور الذى جعل من أوراق علمه أوراقـًا
للتواليت ، وصنع الأطفال من أوراق أبحاثه طائرات ورقية يلهون بها ، وأصبح ينام على
صدور البغايا ويقوم على أصوات العهر ... هل يحق له أن يحتفل وأهله بذكرى تخرجه
وتميزه وأن تقام لهذه الذكرى الاحتفالات والأناشيد والمؤتمرات والندوات وهو على
هذا الحال ؟!!
إن المقام اليوم مقام حِداد وعزاء لدى
العقلاء ممن عايشوا روعة العبور وشاهدوا لوعة الانحطاط ..
هذا هو حالنا وتلك هى أيامنا .
لقد شرفنى الله إذ كنت واحدًا من بين
الآلاف الذين عبروا قناة السويس فى الموجات الأولى للعبور والتى عبرت فى قوارب
مطاطية وليس على كبارى عائمة ... عبرنا بصيحة "الله أكبر" التى انتشرت
كالنار فى الهشيم .. صيحة لم نتعلمها ضمن مشاريع العبور العديدة ، ولم نتعلمها فى
أى مرحلة من مراحل التدريب والإعداد .. صيحة باركت من حولنا كل شئ ، وأكملت اللبنة
التى كانت ناقصة فى ملحمة العبور ... لقد شعرت فى تلك اللحظات أن الله قد أرسل إلينا
من ملائكته من يعلمنا إياها ليرشدنا طريق النجاة .
"الله أكبر" هذه كانت عنوان
العبور ، وكانت كالعَقد الذى تم تحريره ما بين أهل الأرض ورب السماء .. عَقد فيه
من النور ما أضاء سيناء ، ومن البنود ما أعز الرجاء ... تقول بعض بنوده : (( إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى
قلوب الذين كفروا الرعب )) وتقول الأخرى : ((
وتوكل على الحى الذى لا يموت )) وتقول أيضًا : (( فلم
تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى )) وتقول : (( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ويشفى صدور قوم مؤمنين
)) .
اليوم تركنا "الله أكبر" وقلنا
"أمريكا أكبر" .. تثاقلنا إلى الأرض ورضينا بالحياة الدنيا وتركنا الذى
نصرنا ، ونصرنا الذى خذلنا ، وتركنا نصر العاشر من رمضان وقلنا "نصر
أكتوبرالعظيم" ...
لم يحتفل الخلفاء ببدر فى يناير ، ولا
الخندق فى فبراير ولا أُحد فى مارس ... إنها احدى مظاهر مخالفة الأعداء ، ولقد
علمنا الله فى كتابه الكريم ان عدة الشهور عند الله إثنى عشر شهرًا ، ولم يذكر لنا
شهرًا واحدًا بالنطق الميلادى ، رغم أن التقويم الميلادى كان قائمًا قبل التنزيل ،
لكن الله تعالى أراد أن يكون ما يميزنا بين الأمم ... لنا شهور ولهم شهور .. لنا
ديننا ولهم دينهم .. لنا أعيادنا ولهم أعيادهم ، أما أن نخلط الأمور ونخلط الأديان
فأننا نفعل مثل ما يفعله الآن حسين كامل وزير التعليم حيث خلط الأديان كلها فى دين
واحد أسماه "القيم والأخلاق" تاركـًا العبادات والتكاليف والحدود ، وهذا
من عمل الشيطان ... نفس الشيطان الذى حول نصر رمضان إلى نصر أكتوبر ، وحول رابين
من إرهابى إلى صاحب جائزة نوبل ، وحول شارون المجرم إلى رجل سلام على حد قول بوش
الإرهابى .
وقد يقول قائل : لكننا نحتفل أيضًا
يوم العاشر من رمضان بذكرى النصر ... وأقول له : إن الاحتفال الرئيسى يقام فى
السادس من أكتوبر ، والعطلة تـُعطى فى السادس من أكتوبر ، وخطاب الرئيس يُلقى فى
السادس من أكتوبر .. ولم يعد باقيًا غير أن نسبح بحمد أكتوبر ونصلى لأكتوبر ونصوم
لأكتوبر ...
لقد عبرنا من أجل أن نـُحرر الأرض
ونقيم عليها شرع الله ، فهل حررنا الأرض وأقمنا عليها شرع الله ؟!! أبدًا ... لقد أقمنا
عليها شواطئ للعراة !!
عبرنا لتكون لنا الإرادة والسيادة ،
فهل تحقق ذلك ؟!! أبدًا ... لقد فقدنا الريادة والسيادة فى آن
واحد ، وأرونى من يستطيع إدخال دبابة واحدة إلى أرض سيناء زيادة عن العدد المتفق
عليه فى "كامب ديفيد" .
إن مصـر الآن لا تستطيع عمل مشروع
عسكرى فى سيناء إلا بعد أن تحصل على إذن من إسرائيل !!!
والأكثر من ذلك أن الذى يحرس حدودنا
الآن مع إسرائيل قوات شرطة وليست قوات مسلحة ـ تسليحهم شخصى لحماية أنفسهم لا
لحماية البلاد !!
هل عبرنا من أجل ذلك ؟!!
لقد عبرنا من أجل أن تكون لنا قيادة
واعية تكون على قدر الحدث ـ لا قيادة أمريكية صنعتها تداعيات الحدث .
هل من حق الحاكم أن يُدخلنا معركة ثم
يتركنا ليصافح الأعداء ؟!!
هل من حقه أن يقيم على رفات الشهداء
مناطق جذب سياحى للأعداء ؟!!
هل من حق الحاكم أن يفعل فى البلاد ما
يشاء دون الأخذ فى الاعتبار مواقف الشرفاء ودماء الشهداء ؟!!
أرونى بعد تداعيات الصلح مع إسرائيل
حرفة واحدة تتفاخر بها مصـر ..
أرونى نباتـًا واحدًا لم يلوثه يوسف
والى ..
أرونى إنسان كالذى كان قبل السلام ..
لقد تركتنا الدولة حتى فى يوم عيدنا
ورضيت أن تحتفل بذكرى العبور وفق رؤيتها الخاصة بإستعراض يقدمه 3000 جندى و500
فنان وفنانة على خشبة المسرح .
ذكرنى ذلك بيوم رفع العلم المصرى على
أرض طابا حيث لم يكن فى صحبة الرئيس مبارك جندى واحد ممن عبروا القناة ، بل كان
معه رهط كبير من الفنانين والفنانات لكى تصبح الصورة أحلى وأجمل .