استاذ في الجامعة اللبنانية.
منذ ان تحولت الامبراطورية العثمانية
الى جدار مليء بالثغرات بدأت استراتيجية السياسة الغربية بمضاعفة عدد الشعوب
الخاضعة لها بهدف تفتيتها، مخترعة لكل تجمع اتني او مذهبي او جغرافي تاريخا مستقلا
ومميزا عن العنصر الغالب وعن الحضارة السائدة.
وضمن هذه الاستراتيجية كان مخطط تجزئة
الوطن العربي فرسمت الحدود الفاصلة بين اجزائه وأنشأت الادارات الخاصة لكل منها،
وكان هناك حرص ملموس على تفكيك الروابط التاريخية بين الكيانات العربية المستعمرة،
وعلى اذكاء الخلافات العبثية بين تلك الكيانات حول قضية الحدود المصطنعة في ما
بينها حول قضيتي الولاء الوطني والولاء القومي.
لذلك تباينت في الوطن العربي مفاهيم:
القومية والعروبة والعربي وأرض العرب، وعجز قادة الفكر والسياسة عن تحويل مطلب
الوحدة الى مطلب شعبي عربي وظل هذا الامر موضوعا فكريا نخبويا حكرا على المثقفين
العرب.
وقد لا نغالي اذا قلنا ان الاستقلالات
القطرية في العديد من تلك الاقطار، لم تكن في حقيقتها اكثر من تسوية قبل فيها
المستعمر مقابل تنازل القيادات الوطنية عن مطلبها بالوحدة مع الاقطار الاخرى.
وهكذا اتجهت كل الكيانات نحو تكريس الدولة القطرية وتأسيسها على مجموعة من القواعد
الدستورية والتشريعية والادارية الموروثة (غالبا) عن الادارة التي كانت تتولى
شؤونها.
لذلك يمكننا التساؤل عن مدى نجاح
الدساتير العربية في محاولتها التوفيق والتوازن بين الانتماء القومي للدولة
القطرية وبين الانتماء الوطني التي تفرضه (كنتائج قانونية) عملية المأسسة التي
بنيت عليها هذه الاقطار.
وتؤكد مراجعة الدساتير العربية حالة
التردد وعدم الوضوح في الارتباط بالأمة، هذا التردي الذي يعكس الأثر السلبي لجهة
ضعف الشعور بالانتماء القومي ولحالة الانكماش والارتخاء والتقوقع على الذات
القطرية في وجه اية حركة شعبية جماهيرية تتضمن بعدا قوميا.
كما ان صراعات الانظمة العربية التي
كانت ترفع شعارات الوحدة والعروبة كان له اثر مدمر على الهوية القومية، وان فشل
التجارب الوحدوية كان احد مسببات ظهور النزعات الانفصالية وتثبيت الهوية القطرية
وإحلال عصر التضامن العربي مكان وحدتي الهدف والمصير.
وهكذا اطلت الدعوات الثقافية برأسها
لإحياء عصور منقرضة من التاريخ كالفرعوني والفينيقي (مثلا) باسم الحضارة وذلك بهدف
تفتيت كل ما هو قومي وجامع.. ولعل ابرز الامثلة على ذلك ما قاله عميد الأدب العربي
الدكتور طه حسين <<لا تصدقوا ما يقوله بعض المصريين من انهم يعملون للعروبة،
فالفرعونية متأصلة وستبقى ويجب ان تبقى والمصري مصري قبل كل شيء>>.
اما لماذا شهدت الساحة العربية ذاك الكم
الهائل من الانقلابات والثورات في عملية تغيير الحكام، فالأسباب في ذلك تعود نسبيا
لعدم قدرة المجتمع على استيعاب فكرة الدولة التي حاولت ان تحجمه على قياسها القطري
بدل ان تكون تجسيدا لتاريخه ومقوماته وتطلعاته الوحدوية مضافا لسيطرة مفهوم
شخصانية السلطة السائدة في كافة تلك الكيانات حيث يلجأ الحكام الى الايديولوجيات
والرموز التي تحشد الجماهير والى التعويل على ارصدة سياسية خارجية والارتباط
التجاري والمالي مع الغرب لخدمة الشرائح والنخب المؤثرة.
والحقيقة اننا نعاني في مجتمعنا العربي
من ازمة كبرى على مستوى الفرد والمجتمع. فالفرد يعاني من حصار الدولة والمؤسسات
والتقاليد والقوانين والاغتراب وسيادة الفردية وغياب الديمقراطية وانكفاء الاحزاب.
والمجتمع يعاني من التفكك والتجزئة الاجتماعية والسياسية وأزمة الهوية والخلل
الشديد الذي يشهده نسق القيم والشلل الكبير الذي يعاني منه النظام الاقليمي العربي
الذي يعيش اسوأ حالاته على الاطلاق. وقد اصبحنا ومع الأسف نتوسل الحصول على ما كنا
نرفض (حتى الحديث به) في الخمسينات والستينات مبررين ذلك (تلفيقا) باسم الواقعية.
والأغرب هو ما يقوم به بعض من النخب المثقفة في تبرير تلك التنازلات والترويج لها
عبر حملة اعلامية منظمة بهدف التطبيع النفسي لتقبلها.
وما حال فلسطين ببعيد عن تأثيرات كل هذا
الواقع المشلول، وكذلك حال جامعة الدول العربية التي تقف عاجزة عن تضميد جراح
شعوبها وعن انقاذ بعض كياناتها من مآس وكوارث قد تهدد وجودها..
فهل يعقل ان تبارك غالبية الانظمة
العربية التحالف الدولي ضد الارهاب الذي ابصر النور بعد 11 ايلول، متسترة بقناعات
وهمية ابرزها تأييد الرئيس الاميركي لاقامة دولة فلسطينية، متناسية اعطاء الادارة
الاميركية فرصة المائة يوم لشارون لإقتلاع سكان الضفة موتا او تشريدا، متغافلة عن
تصنيف المقاومة في فلسطين ولبنان بالارهاب؟
هل يعقل ان تنجح هذه الكيانات القطرية
بسلخ انسانها عن جذوره وفق برامج طويلة المدى تسهم فيها الامية المتفشية والاوضاع
المعيشية المتردية والاجهزة الثقافية والسياسية التي تختبئ خلفها كل مقولات وقيم
القطرية الانعزالية الضيقة، حتى كدنا نشتاق لسماع خبر عن مظاهرة تأييد كلامي في
احدى ساحات هذا العالم العربي المترامي تأييدا لجهاد شعب فلسطين ومقاومته ودماء
استشهادييه ودموع الثكالى والأيتام والمشردين وصراخ المشيعين يوميا على امتداد ارض
فلسطين.